لم يعد بإمكان المؤسّستين السياسية والأمنية في إسرائيل الركون إلى التقديرات الأوّلية التي سبقت وأعقبت القرار الأميركي حول القدس، باستبعاد تحوّل القرار العدائي إلى شعلة تؤجّج الشارع الفلسطيني.


كان واضحاً لدى تل أبيب، في سياق القرار الأميركي وموازاته، وإلى حدّ التيقن، أن لا تبادر دول «الاعتدال» العربي، وفي مقدمتها السعودية، إلى التخلي عن المسار السياسي إنقاذاً للقدس، وكذلك الأمر نفسه انسحب على تقديرات تل أبيب باستبعاد إلغاء اتفاقيات السلام مع مصر والأردن، وكذلك مع السلطة الفلسطينية، رغم توقّع سيل من الكلام بلا أفعال. إلا أنّه لم يكن متوقعاً لدى تل أبيب أن يتحرك الموقف الرافض في الشارع الفلسطيني في مسار تصاعدي ومتواصل.


ليبرمان: التنسيق الأمني هو مصلحة لأبو مازن لا تقل عن مصلحتنا


مما يظهر من المؤشرات المسربة عن المؤسسة الأمنية الإسرائيلية، يوجد إعادة تقدير في الموقف، وتعزيز لدوافع القلق من الشارع الفلسطيني الذي خالف التقديرات، إلى الحد الذي بات ينبئ بالأسوأ من ناحية إسرائيل، رغم أن الأمل ما زال موجوداً بإمكان لجم الهبّة الفلسطينية، مع رفع الصوت عالياً كي يتحمّل الشركاء في الداخل الفلسطيني والخارج مسؤولياتهم.
مع ذلك، كان واضحاً، في الأيام القليلة الماضية، وجود توجه إسرائيلي في محاولة التأكيد على محدودية تأثير الحراك الشعبي الفلسطيني، كجزء من محاولة الحد من الهبّة الفلسطينية، ومنعها من الاندفاع نحو مستويات تصعيد أوسع، باتت إسرائيل تخشى حصولها بالفعل. وهي محاولة تهدف إلى التأثير في الإعلام الفلسطيني والعربي، لتيئيس الحراك واندفاعة الجمهور والفصائل على السواء. إلا أن أحداث أمس، تحديداً، أظهرت فشل الرهان والمحاولة. الواضح أن الهبّة في اتساع وديمومة، وإن أحسنت قيادة الفصائل أقوالها وأفعالها وتماشت مع الهبّة الجماهيرية، فقد تتطور وتتصاعد الهبّة نفسها إلى الحدّ الذي يقلب الفرصة إلى تهديد من ناحية تل أبيب.
أمس، بدأت تظهر تسريبات عن تقديرات إسرائيلية حول إمكان خروج الوضع الميداني عن السيطرة، على نقيض الايام الماضية. و«الخروج عن السيطرة» هو تعبير إسرائيلي ملطّف عن أن ما يجري لم يكن متوقعاً، وأن هناك إمكانية فعلية لأن يتطور الحراك إلى مسارات غير التي كانت تراهن عليها تل أبيب. وهذا الوضع، المشبع بالخشية الإسرائيلية من الآتي، حاولت تل أبيب معالجته عبر رفع الصوت بالتهديدات، مصحوباً بأداء عدائي مضبوط في الميدان، الأمر الذي يعني إقراراً ضمنياً إسرائيلياً بالفشل أمام التحدي، إن جراء أفعالها هي أو جراء رهانها على «أنظمة الاعتدال» العربي التي بدورها لم تتكاسل في خذلان القدس والقضية الفلسطينية، في أعقاب القرار الأميركي الأخير.
وكان وزير الأمن الإسرائيلي أفيغدور ليبرمان قد عبّر، في اليومين الماضيين، عن منسوب مرتفع من القلق والخشية من إمكان تواصل التحرك الشعبي، عبر سلسلة من التهديدات المسوقة ضد الفلسطينيين، إلى الحد الذي كشف فيه، بصورة تهويلية واضحة، عن أنه طلب من الجيش الإسرائيلي الاستعداد لكل سيناريو محتمل، مع التأكيد للإسرائيليين على ضرورة الهدوء والاطمئنان، إذ إنّ كل صاروخ يطلق من غزة يقابل بهجمات جوية إسرائيلية، وأشار إلى أن «17 عنصراً من حماس قتلوا في الأشهر الماضية على أيدي قواتنا، والتوازن من ناحيتهم اختل. على كل صاروخ نحن نرد بثلاث أو أربع عمليات ضد مخازن الذخيرة ومصانع الصواريخ».
ليبرمان نفسه عاد أمس واستخدم أسلوباً جديداً عبر شنّ حملة تحريض واسعة، تظهر محدودية الخيارات الموجودة لديه، تستهدف الفلسطينيين وقيادتهم وفصائلهم، إذ لفت إلى أن «التنسيق الأمني بين إسرائيل والفلسطينيين هو مصلحة لأبو مازن لا تقل عن مصلحتنا إذا لم يكن أكثر». وأضاف «هو الآن على قيد الحياة بفضل التنسيق الأمني». وبحسب تحريض ليبرمان «رأينا ما حصل في غزة، وكيف تمّت تصفية نشطاء فتح الذي لم يوافقوا على السير خلف سيطرة حماس في القطاع. لذلك لا ينبغي أن نعرض طوال الوقت التنسيق الأمني على أنه حاجة لإسرائيل فقط. صحيح أننا نستفيد من التنسيق الأمني، لكن الطرف الثاني يستفيد منه أيضاً».