في مواجهة «الإله» العدمي الذي نصّبه الأصوليون على الرّقاب، شعُر المعطوب لوناس (1956 ـــ 1998) أنّه مكلّف بإعادة الشّمس إلى نصابها. لم يقدر رجال السّلطة ولا الظّلاميون على تجميد صوته وإن قاموا بتصفية جسده يوم 25 يونيو 1998 بثماني وسبعين رصاصة استقر بعدها في الأبديّة. لم يكن معطوب لوناس متخفيّاً. كان يعلن عن مكانه إلى جانب المنتفضين دائماً. ومنذ الحراك الأمازيغي سنة 1980، كان ملتحماً بالشعب بصوت يحمل العمق القبائلي الأصيل.


يخوض الفنّان الأمازيغي صراعاً جذريّاً مع السلطة الصّماء من جهة رجال البوليس والحاكم المتأثر بالخطاب القومي والرّافض للأصول الأمازيغية لمنطقة القبائل، ومن جهة أخرى الأصوليين اللاهوتيين، هؤلاء الذين طالما اعتبروا الاختلاف زندقة، ورجموا معطوب لوناس بالكفر، وكانت الغاية القصوى لهؤلاء إسكات الصوت الأمازيغي الحر. بعد استقلال الجزائر، تعالت الأصوات وسبقتها الأيدي لمحاربة الثقافة الأمازيغية الأصلية من أجل جماعة قوميّة عروبيّة أو جماعة روحيّة حصريّة. بدأت وقتها ثقافة القتل الديني في الجزائر، بالتوازي مع سياسة التعريب الإلزامي للأمازيغ، فتقاطعت استراتيجيا القمع وعقيدة الإخوان لطمس كلّ معالم الثقافة واللغة. واجه هو بجسده وصوته، بجسارة حولته إلى أيقونة وبطل قضية كيوغرطة وآكسيل وماسينيسا. رغم محاولة اغتياله على يد السلطة واختطافه من قبل جماعة إسلاميّة مسلحة هددته بإقامة حدّ القتل، لم يكفّ عن الغناء. دوّن هذه الحادثة وغيرها من الأحداث الدّامية في سيرته الذّاتية «المتمرّد[I1]» ( صدرت سنة ١٩٩٥ ــ وتمت ترجمتها إلى العربية) حيث كتب لوناس عن علاقته الجذرية بالموسيقى. نشأ لوناس على أنغام صوت أمه، وأهازيج نساء القرية في الأعراس والمآتم وأصوات شيوخ الأغنية القبائلية... كانت علاقته الفطرية بالموسيقى قد حوّلته إلى فنّان مقاوم تمسّك بالفلكلور القبائلي وكتب كلماته بنفسه. كتب باللّغة الامازيغية بشكل مباشر لاذع وساخر أحياناً. ما زال النّقاش حول أغانيه محتدماً، فينعته البعض بالكفر، والبعض الآخر يحاول تعديل هذا الاتّهام الثقيل ويبرر قوّة خطاب لوناس بالتّهور باحثاً عن إشارات توحيديّة في أغانيه. إنّ شعوراً بالقهر والقمع هو ما حرّك هذا الفنان المتفرّد، ذا الوجع الذي رابط به في الوطن، في وقت غادر أغلب الشباب الى أوروبا. قاوم هو من أجل وجود أصيل. كتب بلغته الأمازيغية دون شعرية معقدة، لكن بوجدانية فريدة تعكس الحياة اليومية القبائلية. في دفاعه عن قضيته، كتب معطوب الوناس أشعاره بين الالتزام والمنفى وتعلّق بالأرض واللغة. واعتبر الأمازيغية قضية كينونة لا يمكن أن تمحى بكل آليات قمع السلطة. لم يعد مهمّاً أنّ الشعر في أغانيه لم يكتب أصلاً باللّسان العربي، إنّما هو منقول عن الأصل نقلاً، فالتّرجمة هي فعل تماه. أن نمتحن قدرتنا على تحمّل رؤى الآخر، أن يتحوّل الآخر إلى ملتحم في صلب أنفسنا لأنّ ما قاله، سينقل إلى كنه لغتنا بوصفه جزءاً من «لحم الكينونة» الإنسانية المشتركة. هنا نترجم بعض قصائد أغنياته:

حداد في واد عيسى

منذ بداية التّمرّد
خيّم اللّيل، صعّد الجنود الاعتداء
استنفرت كلّ القرى
تدفّق الشّعب نحو تزي وزو
اهتاجت الشوارع
لمَ اشتعلت غضباً؟
هذا ليس جنوناً
نريد الحرّية
فلنذهب قبل أن تحاصرنا العصبة من كلّ اتّجاه
كما قدرنا سنكون
بدأ الكفاح
الابن سيخلف أباه إذا قضى
الابن خليفة أبيه
رجال السّلطة لمَ هذا التّعذيب
انظروا لسنا بقطيع
أسس وطننا واضحة
تمزغا ستبحث عن ثروتها
سنخرج القيح ويشفى الورم المميت
لا وجود لمن لا جذور له
النّار التي اتّقدت هل ستخمد؟
يضلّ هذا السؤال القلق
فالحديد يتأكل بالصدأ
يحتلّ الجيش تزي وزو، ينشر الظلم والقمع
قطعوا الطّريق إلى العاصمة
لمّا أغلقت الطرق
اهتزّت الأرض لنا
احذروا أن يقيّدوكم
كن مستعداً أيّها الشرطي لن نرضخ لنيركم
تلك الدماء التي أُريقت
ثمن شرفنا
صراع منذ الأزل
لن تخمد ثورتنا ولن نستسلم
بترنا الرومان
وكلّ من مرّ من هنا نهبنا
وما زلنا ننتفض
بالسيف قدموا الديّن الجديد
منذ الأزل نحن نوحّد الله
منذ الأزل
أعدّوا الأسلحة والكلاب
أعدّوا الكلاب والعتاد
ليوقعوا من يتجشأ الحقيقة
كم من الأسرى
كم مفقودين لا ندري مصيرهم

أنا أمازيغي

أنا
اليوم على قيد الحياة من يدري غداً
قلت ما أعرف
وما رأيت
تذكّر عندما كنت أغرق في ظلمة الحضيض
طيفي سيخاطبك
مرآة عرضت وجهي عليك
فرجمتني بالنّدوب
تقوم بتدريبي
كي أواجه رغبتي، فرض عليّ هذا
دمي أو دمه
هكذا إما هو أو أنا
روّعت أوراق الرّيحان
روّعها الجفاف السريع
حفر قلبي بالحرائق والنّار تنفخ عليه
والآن رياح البؤس تحرّره
يريدون حظر الكلمة
يخطّطون لسدّ طريقنا
أعدّوا المكائد لأسرنا، مستميتين نقرع الأجراس
القطران يعوق أجنحتنا والسّكاكين تّشحذ على أعناقنا
ينحرونا الواحد تلو الآخر
وإن أطبقت جدران أربع على صدري
وإن رأيت سوى المقصلة
إن حصدني البؤس
وطريقي منحدر نحو الهاوية
يقولون، إلى أين تعتقد أنّك ذاهب
سأهدأ فإنّي أمازيغي

رياح الحرّية

نسيم لطيف، تنفّس أطلق العنان لنفسك
نحن على طريق الحرّية
نسيم، رياح
انهض وتحرّر
اليوم وإلى الأبد
الجيل إلى قمم الجبال
الشّمس تنتظر لن تنطفئ
جمالها ينعكس على الحياة
رغم العذاب
إن تحوّل البحر إلى صحراء قاحلة
يومها سنتنكر للأمازيغيّة
في حضنك استشهدوا ببسالة
فما أقول عن الجمال الذي أدمانا
حمايتك اعتقادُنا الذي تشرق به الروح القبائلية
في سبيل قضيتك نعطي أرواحنا
سيظهر فجر جديد
حيث نستقبل الربيع
هل سنبقى أسيري هذا الحلم العالق
متى سنشق هذا السديم؟
أرض تلألؤ الثلوج
تشعّ على وجهك
جرجرة والأوراس واحد
كلّ الأمازيغ أطفالك
أمّي ربّي طفلي إذا ذبحني أبناء جلدتي
كلّ الامازيغ أطفالك
وكلّ أعدائك أساؤوا لنا… سنتصدى لهم

سيّدي الرّئيس

يوم ميلادي كان يوماً لعيناً
بقبضتي مسكت كلّ الهموم
فتوحّدت بي إلى الأبد
ليت لي قلباً من حطب فأحرقه بالجمر
فلا أعاني ألمه
لكنه لصيق بالجسد ليس لي سوى إسكاته بالأحلام
ما دام يمنعني الرّقاد
لقد سرقتم مني شبابي ودفعت ثمن ما لم أبعه
عزلتموني عن أهلي
ودمّرتم أمانيّ
أفنى الشقاء عظامي
لكن قبل أن يحلّ الموت علي
سيفصح لساني عن كلّ ما احتمله قلبي

ليتني أستطيع الهرب
ويوم العيد آتيكم
آتي الى زيارتكم
أهلي الأعزاء
أظهر لكم في وضح النّهار
ولن أستغرب إذا جزعتم
فوجهي سيبدو غريباً
حين تلقاني أعينكم
ابني سيهرب منّي
زوجتي المبجّلة... ترى هل ستذكرني
سينسون أشغالهم ويضطرب كلامهم
لكن في النّهاية سيعرفني أهل القرية ويهرعون إليّ
...
هذا حلم جميل لن يطول
غيّر القدر اسمي
ومنحني تميمة الشقاء
أغلق أبواب السّجن علي
وقرّر مصيري
أنت محكوم وعليك الخضوع

سيدي الرئيس إنّي اتوجّه إليك
بقلب مثقل
لكن هذه الكلمات قد تشفي غليل بعض المقهورين
أخاطبكم بلغة مستعارة
كي أقول ببساطة ووضوح
الدولة لا تعني أبداً الوطن،
فهي لا تختصر معنى الوطن إطلاقاً.
مثلما يقول باكونين، فالدولة فكرة مجردة، ميتافيزيقية،
ضرب من الإسقاط القانوني والروحي والسياسي لفكرة الوطن.
إنّ الجماهير الشعبية العريضة لكل البلدان تحب أوطانها
لكنّه حب حقيقي وطبيعي
وهو ليس فكرة بل فعل
ولهذا فإني أعتبر نفسي بصراحة
المدافع عن كل الأوطان المضطهدة

* كاتبة تونسية