مع عودة الحياة إلى الحكومة، عادت المشاريع المهددة بالموت أيضاً. فلبنان أمام مشروعين "استراتيجيين"، يعتبران الأكثر خطورة على طبيعة لبنان. الأول في البحر (حالياً)، مع تسريع التشريعات والمفاوضات حول التنقيب عن النفط والغاز، والثاني حول تسريع إنشاء محارق للنفايات في قلب العاصمة... والمناطق ربما. وكلاهما لا يأتيان من ضمن خطة استراتيجية شاملة للتنمية المستدامة (غير موجودة بعد)، ولا من ضمن استراتيجيات قطاعية لا للطاقة ولا لتلك المتعلقة بإدارة النفايات.


وقد تزامنت مناقشات اللجان المشتركة في مجلس النواب اللبناني حول قضايا التنقيب، والإعلان عن ائتلاف شركات بينها "توتال" الفرنسية، مع عقد الرئيس الفرنسي في باريس "قمة كوكب واحد" التي دعا اليها بعد سنتين على قمة باريس حول المناخ لتفعيل العمل، بعد تخصيص يوم أيضاً لـ"تمويل المناخ"، أي تمويل مشاريع بديلة عن الوقود الأحفوري... مع العلم أن متطلبات محاربة تغيّر المناخ والحؤول دون ارتفاع درجات حرارة الأرض أكثر من درجتين يتطلب في أول وأهم إجراء عالمي، أن يبقى أكثر من 80% من الوقود الأحفوري تحت الأرض، أي وقف أعمال التنقيب عن النفط الغاز!
فكيف يمكن فكّ هذه الألغاز- التناقضات أو تفسيرها، ومواجهة هذه الخيارات الخطيرة على مستقبل الأرض والإنسانية، في ظل عدم وجود ائتلافات مضادة؟
أطلق أمس في بيروت ائتلاف مدني حول إدارة النفايات، لمواجهة المحارق، كتبنا عن أهدافه الشهر الفائت في صفحة "بيئة" في "الأخبار" (http://al-akhbar.com/node/286877)، فهل يمكن أن نطمع في توسيع دائرة اهتمامه لتشمل قضايا مثل التنقيب عن النفط والغاز والتي سيكون لها تداعيات أخطر بكثير على البيئة اللبنانية والموارد الطبيعية، إذ يتوقع أن يفكك ائتلاف الشركات (فرنسية وايطالية وروسية) كل الألغام السياسية، المحلية والإقليمية والدولية للاستثمار بنجاح وهدوء، وأكل الجبنة بالتعاون مع القوى السياسية المؤتلفة أيضاً والمسيطرة الآن، ولن يتركوا للشعب اللبناني الا التلوث وتخريب البيئة والاقتصاد؟!
أما إذا نجح هذا الائتلاف "المدني" في أن يكون مضاداً فعلاً وواسعاً، فلا بد أن يضع على أجندته أيضاً التصدي لمشاريع السدود السطحية وغير الضرورية التي يتم تبنيها على أوسع نطاق وبتكلفة عالية من دون أن يكون من حاجة حقيقية لها، ومن دون أن يكون أيضاً هناك استراتيجية لحسن إدارة المياه تقوم أولا على وقف الهدر والترشيد في الاستخدامات كافة، وهي السياسة المطلوبة أيضاً في قطاع الطاقة. بالإضافة إلى النضال من أجل وقف الهدر في تنظيف الأنهر والسدود التي تناهز كلفة إنشاء سدود جديدة والتي ستذهب هدراً أيضاً، كما هي الحال مع "تنظيف" سد القرعون ونهر الليطاني، بكلفة عالية جداً، مع العلم أن الحل يكون بوقف التلوث من مصادره أولاً وهدم السد لتعود المياه الى مجاريها وتنظف نفسها بنفسها.
أما لناحية رؤية وأهداف ائتلاف إدارة النفايات، فلا بد من التنويه أخيراً، بتخلّي الائتلاف الجديد عن مطالب الحراك القديمة ودخوله في اقتراح بدائل على طريقة (أو بلسان) المتعهدين المنافسين في القطاع، والاكتفاء بالمبادئ ومطالبة الدولة بتحمل مسؤولياتها على طريقة المبدئيين، خصوصاً بعد أن مدد مجلس الوزراء عمر المطامر على الشاطئ وعمر الخطط الطارئة، من دون أن يكون لديه اية استراتيجية متكاملة وشاملة لكيفية التعامل مع جميع أنواع النفايات على المدى البعيد، باستثناء تبني خيار لا يخلو من الخطورة بإنشاء محارق … على أن يكون مقدمة لائتلاف وحركة أكبر وأعمق، تساهم في التغيير المنشود، أو على الأقل، تشكيل قوة ثالثة، تحدّ من جموح وشراهة القوى السياسية من جهة والقطاع الخاص من جهة أخرى (التي تدخل بدورها في ائتلاف ضمني وعلني أحياناً)… نحو تحقيق فكرة "المجتمع المدني-الحيوي" وحفظ حقوقه ومحيطه الحيوي، مع حقوق الأجيال الآتية أيضاً، التي لديها حقوق أيضاً بأن يبقى لديها مياه معدنية طبيعية عذبة للشرب ومياه بحر صالحة للصيد والسباحة وتربة صالحة للزراعة وهواء نظيف للعيش وموارد كافية وغير ناضبة أو مستنزفة.

* للمشاركة في صفحة «بيئة» التواصل عبر البريد الإلكتروني: [email protected]