اسمه النسيان. ليس سيئاً أبداً. ولا يشبه الموت. بل الطزاجة.

لا تمحى ذاكرتك. بل تمحى من ذاكرة الآخرين نهائياً وإلى الأبد. كأنك لم تكن، كأنك لم تلمس أحداً، أو تخطو على الأرض، كأنك لم تأت بالأذى، ولم تنطق بالسوء، ولم تفسد قرابينك إلى الحياة. كأنك لم تضاجع، لم تتبوّل ولم تتغوط، كأنك لم تكره أو تحب، لم تختَر، ولم تختير. نسياً منسياً.

ليس ميلاداً جديداً – إن أردت - يمكنك أن تظل منسياً إلى الأبد، أن لا تفعل شيئاً، أن لا تصنع تاريخاً جديداً، حباً، صداقات، أعداء. أن لا تدخل معارك، أن لا تنافس أحداً، أن لا تطمح لشيء، أن تمحى منك الرغبات والشهوات ـ إن أردت- أن ترى كل ما قاتلت من أجله تافهاً وبائساً. لم يستحق الثقل أو الخفة، الصد أو الهجران، القاتل والقتيل. هنا لا يتقلب المزاج، ولا تصدأ الأفئدة.
وجه آخر للخلود.

■ ■ ■


اسمه النسيان. حيث لا كهانة تسد المنافذ إلى الحياة، لا حساب ولا وعيد، لا قانون.
لا شيء سوى متعة تجعل ذاتك شيئاً هامشياً، وجسدك خافتاً كظل. لا تتحرر منه، لكنه لا يكون محور كل شيء. بإمكانك لمسه، لكن ليس بإمكانك التيقن منه.
هنا، تستطيع أن تفكر في الألوهة بعقل أصفى.
فما الألوهة إلا أن تحيط بالآخرين ولا يحيطون بك، أن يكون كل شيء فكرة في عقلك، كل طاهر ودنس هو جزء من خيالك، نقاط تافهة صغيرة وهامشية تظن نفسها المركز وهي بعض من لا شيء.
هنا ليس بإمكانك أن تخوض معركة الرب في تحدي النسيان ولا أن توجه غضبك ضد تهميشك في الذاكرة: أن تنساه فتُنسى، أن تذكره فتُذكر.

■ ■ ■


هنا، ستدرك أن الذاكرة هي وهم يميل للنسيان لا التذكر. بإعادة التركيب، بقص الزائد وحذفه، بمحو ما لا نرغب في أن نذكره. تسخر منا، ترانا محض تفاهات متحركة.
الذات هي ابنة النسيان لا الذاكرة.
هنا، سترى ذاتك كسراب، وسيمنحك الوقت ألماً يناسبك.
لعل الذات هي وحش مخيف مقموع، لعل ذاتك أنثى انُتزع منها حسنها.
لعل الخنوثة هي تعريف الذات، بلا تعريف.
لعل التعريف هو ما يقتلها. محاولة حشرها داخل زجاجة تحمل اسمها.
لعلها قوة نار هائلة بلا هدف، أو إعصاراً كاسحاً لا يلوي على شيء سوى أن يستعرض قوته على السحق، لعلها شيئاً غاشماً يحيط بالأشياء ولا يُحاط به. أو لا شيئاً تحيط به بالأشياء ولا يُحاط به.

■ ■ ■


الاسم، هو أول خديعة نتلقاها أن الخلود حق. كعب أخيل الذات. يبدأ قتل الذات من الاسم. يجعلها هدفاً سهلاً. لا يمكن قتل ما لا اسم له، لا سيطرة على ما لا اسم له.
الاسم، ترياقنا الهش ضد النسيان. حجتنا للتطفل على ذاكرة الآخرين، كلما حفرناه أكثر، كلما توهج وهم الإحساس بالذات. نرتكب كل حماقة ممكنة ليبقى الاسم مشتعلاً في الذاكرة.
كي تُذكر، عليك أن تربط اسمك بالألم. أسماؤنا مرتبطة بالقدرة على الكي، بقوة عنفها في التحرك، بالجروح التي نشبتها أظافرنا على أجساد الآخرين. خلودنا يأتي من الأذى، بالدم.
الاسم: ورقة التصنيف التي لا تصنع منك ملحاً أو سكراً لأنك ببساطة، لست ملحاً أو سكراً.
الاسم: هو ديانتك السرية التي ستضحي بحياتك من أجلها، ستقاتل ثم تُقتل دفاعاً عن وهم.

■ ■ ■


لا يأتي الثقل من ذاكرتك، بل من تذكر الآخرين لك. نمنحهم الذاوت التي أرادوها ولا نلتقي ذاتنا أبداً. فتصير ذاتاً ملجومة، مشوهة، لا تدرك المسافة بين نقطتين، فتغلق منافذها، لكنها لا تنسى انتقامها أبداً.
انتقام يأتي أحياناً ببطء منتقم صبور، خطط بترو لكل شيء، ولا هدف له سواك. لا تعرف متى تأتي ضربته الأولى ولا أين. ضربة قاسمة، تظنها آخر الأمر، لكنها أوله. لا تفيق إلا على ضربة ثانية، تمهد لأخرى، حتى تُسحق تماماً، راكعاً ومدمراً، وعلى شفتي الذات المنتقمة، ابتسامة مجنون طيبة وراضية عن العالم.
ومرات يأتي انتقامها هائجاً وطائشاً وعشوائياً، كصراخ مفاجئ لسيدة عجوز في وجهك، كصفعة غادرة على قفاك، ككوب شاي ساخن دلق فوق قضيبك، ركلات تطرحك أرضاً، أو تكبل روحك بالأغلال الثقيلة غير المرئية للذنب.

■ ■ ■


اسمه النسيان.
هنا تُضخم كل فكرة، لأن كل فكرة هي حقيقة كاملة.
هنا وعبر فكرة منسية، نملك الهروب من المتاهة، نحو متاهة أفضل. نختار دوماً المتاهة الخطأ: المتاهة التي نصنعها بأنفسنا.

* روائي مصري