في اجتماع وزراء الخارجية العرب في القاهرة، أول من أمس، لمس لبنان، مجدداً، بركات الرئيس القوي. الرئيس الواثق بأن قوة لبنان في قوته وفي مقاومته وفي صلابة موقفه. الرئيس الذي يستعيد رئيس وزرائه من براثن الرياض، لا ذاك الذي أقصى طموحاته أن يسكن قصراً و«إعلاناً»، ولو تحت شعار «عاشت المملكة العربية السعودية».


في اجتماع القاهرة، كان وزراء الخارجية العرب يؤدّون، كعادتهم، واجباً روتينياً حفظوه عن ظهر قلب. التهيّب الذي تفترضه مناسبة الاجتماع لا تعكسه الوجوه الخاملة والابتسامات البلهاء. كلمة لرئيس الدورة الحالية، تليها كلمة للأمين العام للجامعة، فكلمات متتالية تشجب وتدين وتستنكر وتدعو وتجدّد... وكفى الله المؤمنين شر القتال. كل ذلك بخطاب مملّ وسياق رتيب يلقي نعاساً على الحاضرين، ولغة «مكسّرة» تدعو الى التشكيك في ما إذا كان أي من هؤلاء قد راجع الخطاب الذي كُتب له قبل أن يلقيه.
غاب الوزير البحريني خالد بن أحمد بن محمد آل خليفة المنشغل بزيارة وفد بحريني إلى إسرائيل، فيما اضطر السعودي عادل الجبير (ممثل خادم الحرمين الشريفين) الى قطع انشغاله على «الواتساب» ليلقي كلمة مقتضبة يحض فيها الادارة الأميركية على «التراجع عن قرارها»... قبل أن يعود إلى «الواتساب» مجدداً! اعتبر المصري سامح شكري (ممثل أكبر الدول العربية) أن القرار «يتعارض مع قرارات ​مجلس الأمن»، ودعا المغربي ​ناصر بوريطة​ (ممثل الدولة التي ترأس لجنة القدس) إلى «مواجهة القرار الأميركي بالسبل القانونية»، وأسف الفلسطيني (أكثر المعنيين بالقدس) لـ«الوضع الّذي آلت إليه الإدارة الأميركية». مواقف ودعوات تليق، فقط، بناشطين في «المجتمع المدني»، أو بممثلي «أمة مفتتة يُستسهل إهانتها وسرقة رموزها وإغتصاب أرضها» على ما جاء في كلمة جبران باسيل (ممثل الدولة العربية الوحيدة التي هزمت إسرائيل).
خطاب «المواجهة»، و«الكرامة التي لا تمس»، و«المقاومة حتى الشهادة»، و«الإنتفاضة»، و«إما الثورة أو الموت لأمة نائمة» و«فرض عقوبات مالية واقتصادية» على من يعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل، وحده نفض الملل الذي اكتسى الوجوه، ونال تصفيقاً حادّاً من مندوبي وسائل الاعلام، وبدا من خارج السياق العربي العام الحالي.
في القاهرة، وحده لبنان، بين كل الدول الأعضاء، بدا وكانه طبّق الآية القرآنية التي تزيّن صدر القاعة «إن الله لا يغيّر ما بقومٍ حتى يغيّروا ما بأنفسهم». ووحده باسيل، «المسيحي اللبناني المشرقي والعربي»، من بين كل الحاضرين، أراد أن يصلّي في القدس، وذكّر العرب بخريطة طريق استعادة المقدسات. بدا من زمن عربي مضى، كان فيه «شرفنا من شرف القدس»، وكانت فيه صنواً لـ«الكرامة التي لا تمس» ولـ«العرب والعروبة». زمن افتقدته، منذ عهد طويل، تلك القاعة الخشبية المتهالكة.