القاهرة | خلال الأيام الأولى ـــ الأكثر صعوبة ودموية في «ثورة يناير» 2011 ـــ خطر لأحد البرامج التلفزيونية أن يجري اتصالاً بالفنانة شادية المعتزلة منذ عقود. جاء صوتها عبر الهاتف مذعوراً مرتبكاً كأنما من عالم آخر: «ليه كده يا مصريين؟». كانت تتساءل عن السبب الذي جعل المصريين «يعملوا كده ببعض».


ربما لم تكن تعي - في غيابها - آنذاك أنّ الصوت المهيمن على الميادين الآخذة في الانتصار آنذاك، كان صوت أغنيتها «يا حبيبتي يا مصر».
«يا بلادي يا أحلى البلاد يا بلادي». كلمات محمد حمزة التي لحنها بليغ حمدي، كانت تشدو في سماء الميادين يشغلها المصريون من أجهزة كاسيت السيارات، صوتها العميق القوي الشادي في الأغنية، كان أحد الأوجه العديدة لصوتها «الدلوع» في «يا دبلة الخطوبة»، فائق الحزن في «يا عيني ع الولد»، عارم الجاذبية والعاطفة في «وحياة عينيك وفداها عينيا».
في عبارة مكتوبة بخط اليد، تقول شادية رداً على قراء إحدى المجلات الفنية في الخمسينيات إن «أمنيتها في الحياة» أن «يكون لديها دستة أطفال حين تصل إلى عمر الخمسين». ليس مؤكداً نسبة العبارة إلى شادية، لكن الأكيد أنها لم ترزق الأطفال رغم ثلاث زيجات أشهرها اقترانها بصلاح ذو الفقار. لا تعطي الحياة كل شيء على ما يبدو، لكن شادية أعطتها الكثير. لم يعرف عن فنانة غيرها تساوي الموهبة في الغناء والتمثيل بهذا القدر. كانت نجمات السينما إما مغنيات يمثلن أحياناً، كأم كلثوم وفايزة أحمد ووردة، أو ممثلات يغنين أحياناً كهدى سلطان. وباستثناء الموهبة الفذة لسعاد حسني، لم يكن سوى شادية تجمع بالقدر نفسه بين حنجرة ذهبية وطاقة تمثيلية خلاقة ومتنوعة. عبّرت عن نفسها في فرصة نموذجية في فيلم «عفريت مراتي» (فطين عبد الوهاب ـ 1968)، في دور الزوجة المهووسة بتجسيد شخصيات سينمائية متنوعة.

كانت شادية «إيرما لادوس» المصرية خفيفة الظل قبل شهور من تقديمها دور «فؤادة» أمام عتريس في الملحمة السينمائية الغنائية «شيء من الخوف» (حسين كمال ـ 1969). لم يكن هذا الانتقال المذهل والمقنع بين الأدوار والشخصيات والكوميديا والغناء والتراجيديا غريباً ولا صعباً على «حميدة» المغوية في «زقاق المدق» (حسن الإمام ـ 1963)، التي تحولت إلى المديرة الصارمة المحبة في «مراتي مدير عام» (فطين 1966)، ثم إلى عاملة الفندق البسيطة زهرة في «ميرامار» (كمال الشيخ ـ 1969).
كانت تنقلاتها/ قفزاتها من هذا الدور، واللون، إلى ذاك، قفزات نجاح مطلق، حوّلها إلى نجمة شباك ورمز أسطوري لفتيات الخمسينيات والستينيات اللواتي كنّ يتنافسن في تقليد «قُصة شادية» أي تصفيفة شعرها المميزة. كأن ذلك التنقل من السينما إلى ميكروفون الغناء لم يكفها، فتقرر قبل اعتزالها بسنوات قلائل أن تحقق قفزة كبرى إلى لون فني لم تجربه قبلاً.


الوحيدة التي جمعت بالقدر نفسه بين حنجرة ذهبية وطاقة تمثيلية خلاقة

كانت مسرحية «ريا وسكينة» (حسين كمال ـ 1980) تجربتها المسرحية الوحيدة، لكنها ــ كالعادة مع شادية ــ حققت نجاحاً ساحقاً، الجمهور الذي لم يتوقف عن التدفق إلى مسرح «ليسيه الحرية» في وسط القاهرة لم يأتِ بالأساس للاستمتاع بعملاقي المسرح عبد المنعم مدبولي وسهير البابلي، بل لمشاهدة شادية على المسرح للمرة الأولى تؤدي دور «ريا» الذي أجادت فيه وتألقت كأنها ولدت على المسرح. العرض الذي يحكي قصة أختين قتلتا عشرات النساء في الإسكندرية قبل أكثر من قرن، تحول إلى كوميديا غنائية استعراضية بفضل وجود شادية أولاً وتألقها. غنت «حبك جننا يا اسمك ايه» لأربع سنوات استمر خلالها العرض الساحق للمسرحية. أغنيات كتبها عبد الوهاب محمد ولحنها بليغ حمدي، وغنتها شادية بمصاحبة النجمين مدبولي والبابلي، جعلت من المسرحية عملاً أيقونياً دائم العرض والمتعة. بعد ختام المسرحية، وعلى طريقة نجمات الماضي القديم، قررت شادية الاعتزال وهي في القمة حيث لا تزال تحتفظ بالوجه الجميل. كانت قد وصلت الخمسين ولم تحصل على «دستة الأطفال» التي أرادتها، لكنها حصلت على ملايين المحبين الذين لم ينسوها رغم الغياب.