كان والدها مهندساً زراعياً، هاوياً للغناء يجيد عزف العود والبيانو. لذا تعلقت الطفلة فاطمة بالغناء، وكان الأب من الوعي والتفتح بحيث أسند إلى الفنان فريد غصن تعليم ابنته الغناء، وإلى الفنان عبد الوارث عسر تلقينها أصول مخارج الألفاظ وتدريبها على الإلقاء والتعبير الصوتي، ولم تخيِّب فاطمة ظنه في حسن التعلم، وأكملت مشوار شقيقتها عفاف إلى احتراف الغناء، بل فاقتها موهبة.


لم يقف الأمر عند هذا الحد. تقدمت فاطمة إلى لجنة الاختبار في «استوديو مصر» عندما كان المخرج أحمد بدرخان يبحث عن وجه جديد. وحازت إعجاب اللجنة بعدما قامت بالغناء والتمثيل، لتصبح هذه الشابة شادية، وتقدم للسينما ما يقرب من ١١٨ فيلماً إلى جانب مشوار غنائي احترافي على التوازي. ولعل شادية المثل الحيّ على عدم صحة عبارة «صاحب بالين كداب»، فقد برعت في كلا المجالين على حد سواء، وإن لم تكن الجودة واحدة في ذات الوقت.
على الرغم من أن خبرتها في التمثيل تراكمت وازدادت طردياً مع عمرها، وبالتالي زادت جودة ما تقدمه في السينما، إلا أن هذا لم يحدث بالمثل لقدراتها الغنائية والأدائية التي فاتها التطور مع الوقت. برغم ذلك، ميَّز شادية ذكاؤها في الاختيار وقدرتها على المغامرة والتجربة بما لم تماثلها فيه زميلاتها في الحقبة الزمنية التي امتهنت فيها الغناء، سواء من حيث موضوعات الغناء أو القوالب الغنائية. شادية اختارت شخصيات عديدة لتغني من خلالها، بحيث أصبح لها وجود في كل مناسبة داخل كل بيت على مستوى مصر وأغلب الوطن العربي. الشابة العروس في «يا دبلة الخطوبة»، الأم في «سيد الحبايب»، الابنة في «ماما يا حلوة»، والحبيبة الجريئة في «بحبك يا اسمراني»، الحبيبة الخجولة في «مكسوفة منك»، السيدة الوطنية في «يا حبيبتي يا مصر»، الغانية في «ايرما لادوس»، العدادة الحزينة في «والله يا زمن».
وإذا تناولنا قطاعاً معيناً مميزاً من أعمالها الموسيقية، فسيكون تعاونها مع بليغ حمدي الذي لحن لها الكثير.
وعلى غير عادته في الأغاني القصيرة، ابتعدت ألحانه عن التأرجح الدرامي بين التراجيدية الحزينة واليوفوريا السعيدة جنباً إلى جنب عبر المقطع الواحد، وتميزت بالوحدة المزاجية والإيقاع السريع على طول الأغنية مثل «العين العسلية»، والتجريب في قوالب موسيقية خفيفة أو غريبة مثل «أحبك قوي». وداخل الجملة اللحنية الواحدة، تميزت بكثرة الحروف الموسيقية وسرعة الانتقال بينها، ما ناسب الطبيعة المرحة لأداء شادية ومساحة وخامة صوتها. بينما ظهرت خصائصه اللحنية المميزة لشخصيته الموسيقية بوضوح في الأغاني الطويلة التي لحنها لها مثل «آخر ليلة»، متجاهلاً قدرات وخصائص ومساحة صوت شادية المقيدة التي تميزت بالأداء التعبيري والخامة التي عوضت المساحة أو الحرفية اللذين ينقصانها في كثير مما قدمت مع بليغ، خصوصاً الأغاني الطويلة التي قدمت بشكل حي. واللافت عجزها عن إصابة النوتات الصحيحة في تأديتها لكثير من ألحانه بشكل حي أو تسجيلاً، وهذا هو الأمر الذي تغاضى عنه الأغلبية من الجمهور في اتفاق ضمني متجاوزاً إياه للتركيز على أدائها وروحه وقدراتها التمثيلية.
خلد بليغ صوتها بروح الفولكلور حينما خلق له «الحنة يا قطر الندى» و«آه يا اسمراني اللون» و«سلامة سلامة» وغيرها مما استقاه من روح التراث المصري الصعيدي، وهو المنطقة المفضلة لديه التي يشتبك معها بشكل متكرر في مختلف ألحانه للمغنين المصريين.
في 1986، قررت شادية الاعتزال والانسحاب من الساحة الفنية. تزامن هذا مع أدائها لأغنية «خد بايدي» في الاحتفال بالليلة المحمدية. وعلى الرغم من اختلاف تفسيرات أسباب الاعتزال وتطرقها المؤذي لتفاصيل شخصية حياتية، إلا أن شادية موجودة بإنتاجها الموسيقي والسينمائي الغزير المثير للخلاف.
* مطربة مصرية