القاهرة | باهتاً جاء رد الفعل المصري الرسمي تجاه قرار الرئيس دونالد ترامب اعتبار القدس عاصمة لإسرائيل، وبدء إجراءات نقل السفارة الأميركية من تل أبيب إلى المدينة المحتلة.

لكن رد الفعل الشعبي كان واضحاً، سواء في شوارع مصر وجامعاتها، أو في نقاباتها وأوساطها السياسية والدينية. فقد استطاع الآلاف من المصريين كسر الحصار الأمني المفروض على التظاهر، متحدّين الإجراءات الصارمة التي اتخذتها قوات الأمن التي بدت محرجة في التعامل مع الحساسية المقدسية لدى جموع المصريين.

برودة ردّ الفعل الرسمي عكسها بدايةً المتحدث باسم رئاسة الجمهورية بسام راضي، في مداخلة هاتفية في أحد البرامج الفضائية، إذ اكتفى بالقول إن مصر ترفض قرار نقل السفارة الأميركية للقدس، وإن هذه الخطوة الخاطئة تتنافى مع كل قرارات الأمم المتحدة، مجدداً التأكيد أن قضية القدس حساسة وتمسّ وجدان كل مصري وعربي، وأن ما حدث «لن يمسّ عزيمتنا».
اللافت للانتباه أن رئيس الجمهورية عبد الفتاح السيسي، تجاهل التعليق على القرار، طوال أيام، ولم يُصدر أي موقف على مستوى خطورة الحدث، فيما لم يأتِ على ذكر الخطوة «الترامبية» خلال مداخلاته في «مؤتمر إفريقيا 2017»، المنعقد في مدينة شرم الشيخ في محافظة جنوب سيناء.
حتى الموقف الذي أطلقه الرئيس خلال استقباله نظيره الروسي فلاديمير بوتين بدا «أوروبياً» إن جاز التعبير، لجهة تأكيد «أهمية الحفاظ على الوضعية القانونية للقدس، في إطار المرجعيات الدولية والقرارات الأممية ذات الصلة، وضرورة العمل على عدم تعقيد الوضع في المنطقة من خلال اتّخاذ قرارات من شأنها تقويض فرص السلام في منطقة الشرق الأوسط».


كسر عشرات الآلاف القبضة الحديدية المفروضة على التظاهر والاحتجاج


لعل هذا الموقف هو الإطار المخطط على المستوى الرئاسي للدبلوماسية المصرية، التي لا تبدو أنها تتحرك وفق خطة قوية، على مستوى الحدث المقدسي.
هكذا يتضح أن المعايير التي ينطلق منها الحراك الدبلوماسي المصري، الذي تبدى بوضوح في اجتماع الوزراء العرب في القاهرة، وهو منع انهيار مفاوضات التسوية، برغم قرار ترامب، ومحاولة كسب الوقت لإقناع الجانب الأميركي بصيغة أخرى لاتفاق فلسطيني - إسرائيلي، بات القاصي والداني يدرك أنه، وإن نجح، سيكون وفق الشروط الإسرائيلية التي جعلها قرار ترامب أمراً واقعاً لأي مفاوضات.
وبرغم هذا الموقف الرسمي الذي لم يكن على قدر أهمية الحدث، فإن الرد الشعبي والجماهيري كان مختلفاً، فبعد دقائق من انتهاء خطاب ترامب، انطلق مؤتمر لـ«التيار الديمقراطي» المكون من أحزاب «الدستور» و«التحالف الشعبي الاشتراكي» و«الكرامة» و«العدل والحرية»، بمشاركة عدد من الشخصيات المستقلة، وأصدروا على أثره بياناً لرفض القرار وإدانته ومطالبة المجتمع الدولي بالتدخّل لمنع تدهور الأوضاع في الشرق الأوسط، التي وصفوها بأنها كانت بعد خطوات من الاستقرار بعد نجاح مصر في عقد مصالحة تاريخية بين الفصائل الفلسطينية.
وعقب ذلك المؤتمر، تقدّم «التيار الديمقراطي» بمشاركة بعض النخب السياسية بطلب لوزارة الداخلية لتنظيم تظاهرة أمام مبنى جامعة الدول العربية للاحتجاج على قرار ترامب، إلا أن الطلب قوبل بالرفض تحت دعوى وجود قرار إداري بمنع التظاهر أمام أية سفارة أو مبنى حيوي، وهو ما ردّ عليه التيار بالاتفاق على توجيه وفود شعبية وسياسية إلى جامعة الدول العربية والأمم المتحدة واتحاد المحامين العرب لتقديم احتجاجات رسمية ومطالبات بالتدخل لوقف القرار الأميركي.
وعلى صعيد آخر، نظّم العشرات من الصحافيين والمعارضين لقرار ترامب وقفة احتجاجية أمام نقابة الصحافيين في وسط القاهرة، بناءً على دعوة وجهها بعض أعضاء مجلس النقابة، وحمل المتظاهرون خلالها لافتات منددة بترامب وقراراته، مؤكدين أن القدس عاصمة أبدية لفلسطين، ورافضين المساس بها.
إلا أن الوقفة لم تمرّ بسلام، إذ اعتدت قوات الأمن على المتظاهرين، ثم عمدت إلى فضّ الوقفة والقبض على بعض المشاركين فيها، وإخفائهم قسرياً، قبل ظهورهم في نيابة أمن الدولة التي قررت حبسهم بتهم الانضمام إلى جماعة «الإخوان».
آلاف آخرون خرجوا من جامع الأزهر منددين بالخطوة الأميركية، عقب أداء شعائر صلاة الجمعة التي خطب فيها الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر، الذي وصف قرار ترامب بـ«الإرهابي»، لتندفع جموع المصلين إلى الشوارع هاتفين «بالروح بالدم نفديك يا فلسطين» و«بالدم بالروح القدس مش هاتروح»، ليستعيد المسجد التاريخي بعضاً من تاريخ التظاهرات الغاضبة لنصرة فلسطين.
وفيما قرر متظاهرو الأزهر الخروج إلى الميادين لإعلان الرفض الشعبي والوقوف بجانب القضية الفلسطينية، فإنّ قوات الأمن حالت دون ذلك، فحاصرت المحتجين واعتدت عليهم، فيما ألقي القبض على بعضهم، وهو ما وصفه المتظاهرون بأنه «تخاذل» و«وقوف بجانب دولة الاحتلال في وجه الحق الفلسطيني»، ومحاولة لقمع موقف الشعب المصري تجاه القضية الفلسطينية.
شرارة الغضب امتدت من شوارع مصر إلى جامعاتها، فعلى مدار أيام متوالية خرج الآلاف من طلبة وأساتذة جامعات القاهرة وعين شمس والإسكندرية والمنوفية وقنا وبنها والمنيا والأزهر والجامعة الأميركية، منددين بقرار ترامب، ويقودهم رؤساء الجامعات وأعضاء هيئة التدريس، وسط إجماع على إبداء موقف مصري أصيل بالتمسك بالقدس عاصمة لفلسطين. الغضب الشعبي ترافق مع ردود أفعال قوية من النقابات المهنية والمؤسسات الدينية.
وعلى سبيل المثال، أصدرت نقابات المهندسين والصحفيين والصيادلة بيانات إدانة وتنديد، فيما دعت الأخيرة إلى مقاطعة الأدوية الأميركية رداً على قرار ترامب.
أما المؤسسات الدينية، فكان ردها الأقوى على الإطلاق، فصباح يوم الجمعة التالي لإعلان ترامب، أصدر الإمام الأكبر شيخ الجامع الأزهر الدكتور أحمد الطيب بياناً أكد فيه رفضه القاطع لقرار ترامب الذي وصفه بالمتهور والباطل شرعاً وقانوناً، مؤكداً أن القدس هي عاصمة الدولة الفلسطينية المحتلة، مشدداً على رفضه القاطع مقابلة نائب الرئيس الأميركي مايكل بنس، قائلاً إن الأزهر لا يجلس مع من يُزيفون التاريخ ويسلبون حقوق الشعوب ويعتدون على مقدساتها، ومختتماً بيانه بتحية إلى صمود أهل القدس: «نقول لأهلنا في القدس المحتلة... نحيي صمودكم الباسل، ونشدّ على أيديكم، ولتكن انتفاضتكم الثالثة بقدر إيمانكم بقضيتكم ومحبتكم لوطنكم ونحن معكم ولن نخذلكم».
وبعد ساعات قليلة على بيان شيخ الأزهر، أصدرت الكنيسة القبطية بياناً أكدت فيه رفض البابا تواضروس الثاني، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية، لقاء مايك بنس أيضاً. تلك التحركات الشعبية أظهرت موقف الشعب المصري تجاه القضية الفلسطينية، بل وكسر عشرات الآلاف من الناس القبضة الحديدية المفروضة على التظاهر والاحتجاج، معلنين أن ارتباطهم بفلسطين أقوى من الخوف.