نحن الآن، في واحدة من المناطق التي احتضنت منظمة التحرير في السبعينيات. بعد أربعين عاماً عادت الهتافات والأعلام. «يا ترامب اسمع اسمع عن الأقصى ما رح نرجع»، و«اتنقل يا فدائي يا بو كلاشينكوف عالأقصى يا فدائي يا بو كلاشينكوف». شابان يرددان الهتافات. يريح أحدهما الآخر عندما يتعب الأول.


والناس تردد الشعارات بعدهما بحماسة شديدة. تأتيهما إشارة بأن يتوقفا. الشيخ بدأ خطبة الجمعة. يستجيبان للحظة، ثم يُحملان على الأكتاف وتعاد الهتافات. النساء والشباب والأطفال الذين لفّوا حول رقابهم الكوفيات، جاؤوا ليقولوا إن القدس ستبقى عاصمة فلسطين الأبدية، وإن فلسطين ستبقى عربية. يمكن معرفة كل واحد منهم لأي فصيل ينتمي من كوفيته. فهذا يلف كوفية طبع عليها رسم ياسر عرفات. وذاك فتحاوي من العلم الذي يحمله وآخر من حماس، وهكذا. لكن فلسطين كانت فوق الأحزاب. لا يمكن التفريط بالقدس، يجمعون.


تصبّ متظاهرة جام غضبها على السعودية:
من أنتم لتتّخذوا هذا القرار يا خونة؟


فاتن امرأة أربعينية تهافتت عليها وسائل الإعلام. امرأة مفوّهة، تتحدث اللغة الفصحى بطلاقة. تصرخ أمام الكاميرات ضد ترامب والملوك العرب. ترامب لم يتخذ قراره وحده، تقول، بل بضوء من السعودية وبعض الدول العربية. تعتقد فاتن بأن ترامب لن يتراجع عن قراره، ولكن «هو قرر ونحن الشعب الفلسطيني أيضاً قررنا، لن نتكلم إلا لغة الرصاص والصواريخ والسكاكين، أما لغة المفاوضات فانتهت». بين الجموع، أيضاً، كانت سيدة مسنّة بحماسة شابة في مقتبل العمر، تمسك لافتة كتب عليها: «القدس فلسطينية مية بالمية». يا حاجة ألم تيأسي؟ تقول «70 سنة ولم نيأس، ورح نرجع على بلدنا إن شاء الله». الأمر سهل بالنسبة إلى هذه الحاجة التي تقارب الثمانين من العمر. ببساطة، «فلتفتح الدول العربية حدودها فيزحف الشباب إلى فلسطين ويقوموا بالهجوم لاستعادة الأرض»، إذا توحدت الأمة العربية نحرر فلسطين في يوم واحد، تقول. امرأة أخرى تصرخ بغضب «كيف يصرح ترامب بما لا يملك؟!»، ثم تصب جام غضبها على السعودية «من أنتم لتتخذوا هذا القرار يا خونة؟ نحن أصحاب الأرض وفلسطين لنا». بدوره، شاب فلسطيني أكد أن المفاوضات «ساقطة من سنة 94». ولا حل إلا بالمقاومة العسكرية: «اتفاق أوسلو عملياً ساقط. لم توصلنا المفاوضات إلى نتيجة، بل هي تنازلات أفقدتنا الأرض وسنفقد الهوية، ولم يبقَ أمامنا إلا الكفاح المسلح». نسألهم، فيقول أحدهم إن فلسطين لا تتحرر بالتظاهرات وإنما بالسلاح، «تحررها كتائب القسام». يقاطعه صديقه الذي يرى أن القدس تتحرر يوم القيامة «متل ما انذكر بالقرآن وقتها منرجع على فلسطين». طفل آخر اعتبر أن لا أحد يساند فلسطين... «نحنا لوحدنا». من يقاوم إذاً؟ ماذا عن حزب الله؟ صمت الطفل وأجاب «ممم آه يمكن. آه بساعدنا، لكن في الأمة العربية لا أحد يساعدنا».
نمشي مع المتظاهرين، في شوارع يعرفونها وتعرفهم جيداً. شوارع منظمة التحرير في بيروت السبعينيات. بيروت خيمتهم. شيخ فلسطيني حضر إلى التظاهرة، رغم مرضه وكبر سنه. سألناه عن جدوى التظاهرات، فأخبرنا أنه منذ كان صغيراً وهو يشارك في التظاهرات. «ولدت بين التظاهرات ولم يحصل شيء، لا نجد إلا التخاذل من الحكام والملوك العرب». لا يجد هذا العجوز جدوى إلا في المقاومة، مندداً بالسلطة الفلسطينية، ومعتبراً أن عليها إذا كانت حقاً مع شعبها أن توقف العمل الأمني مع إسرائيل حتى تتحرك المقاومة، فأمر كهذا يحتاج ولو لمرة الى اتخاذ قرار جريء. وفي طريق الجديدة أيضاً، ناشطة من حزب الله. حضرت التظاهرة رافعة علم فلسطين.
انتهت الصلاة. انطلقت مسيرة تتقدمها الدراجات النارية. وبدأت كشافة بيت المقدس، وكشافة فتح، العرض الموسيقي الحماسي، وخلفهم بقي الناس يهتفون ملء حناجرهم: «الموت لأمريكا».

تظاهرة خجولة للمستقبل

في مكان آخر، أمام جامع محمد الأمين، دعا تيار المستقبل الى تظاهرة منددة بقرار ترامب. اجتمع المتظاهرون، وهم من البيارتة، حول ضريح الرئيس رفيق الحريري. الحضور كان خجولاً. حضر تلاميذ مدرسة المنار الإسلامية، وسرعان ما انسحبوا. سألنا أحد المنظمين، الذي كان يحمل أعلاماً ــ لم يأت أحد ليرفعها ــ لفلسطين وتيار المستقبل عن سبب الحضور الخجول، فأجاب أن في المناطق الأخرى هناك تجمعات كبيرة، كالزيدانية وعائشة بكار وساقية الجنزير. بين الحاضرين، كان محمد رفعت دايخ موجوداً، وهو يعرّف عن نفسه كمحازب في تيار المستقبل. يقول إنه كان عضواً في منظمة التحرير الفلسطينية، وتحمس لإشهار صوره على الجبهات وصوره الشخصية مع ياسر عرفات. سألناه عن دور السعودية في القرار، فقال «نحن نشغل عاطفتنا ونشغل إحساسنا الطائفي». الرجل ضائع بين حبّه لفلسطين، وبين طائفته، وهذا يتجلى في قوله: «أنا مع القرار الذي يتخذه سعد الحريري والسعودية قلباً وقالباً».