«عندما غرقت في النوم، كانت المملكة العربية السعودية كلها تعرف أن منال الشريف، المرأة التي قادت السيارة، قد صارت في السجن». في عام 2011، سجّلت امرأة سعودية فيديو، وهي تقود سيارة شقيقها في شوارع المملكة، ووضعته على يوتيوب. وها هي تقدم شهادتها في كتاب، عن أسباب مشاركتها في حملة «سأقود سيارتي بنفسي» عبر كشف حياتها الخاصة التي تعكس حياة آلاف النساء اللواتي عشن محاطات بالقوانين والأنظمة والفتاوى الدينية المتشددة في السعودية.

بدأت الحقوقية أول فصول مذكراتها في الأسبوع الذي اكتشفت فيه تعرّض طفلها للضرب في المدرسة لأن أمّه «منال الشريف». في مؤلفها «القيادة نحو الحرية» (دار التنوير ـــ 2017)، تقول الشريف في مقدمة الكتاب: «أحلم بوطن يحترم انسانية المرأة ويعترف بها مواطنة كاملة الأهلية تملك حق قيادة مصيرها. فالوطن الذي يبقي نساءه في المقعد الخلفي، سينتهي في المقاعد الخلفية في مصاف الأمم».

منال الشريف كانت لتكون امرأة عادية، موظفة وزوجة وأماً، لولا تحديها أشد المحرمات في الثقافة السعودية أي نظام الوصاية و«قيادة السيارة» (تم إصدار قانون يسمح للمرأة بالقيادة قبل فترة). هكذا، أعلنت موافقتها على أن تكون هي الوجه العلني، وواحدة ممن يقدن حملة «سأقود سيارتي بنفسي». ظهرت في وسائل الإعلام الأجنبية، مما حرض غضب السلطات عليها. للمفارقة حين تم اعتقال الشريف من منزلها في الرابعة فجراً بتهمة القيادة، لم تكن تحمل في حقيبتها سوى أوراق تقديم رخصة سعودية. لكن هذا لم يمنع نائب مدير السجن من رفع جريدة سعودية تحمل صورتها والصراخ فيها بأنّها تستحق ما يصيبها، كونها «أساءت لدينها وتقاليدها وبلدها».
تروي الخبيرة الحاسوبية في شركة «أرامكو» النفطية مقابلتها مع نائب مدير السجن في كتابها الجديد. تقول: «أردت أن أقول له: لست مجرمة. أنا أول امرأة أعمل في أمن المعلومات لدى شركة النفط الحكومية. أعمل في دائرة شديدة الحساسية والأهمية. وشركتي فخورة بي كثيراً. لقد كتب عني في الصحف، وأجرت المجلات مقابلات معي، لا أستحق أن أكون واقفة هنا وأنت تصيح بي».
تعود جرأة الشريف إلى بدايات موجة الاحتجاجات في عام 2011، وترافقت مع عودتها إلى المملكة من بعثة دراسية في الولايات المتحدة. وكونها أماً عزباء، تعيش داخل مجمع «أرامكو» السكني، سمح لها بقيادة السيارة داخل أسوار المجمع الذي صمم على الطريقة الأميركية.
قررت الشريف أن تأخذ سيارتها الخاصة للقيام بجولة خارج أسوار المجمع يوم 19 أيار (مايو). سجّلت مقطعاً مصوراً لجولتها في السيارة، ووضعته على شبكة الإنترنت. بعد ساعات على نشر الفيديو الذي استحال الأكثر مشاهدة (أكثر من 700 ألف مشاهدة خلال يومين) وحظي بتغطية دولية، وقعت منال الشريف على ورقة دخولها «سجن الدمام المركزي» (شرق المملكة)، بتهمة «قيادة السيارة وهي أنثى». ولمدة تسعة أيام، نقلت الحقوقية السعودية عبر مذكراتها معاناة المهاجرات غير الشرعيات من سيرلانكا والفيليبين واندونيسيا والصومال والهند: «هناك 7 سعوديات فقط من 168 امرأة في السجن، وأربع منهن في احتجاز مؤقت». تقول الشريف: «أكثر الأمور رعباً أن تكون امرأة في سجن النساء، لكن ليس لكونه سجناً، بل لإدراك مدى الانتهاكات التي يتعرض لها الآخرون فيه، وليس لديهم إمكانية الحصول على مساعدة قانونية أو مترجمين في المحاكمة. كانت العديد من السجينات لا يعلمن لمَ تم سجنهن، وقد جعل ذلك معاناتي تبدو تافهة مقارنةً بهن».


تعرضت للختان الذي تصفه بأنه «أصعب جزء في طفولتي»

المرأة التي اختيرت ضمن الشخصيات المئة الأكثر تأثيراً في العالم على غلاف مجلة «التايم»، تسترجع في مذكراتها طلب مديرها في العمل عدم الزج باسم الشركة النفطية في ما تفعله من مطالبات حقوقية. يومها، قال لها: «هل تظنين أنه يمكنك تغيير أي شيء من خلال ما تفعلينه؟». نظرت إليه وأجبته: «إننا في 2011، لقد حان الوقت» تقول الشريف.
ولدت منال الشريف عام 1979، وهي الابنة الثانية لأب سعودي يعمل على سيارة أجرة وأم ليبية تعمل في خياطة الملابس. كانوا يعيشون في أحد أفقر أحياء مدينة مكة المكرمة. حين بلغت الشريف الرابعة عشر من عمرها وبسبب التربية المتزمتة، أحرقت أشرطة العائلة الموسيقية ومجلات الأزياء العائدة لوالدتها. الطفلة الموهوبة تخلت عن رسم الصور البشرية التي كانت محظورة في السعودية آنذاك، ولبست النقاب الذي لم يفرض عليها من العائلة. تروي لنا بكل جرأة عن تعرضها للختان الذي تصفه بأنه «أصعب جزء في طفولتي». بعد سنوات الجامعة والعيش في نيو هامبشاير الأميركية حيث تعلمت قيادة السيارة، بدأت برسم صورة جديدة وضعتها في الصف الأول للمناضلات السعوديات بالرغم من هجرتها القسرية إلى دبي، ثم استراليا حيث تقيم مع زوجها البرازيلي. تقول في كتابها: «أعتقد أنه لا يمكن للأطفال أن يكونوا أحراراً، إذا لم تكن أمهاتهم حرائر، ولا يمكن للآباء أن يكونوا أحراراً، إذا لم تكن بناتهن حرائر، ولا يمكن للأزواج أن يكونوا أحراراً، إذا لم تكن نساؤهن حرائر، والمجتمع لا يساوي شيئاً، إذا كانت المرأة لا تساوي شيئاً».
ولشرح أسباب السلفية التي صبغت نهاية السبعينيات وبداية الثمانينيات في المملكة، تسرد الشريف وقائع احتلال عبدالكريم الجهيمان للحرم المكي عام 1979، وتحولات المنطقة من الاحتلال السوفييتي لافغانستان والثورة الإيرانية، والمفاصل التي أسست للفكر الجهادي و«جيل التطرف» في السعودية، ووضعت قطاع التعليم والمجتمع تحت تأثير المشايخ والإخوان، حتى لبست النساء السواد «رداً على الغرب الكافر المنحل». وبلغ بالشباب المتطرف حد استهداف «أطباق الاستقبال الفضائي» ببنادق الصيد، وتم تجهيزهم كقنابل موقوته مدربة على القتل. تقول الشريف: «كان لديهم ما يكفي من الكراهية» ضد نسيج المجتمع السعودي... وضد المرأة!