في كتابها «موجة سريزا: الانطلاق مع اليسار اليوناني وتدميره»
(The Syriza Wave: surging and crushing with greek left. monthly review press 2016)، تتوقف هِلِنَ شيهان عند صعود سريزا (اختصار يوناني لتحالف اليسار الراديكالي) في اليونان في عام 2015، وكيف تمكن من الحصول على أغلبية في البرلمان اليوناني متحدياً الأحزاب التقليدية التي سادت المشهد السياسي اليوناني منذ ثمانينيات القرن الماضي.
في ذلك الحين، صعد حزب باسوك اليساري وأدخل إصلاحات اجتماعية مهمة للسكان، وقلب المشهد السياسي في تلك البلاد. صعود ذلك الحزب اليساري انتهى، كما هو الحال في أحوال عديدة، إلى هبوطه ومن ثمة هزيمته، بسبب فقدان الناخبين الثقة به بعد الفضائح غير المسبوقة التي ارتبطت به وببعض قياداته، إضافة إلى مجموعة من حالات الفساد التي أضرت بالبلاد والمجتمع.
حزب باسوك، بقيادة جورج ببندريو، فاز عام 2009 في الانتخابات النيابية بمقدار 44%، لكنه ووجه بوراثة عجز في الميزانية العامة مقداره أكثر من 12%، متجاوزاً الحد الأقصى المسموح به في الاتحاد الأوروبي، وهو 3%.

الدين العام سببه ــ دوماً وفق الكتاب ــ فساد الطبقة السياسية واتباع النمط النيوليبرالي وسياسة المصارف التي هدفت إلى إفلاس ملاك العقارات من الأفراد العاديين ومن ثم استملاكها ومن بعد بيعها عند ارتفاع أثمانها، وكذلك استملاك الاقتصاد الوطني. اضطرت الحكومة لخفض الميزانيات الاجتماعية ومن ذلك خفض ميزانيات التعاليم والتقاعد وخفض الأجور، إضافة إلى زيادة الضرائب. بعدها اضطرت الحكومة لطلب قرض من الترويكا، أي الاتحاد الأوروبي والبنك الأوروبي المركزي وصندوق النقد الدولي، وحصلت عليه مقابل شروط قاسية فرضت على اليونان، ما أدى إلى إضراب عام واندلاع أعمال عنف في مدن اليونان، بعدما أقر البرلمان اليوناني شروط الحصول على قرض.
بعدها طالب رئيس الوزراء اليوناني، جورج ببندريو باستفتاء حول تنفيذ مطالب قمة الاتحاد الأوروبي بخصوص اليونان، لكن الشارع منع الاستفتاء، ما اضطر رئيس الوزراء لتقديم استقالته في 4 تشرين الثاني (نوفمبر) عام 2011.
في شباط (فبراير) 2012، تم تقديم عرض قرض جديد لليونان، لكن الانتخابات البرلمانية في أيار (مايو) التالي تمنح سريزا، وهو تجمع لليسار الراديكالي اليوناني، المركز الثاني في البرلمان. نظراً لتعذر تشكيل حكومة، جرت انتخابات جديدة في الشهر التالي منحت سريزا المركز نفسه.
في شهر أيار 2014، أجريت انتخابات للبرلمان الأوروبي منحت سريزا أغلبية المقاعد المخصصة لليونان، وفي شهر كانون الثاني (يناير) عام 2014 أجريت انتخابات جديدة في اليونان فاز فيها حزب سريزا بأغلبية الأصوات، وشكل رئيسه، ألكسس تسيبرس، الحكومة.


هزيمة اليسار في اليونان قاد إلى هزيمته في إسبانيا وإيطاليا

برنامج سريزا الذي منحه ثقة الناخبين وأوصله إلى الحكم قام على أساس رفض شروط الترويكا، ورفض أي خفض في الميزانيات الاجتماعية التي طالبت به.
التطورات بعدها قد تكون معروفة. بدأ تحالف سريزا بالرضوخ لإملاءات الترويكا، رغم أن الاستفتاء الذي نظمه لدعم رضوخه رفض مطلب رئيسه ألكسس تسيبرس بقبول شروط الترويكا. بعد ذلك، دعا رئيس الوزراء اليوناني إلى انتخابات جديدة هدفها «تطهير» الحزب من اليساريين الذي رفضوا سياساته، وحدثت انشقاقات في الحزب، لكنه تمكن من المحافظة على أغلبيته البرلمانية.
هزيمة حزب سريزا في المواجهة مع رأس المال، أي مع الترويكا واضطراره لقبول إملاءاتها من دون شروط، شكل ضربة موجعة لليسار الأوروبي، وإذلال للشعب اليوناني، ولليونان، موطن المدن الأولى وفق تأويلات المؤرخين الأوروبيين، وموطن الديمقراطية الأولى. لقد شكلت تلك الهزيمة المؤلمة إهانة ما بعدها إهانة للشعب اليوناني. ما حصل في حركة سريزا وفي أوساط الشعب اليوناني وقواه اليسارية، بعد ذلك يشكل قسماً من هذا المؤلف بقلم هلن شيهان، الفيلسوفة الأكاديمية الإيرلندية والكاتبة عن دراسات التواصل والسياسة ومواضيع فلسفية ماركسية. الكاتبة شغلت منصب أستاذة شرف محاضرة في مادة التواصل في جامعة مدينة دبلن وأستاذة زائرة في جامعة كيب طاون في جنوب إفريقية.
فوز سريزا في الانتخابات العامة في اليونان منح اليسار الأوروبي دفعة قوية لمواجهة السياسات النيوليبرالية التي يفرضها الاتحاد الأوربي، وألمانيا تحديداً. وهنا ندعو القارئ للعودة إلى عرضنا مذكرات يانس فرفاكس «راشدون في الغرفة» (الأخبار عدد 3276 بتاريخ 20170916) الذي كان وزير المالية الأولى في حكومة تسيبرس لمعرفة تفاصيل إملاءات الترويكا.
عبر استعراض المحطات المفصلية لسريزا، يوضح المؤلف مدى ضحالة فكر قيادته وانتهازيته في التطبيق: إشارة الغماز إلى اليسار والانعطاف لليمين!
لا أحد يعرف على وجه التحديد أسباب انعطاف قيادة سريزا إلى اليمين والاستسلام المذل لإملاءات وزير المالية الألماني الذي قال «الانتخابات يجب أن لا تؤدي إلى تغيير في السياسة الاقتصادية»، لكننا كنا نقلنا في عرضنا آنف الذكر تحذيرات من أن إصرار سريزا على تنفيذ برنامجها الانتخابي أو محاولة الخروج من اليورو أو الاتحاد الأوروبي سيؤدي إلى عمليات اغتيال بل حتى إلى انقلاب في اليونان، مدعوم أوروبياً.
على أي حال، هذا المؤلف يوضح على نحو جلي طبيعة الاتحاد الأوروبي وأنه ليس ديمقراطياً كما تدعي قياداته النيوليبرالية. كما يوضح أن مواجهة رأس المال النيوليبرالي المتغول لن يتم إلا بسياسات واضحة غير قابلة للمساومة، وهو ما لم تلتزم به قيادة حركة سريزا، كما توضح فصول المؤلف. كذلك، هو يوضح، في ظننا، أن نجاح أي تحالف يساري في أي من دول الاتحاد الأوروبي لا يمكن أن يتم إلا بالتحالف الوثيق مع الحركات اليسارية الأوروبية الأخرى. فهزيمة اليسار في اليونان قاد إلى هزيمته في إسبانيا وإيطاليا، ومنع السير قدماً في استقلال كاتالونيا.