صار سهلاً تقديم ما يظنه البشر أدلة بعد الغياب. هذا ما يظنه كثيرون. لا صحة لإستنتاج هذا حيث تضحي القواعد والشروط أكثر حضوراً، بعد الموت. لن يضحي جلال خوري (1934 ــ 2017) ضحية لقضية جماعة ولا مشاعاً. تشييع النفس كما عاش صاحب النفس. الأيديولوجيا في طليعة حياة جلال خوري. السياسة أولاً.


هكذا وجد المسرحي كأحد أصفياء المسرح السياسي. ولي المسرح البريختي، أو طليعة المسرح الملحمي. طليعة مسرح التغريب. البداية من ستاد دي شايلا، حيث اجتمع أصدقاء خرجوا إلى حرب المسرح، بعدما وضعوا قلادات الفرنكوفونية في أعناقهم. هناك، قُدِّم بيكيت لأول مرة. «بانتظار غودو» نادمت جمهور المجموعة. خوري واحد من المجموعة العاملة. اللغة ضمير. فاتهم ذلك حتى ١٩٦٧، عام الهزيمة العربية المدوية. بات من الضروري، إثرها، التضحية بشيء. حيوان أو بشري أو أداة. تمت التضحية باللغة الفرنسية. لا تضحية بالمصطلحات. تضحية باللغة. بايع الجميع القفز فوق اللغة الفرنسية. بايع الجميع القفز فوق الفصحى إلى العامية اللبنانية، سوى منير أبو دبس لأنه وجد أن العامية تغرب.
وقوف جلال خوري والآخرين، على غسق الحروف العربية، تدحرج سياسي. جزء من سؤال الهوية المؤجل. استقصاء الأحوال الأولى لجلال خوري، يذكرنا باجتماع الشيوعيين الهاربين من بطش السلطة في مشغل والده للخياطة في منطقة الأشرفية. السياسة مرة ثانية. تحسس خوري عقله هناك. وجد الماركسية عند الماركسيين.


«بونسيون الست نعيمة» الأصفى بين أعماله الأخيرة

ببنى تراكيبهم، هم أولاد العائلات الميسورة، الباحثون عن حقوق الفقراء تحت شعاع الصراع الطبقي. انخرط الشاب بالممكن الوحيد في حياته. الشيوعية، الماركسية. وجد سحر الشعر في الماركسية. سحر المسرح. وجد بصياغاتها اللغوية تركيبات تشير إلى المستقبل. أصبح ماركسياً. ثم انضوى بالنضالات، سواء بالمسرح أو الشارع أو اتحاد الكتاب اللبنانيين. كل من سمع صوته، استفزه الصوت من وضوح الصوت. صوت ضد الطائفية وشوائبها. لا ضد الفردية. السياسة من جديد. المسرح السياسي مسرح جلال خوري. لا اعتباط في قراءة مسرح الرجل الطويل بالنظارتين الغامقتين. لا تجديف في العلاقة بالسياسة. عند إنشاء المؤسسة الدولية للمسرح، بين خوري وجيرار خاتشاريان وآخرين، تم تحقيق حضورها لتسليطها على ملامح المشهد «غير الثوري» الموالي لإسرائيل في كل المنتديات في العالم. بوجودهم، وجد العالم المعجم الجديد في المؤسسة الدولية، إذ تصادم اللبنانيون مع الفكر السائد. بثوا وعيهم الجديد، بعلاماته الجديدة، بين مشيئتهم ومشيئتهم ضد اعتباط العالم. فلسطين عربية. مقطع تكرر في اجتماعات المؤسسة الدولية للمسرح. لا لإسرائيل في المؤسسة. وإذ أصر الغربيون على نحت إسم اسرائيل بالتزكية في كل هيئات المؤسسة، جعل اللبنانيون الأمر على صلة بنسقهم النضالي. لا لإسرائيل وحدها. اسرائيل ودول عربية أخرى، إذا تعذر حضور فلسطين كعضو في هيئات المؤسسة ذات التكوين الديمقراطي من منظور الإنتخاب. ننتخب، إلا إسرائيل. مقعدها محفوظ في المؤسسة. تسليط على التلسط، على طريق انهاء التسلط. السياسة مرة جديدة.
أطّر الرجل مسرحه بآليات الإشتغال السياسي. «جحا في القرى الأمامية» أشهر مسرحياته، مسرحية سياسية. السياسة ملاذ. لا تقلبات في السياسة، ما دام الفكر ضد اختباءات السياسة وراء ما يقتضي المتلقي من المسرح. يليق الإبتداع بجلال خوري. ابتدع مسرحه من مسرح بريخت، بعدما حصَّل منحة إلى المانيا الشرقية في زمن الألمانيتين. استيلاء بريخت على جلال خوري، استيلاء هيلينا فايغل على جلال خوري أكيد. تقمص جلال خوري التغريب أكيد. لم يفتح إلا أذنيه وهو يدور في أروقة «البرلينر أنسامبل». مسرح بريخت. «جحا في القرى الأمامية» من بريخت. «سوق الفعالة» من بريخت. «صعود وسقوط آرتورو أوي» من بريخت. تقمص جلال خوري بريخت حسب عبارات بريخت الشائعة في «الأورغانون الصغير». حين قدم «زلمك يا ريس» (1981 ـ عن «آرتورو أوي» بعدما قدمها مع روجيه عساف) وقعت المسرحية بأصدائها الدلالية الجديدة. بعدما استكتب جلال خوري بشير الجميل مقدمة المسرحية، نشر المقدمة في مطوية المسرحية الموزعة عند باب المسرح. سياسة من أحوال المدينة. احتلت المليشيات المدينة. استكتب جلال خوري من هجت المسرحية أقرانه وأمثاله ونظراءه. حنكة بحسب البعض. براغماتية بحسب البعض. ربط نزاع بحسب البعض. السياسة تنقذ المسرحية من مظاهر المأساة المدروزة على جدرانها، من توظيفات الرقابات الحزبية على الأعمال المسرحية والفنية والثقافية. لا معطى بلاغياً معيارياً في كلمة بشير الجميل. بنت شفة مبطنة بالنداء وصدى النداء. مبطنة بالحماية، باختباء المسرحي خلف السياسي البطاش. سقطت المسرحية في فم الوحش العسكري.
لم يكرر جلال خوري ما لم ينسه الناس. راح ينسج أنفاسه في فضاء آخر. كرسي الفودفيل، كرسي جلال خوري. اقترح مروان نجار المرجع الواقعي الجديد على جلال خوري. لم يرفض بشرط أن لا يوقع «عريسين مدري من وين». وحين لم تستعص على التلقي الجمعي، عاد وطلب وضع إسمه على المسرحية، بعدما دوَّن مروان نجار على أفيشاتها «مسرحية لمروان نجار». اتخذ القرار الإداري الإرادي، وانتهى الأمر. أجزم بأن «بونسيون الست نعيمة» الأصفى بين أعماله الأخيرة. نص ممتاز من أسامة العارف. لم يحس خوري بفروقات النبض بين مسرحية وأخرى. هكذا روى رواية المسرحية على حدود النص لا باستبطاناته. أقام مصباح البيروتي علاقة بفتاة بولونية خلال سفره إلى أوروبا الشرقية. غادر بدون أن يعرف أن المرأة يهودية وأنها حبلت منه. يسأل الولد عن والده، بعدما أصبح مجنداً في «جيش الدفاع الإسرائيلي». يرفع القومي العربي السكين على ولده اليهودي، في لحظة متوترة مفتوحة على كل الإحتمالات. أوقفت المسرحية بعدما رسمت بعض قيادات الحزب الشيوعي هالاتها الزرقاء تحت عينيها. كرر جلال خوري تضفير حضوره ببعض الفودفيلات المتهافتة. فودفيلات نابعة من الحاجة لا الثقة. حين تذكر بيروت القديمة، قدم «رزق الله يا بيروت» (1997). لا حرية في الحرب. خلاصة المسرحية. بعدها، عمق الصور المهدمة لماركسيته في «هندية ـ راهبة العشق» (1999). شيء من التصوف، شيء من اللاهوت. ثم ذهب إلى الفانتازيا النفسية في «مستر فرويد». لم توفر الأيام الجديدة الأريحية الجديدة لأحد أبرز الأسماء المسرحية في مرحلة التأسيس وما تلاها. كتب المُنَّظِر الأغنية لسامي حواط. عَّلم في الجامعة. المثقف الموسوعي وجد تنويماته المحقة في الطب الشرقي واليوغا. في آخر سنواته، وجد المسرح شكلاً لا علاقة له بأحياء القرنين العشرين والحادي والعشرين. دعا إلى الإرفضاض عنه. منذ أيام، غاب جلال خوري، لا كنجم نادم. غاب كرقعة شمس خجلة من ظلام البلاد. مضى كحفيف الطيور على الهواء، بعدما حكم عالماً واسعاً من المسرح. غرقت النحلة في أحلامها الأخيرة.

* تقام مراسم التشييع عند الواحدة من بعد ظهر اليوم الاثنين في «كنيسة مار مارون ـ الجميزة»، قبل أن يوارى الثرى في مسقط راسه الصفرا. تقبل التعازي يومي الثلاثاء والاربعاء (5 و 6 كانون الاول) اعتباراً من الساعة 11 قبل الظهر لغاية السادسة مساء في صالون «كنيسة مار مارون» (الجميزة)