يستدرجنا الكاتب مهدي زلزلي في مجموعته القصصية الأولى «وجه رجل وحيد» (دار الفارابي) إلى دائرة الخيبة والندم. يمنحنا الرؤية اللازمة للكشف عن المأساة التي تصنعها قراراتنا الخاطئة أو إملاءات القدر الذي نواجهه خائفين. المأساة التي نعيشها بمفردنا ونرويها على حذر من الأقربين، ثم سرعان ما نفرغها في قلب أول مصغٍ بعيد. كأنه هروب من الندم الذي لقيه أبطال القصص بمعظمهم. ولهذا تروى المأساة في «بلا خجل، ظروف غير غامضة» لأول غريب في الجوار بعد ملاقاة الحيف من القريب.
والمأساة قد تتخذ شكل الانتقام والقصاص. هذا ما يتضح جلياً في «أصل الحكاية، الخادمتان» حيث تتحول المعاناة لتصير انتقاماً فمعاناة أخرى لا تكف عن التناسل. هنا يجد القارئ قرار الاتهام على المحك: من أدين؟ لا بد من العودة إلى «أصل الحكاية». يصر الكاتب، وفي ذلك نجاة من سوء الفهم الذي عانى منه «أكرم» (من أجل رطل من اللحم)، فالرجل ظل في مرمى التهمة جزافاً رغم براءته من كل ما نسب إليه. لماذا؟ لأن الأحكام أسرع من الأفعال نفسها، ولأن أقدارنا تحاك خارجنا. إننا لسنا مسؤولين تماماً عن أفعالنا ولسنا وحدنا من يتولى مساق الأحداث.

فنجاة كاتب من الموت انتحاراً قد لا يكون سببها قصيدة أو رواية أو منثورة تضج بالحياة وإنما مجرد «صورة أخيرة لعامل المخبز»، وانتحار عامل المخبز الموعود بحياة جديدة سعيدة لم يكن إلا بسبب الصورة نفسها. هكذا يخاتل القدر أبطال القصص الذين لا يجدون السعادة رغم جمالهم (والغريب أن معظم نساء القصص هنّ من الجميلات) ولا حبهم الصادق أو صفاء نياتهم. لكن القدر ليس مجهول الأسباب، والكاتب لا يمارس لعبة تعليق الحياة على غيبٍ لا نعرف عنه شيئاً بل العكس. أصرّ الكاتب على أن تكون قصصه محكمة من حيث ترابط الأحداث واتساقها ولجهة انسلالها من وقائع الحياة قدر الإمكان، وإن كانت القصص في طرحها ومعالجتها هي قصص الفكرة أكثر من كونها قصص الواقعة. ولهذا نجد الأحداث هادئة ومتخففة من الصدمات والتأزم ربما لأن الذاكرة هي غالباً أبرز رواتها. أما الشخوص، فهم مدخل السرد أكثر من كونه صنّاعه. فالقارئ يدخل عالمهم من زاوية محددة ضيقة، من دون أن يعرف أسماء معظمهم حتى. ولهذا فإنهم أشبه بالحكائين الذين يدخلوننا في الحكاية ويبقون هم خارجاً ليحكموا الإمساك بها.
لكن الفكرة أو القضية التي تجلت في قصص مهدي زلزلي ليست إلا جنى الواقع بتعقيداته وتزاحمه. بمعنى أن قصصه ليست إسقاطات أو تهيؤات ينضح بها الخيال، إنما قصص حية لصيقة بالبيئة التي عرف الكاتب كيف يقتنص منها أخباراً وأحداثاً وعناصر تشارك في خلق عالمه القصصي. شخوص القصص هم جغرافية الواقع وصورته. وما «وجه رجل وحيد» إلا واحد من وجوه المدينة التي تضيق بأهلها. إنه الوجه الذي قُمعت وحُذفت فيه الابتسامة («ابتسامة على وجه رجل وحيد»، هو اسم إحدى قصص المجموعة)، ونبتت فيه الأفكار والعشوائيات مرة واحدة. كأن الإنسان والجماد وجهان لخيبة واحدة، أو عدوان يفترس أحدهما الآخر. ولذلك، فإن الجماد يبحث هو الآخر عن الانعتاق من الانسان أو عن فرصة للشماتة به كما هو حال المدينة التي تمد «لسانها الكلبي في وجهك. يخيَّل إليك أن جماداتها أكثر شماتة بك من ناسها» أو النظارة السوداء التي أسعدها تهشمها تحت الأقدام وانعتاقها من مهمة إخفاء وجه الممثل الشهير (موت نظارة سوداء). هكذا يصبح الجماد متأملاً في حالة الإنسان ومدركاً لما يتمخض في روحه ونفسه. إنه امتداد المرء وسكن روحه التي قد تعبر تجاهه كما عبرت الراوية في «بيتي»: «أسكن فيه، ولكنه ليس بيتي».
الحب والخيانة خيطان مجدولان في معظم القصص. وإن كان الحب واضح المعالم، فإن الكاتب يعيد تحديد الخيانة، حيث يقودنا إلى أشكال أخرى تلاقيها المرأة على الخصوص. إنها ليست خيانة الحبيب أو الزوج على وجه التحديد وإنما خيانة أعم تبدأ من الأم ولا تنتهي عند زملاء العمل.


الحب والخيانة خيطان مجدولان في معظم القصص

«قالت أمي إنني امرأة تستحق الدعس». هكذا يبدأ الكاتب قصته «أيقونة» التي تعكس صراع المثل والواقع في امرأة بأحسن حال وأسوئه في الوقت عينه! إنها المرأة الرمز التي انتصرت في أن تكون مثالاً لصبرها وعنفوانها وتحملها الأسر. وهي المرأة التي لا يفوت أحدهم فرصة دعسها! كأن الكاتب أراد أن يقول إن بطولات المرأة وتفوقها لن يمنحاها حقاً في أن تعيش من غير أن يُلقى عليها تبعات كل سوء حدث أو لم يحدث. بل إن بطولاتها ليست إلا هزيمة لها حيث يتكفل الخوف من تبدد صورتها النموذج بردعها عن نيل أبسط حقوقها: أن لا يتم دعسها من البعيد والقريب.
يمكن القول إن المجموعة مساءلة واسعة لثقافة نعيشها كل يوم ونصنعها في كل لحظة. إنها نوع من الاختبار لأفكارنا التي غالباً ما تقودنا إلى خيبة الأمل. ولهذا، فقد جاءت القصص لتبصرنا ما ينتج عن أفعال قد نظنها بسيطة وعابرة ثم تكبر وتعظم فتقودنا إلى ما هو أعظم. فالجنون مبدأه رصاصة طائشة (الفستان الأبيض)، والضياع والغربة مردهما إلى الجبن والنأي بالنفس (الغربة)، والجحيم قد لا يكون إلا بسبب مسابقة تلفزيونية (هو وهي والتلفزيون).. لكن مع ذلك لا نكف عن استجداء الأمل الذي قد يدركنا إن عدنا عن «القرارات الخاطئة التي لا نكتشف خطأها إلا بعد فوات الأوان». عندها لا شك في أن «ثمة ضوءاً سيلوح في نهاية النفق»!