ستيفن سلمن وفيليل فرنباخ متخصصان في الإدراك المعرفي (cognitive science)، وهو علم يحاول معرفة كيفية عمل دماغ الفرد. هذا ما يحاولان الوصول إليه في مؤلفها الفريد «وهم المعرفة - خرافة الفكر الانفرادي وقوة الحكمة الجماعية» ( The Knowledge Illusion: The myth of individual thought and the power of collective wisdom. riverhead book -2017).
هل المعرفة أمر فردي أم جماعي؟ هل يمكن لفرد أن يعرف كل ما يحتاج إليه في الحياة؟ لنقارن الإنسان القديم بالحديث. الأول كان يعرف الطقس وتغيراته، وكيفية صيد الحيوانات وتفادي الوحوش، وبناء المسكن والزراعة وما يتصل بها. والمرأة القديمة كانت تعلم الأوقات المناسبة للحمل ولتفاديه، والولادة والرضاعة والعناية بالأطفال، وما إلى ذلك من شؤون الحياة اليومية. لكن هل يمكن قول الأمر ذاته عن الإنسان الحديث؟! بالتأكيد لا، مع أنه يدعي معرفته بأمور الحياة كافة، والأمر كذلك في ما يخص المرأة الحديثة.

هذه مشكلة حقيقية تواجه الإنسان، الذي يدعي معرفة كل شيء.
لتسهيل الأمر، لنطرح الآتي:
ثمة أشياء نعرفها، وأشياء نعرف أننا نعرفها.
وثمة معارف معروفة.
وثمة أشياء نعرفها وأشياء لا نعرف أننا لا نعرفها.
وثمة أشياء لا نعرفها ونعرف أننا لا نعرفها.
وثمة أشياء لا نعرفها ولا نعرف أننا لا نعرفها.
لذا، فما مقدار معرفتنا عن مقدار معرفتنا؟!
هذه ليست ألغاز وإنما انعكاس للحقائق.
يطرح المؤلَّف مثلاً بسيطاً عرضته عالمة زميلة لهما على مجموعة من الأشخاص. سألتهم ما إذا كانوا يعرفون الدراجة الهوائية وكيفية عملها. الإجابة كانت: نعم، حاسمة. أولئك الأفراد الأكاديميون الذين ظنوا أنهم يعرفون، طلبت العالمة منهم رسم دراجة هوائية. النتيجة كانت أن الغالبية العظمى منهم لم يتمكن من تقديم رسم صحيح، مع أنهم يشاهدونها يومياً، وشاهدوها آلاف المرات من قبل.
هنا تكمن المشكلة: أي ظن الناس أنهم يعرفون هذا الأمر البسيط، لكنهم اكتشفوا مدى جهلهم به. هل هذا الاكتشاف يغيّر من ظن الناس وكيفية عمل الدماغ البشري؟
دماغ الفرد، رغم قدراته الهائلة، فإنه غير قادر على الإنتاج الصحيح إلا عبر عمل جماعي مع عقول وأدمغة أخرى، هذا ما يقوله المؤلفان. لذا يتساءلان: عندما يواجه الأكاديمي بفكرة لا تناسب تصوراته أو تناقضها، فما ردة فعله الأولى؟ موقف الأكاديمي ــ دوماً بحسب الكاتبين ــ يكمن في ردة فعل أولى هي إقصاؤها، ثم رفضها، وأخيراً الادعاء بالقول إنها أمر بديهي!
ردة فعل الأكاديمي الأولى لفكرة تتحدى نظرته للعالَم، تكمن في تجاهلها والادعاء بأنها غير جديرة بأن تُؤخذ في الاعتبار ولا تستحق أن تمنح أي وقت حتى لو كان ثانية، للنظر فيها. هذا وهم المعرفة. لكن عندما تصر الفكرة على البقاء ماثلة أمام الأكاديمي، وتلقى دعماً في المجتمع الذي يضغط من أجل النظر فيها ومواجهتها، نرى أن الأكاديمي سيلجأ إلى تقديم أسباب عدم قبولها. لكن في حال ثبت أن الفكرة مهمة وأن المجتمع مهتم بها، نرى أن الأكاديمي، أو العالَم الأكاديمي سيلجأ إلى الادعاء بأنها كانت معروفة دوماً.


الكاتبان متخصصان في علم الإدراك المعرفي

لنتذكر الآن ردود الفعل على موضوعة الأستاذ الراحل كمال الصليبي التي نشرها في مؤلفه «التوراة جاءت من جزيرة العرب». وهذا المثال منا نحن، في تطبيق لما يرد في المؤلف موضوع العرض.
ولأننا لا نفكر على نحو منفرد، وهو محصلة استنتاجات الكاتبين، فما استتباع ذلك للمجتمع ولفريق أو جماعة، وما الواجب استنتاجه في ما يخص السياسة والبرامج السياسية والخطابات السياسية؟
يطرح الكاتبان بالارتباط حادثة حقيقية حصلت في عام 1954 عندما أنجز أضخم تفجير نووي عرفته البشرية، في منطقة نائية من المحيط الهادي. تم أخذ الاحتياطات كافة كي لا يؤثر التفجير في البشر المحيطين بمنطقة التفجير، ولا في أملاكهم أو في الأملاك العامة. لنقل ظن القائمون على التفجير أنهم اتخذوا كافة الاحتياطات لأنهم ظنوا أن فترة الموجة الصادمة لن تستمر أطول من ثلاثة أرباع الدقيقة. على أي حال، ضخامة التفجير كانت أضعاف المتوقع، والذي حصل ليس موجة صادمة وإنما اهتزاز الأرض! ملاحو الطائرة التي كانت تحلق في الأجواء القريبة لجمع المعلومات عن التفجير، أحسوا بحرارة في طائرتهم الضخمة بدلاً من أن تكون الأمور عادية. أما بحارة سفينة الصيد اليابانية التي كانت بعيدة على مسافة آمنة تقع خارج المنطقة الخطرة، حسب الخبراء، فإنهم تعرضوا لساعات طويلة من المطر الذري بعد التفجير، ما استدعى نقلهم للمشافي القريبة. كما استدعي نقل سكان الجزر المحيطة التي عدت مناطق آمنة إلى مناطق أخرى بعيدة عن مكان الانفجار. تفسير القائمين على التفجير لما حدث، بأنه كان أقوى من المتوقع الذي كان ستة ميغاطن، ووصل إلى ثلاثة أضعاف. كما عزي أمر معاناة السكان إلى تغير وجهة الرياح.
هذا المثل الذي أورده المؤلف يوضح إشكالية معرفة الإنسان؛ العبقرية والبلادة، دوماً بحسب الكاتبين.
الكاتبان، المتخصصان في علم الإدراك المعرفي، يعرضان آراءهما عبر الخوض في حقول معرفية مثل علم النفس والذكاء الاصطناعي ونظرية التطور والتعليم، وما إلى ذلك، لتوضيح تعدد وجهات القدرات الإنسانية.
ختامًا، يمكننا القول، دوماً بحسب المؤلف، إن الجهل أمر متوقع، بل إنه نعمة، لكن الوهم ليس بنعمة إطلاقاً، وهذه استخلاصات الكاتبين عبر الفصول الآتية:
- الجهل وجماعة المعرفة.
- ما الذي نعرفه.
- كيف نفكر.
- لماذا نعتقد أن نظن أن الأمر ليس كذلك.
- التفكير بأجسادنا وبالعالم.
- التفكير من أناس آخرين.
- التفكير برفقة التكنولوجيا.
- التفكير حول العلم.
- التفكير حول السياسية.
- التعريف الجديد للذكاء.
- جعل الناس أذكياء.
- اتخاذ قرارات ذكية.
- تقويم الجهل والوهم.
أخيراً هل سيسأل سائل: ما جدوى عرض مؤلف يحوي أفكاراً معروفة وليست بجديدة!