الجزائر | يَصعب في السنوات الأخيرة تحديد ملامح مشهد ثقافي حقيقي في الجزائر، فالأنشطة الثقافية المختلفة بالكاد تتوقف، بخاصة في العاصمة والمدن الكبرى. لكن لا بد من طرح أسئلة كثيرة حول «نوعية» هذه النشاطات و«جدواها»، بخاصة أن أغلبها سقط في فخ «الفلكلورية» في شكلها المبتذل استجابة لسد الفراغ الإبداعي والنقدي المستشري، في بلد تخطى عدد سكانه الـ 40 مليون نسمة ولا يملك مجلة ثقافية واحدة تصدر بشكل مُنتظم ولا منبر نقاش حر، ولا صالات عرض خاصة، ولا «اتحاد كتاب» يُنظم نشاطاً سنوياً واحداً بوجوه دولية أو حتى وطنية تحتفي به الصحافة. هذا من دون أن ننسى الجائزة الأدبية «اليتيمة» التي يُقال حولها الكثير، أي «جائزة آسيا جبار».

رغم هذا المشهد «المُحبط»، لا يزال كُتاب شباب يحاولون في الشعر والرواية والترجمة والنقد. ينشرون ويحصدون الجوائز في الخارج، فيكسر «هدير» فنونهم المشهد الآسن ويتحدى «الحلقة» الضيقة التي تسيطر على ميزانية الثقافة وتستثمرها في إنتاج رداءة «ممنهجة» تسيء غالباً إلى الذوق العام وتعزل المواطن «أكثر» عن الفعل الثقافي. لم يصنع الكاتب الكبير رشيد بوجدرة (1941) الحدث هذه السنة فقط، فقصة اللقاءات الإعلامية التي تناقش عقائده وتصريحاته «النارية» التي تطال الجميع، تحولت إلى موضة في السنوات الأخيرة.

لكن هذه السنة كان الأمر أكثر «وقاحة» ووصل الامر إلى حد الترويع والتهريج «المُهين»، مما دفع مجموعة من المثقفين والإعلاميين إلى الخروج إلى الشارع، احتجاجاً على الانحطاط الذي بلغه مشهد الاعتداء على الحريات وترهيب الأشخاص بسبب معتقداتهم على «شاشة تلفزيونية» خاصة. إذ قامت الأخيرة بدعوة الروائي لتسجيل برنامج «كاميرا خفية» لشهر رمضان. وبدأ فريق العمل بتخويفه وتهديده بسبب تصريحات سابقة حول إلحاده (كان قد تراجع عنها)، وتحولت مسألة «الإضحاك» إلى كوميديا سوداء حقيقية تعكس حضيضاً إعلامياً وثقافياً خطيراً.
بعد فترة قصيرة على هذه الحادثة التي سيطرت على مواقع التواصل الاجتماعي والصحافة الثقافية، عاد بوجدرة إلى اللقاءات الإعلامية. كالعادة، لم يَسلم «كاتب» من لسانه السليط في حوار أجراه مع موقع إلكتروني إخباري. ثم قال إنه لم يدل بتلك التصريحات، وأن الموقع «أوقع به» (كما يقول دائماً) لتشويه علاقته بأصدقائه الكتاب، لكن الصحافية التي أجرت الحوار عقبت أنها تمتلك تسجيلاً كاملاً للمقابلة.
حروب صاحب «الحلزون العنيد» لم تنته هنا، ولم تتح للمتابعين حتى فرصة الاحتفاء بكتابه «نزع الملكية» (غراسييه ـ 2017) الذي يعكس توجهاته الفكرية الكبرى ومواقفه الثابتة في تصوير وحشية المرحلة الاستعمارية الفرنسية في الجزائر، لأنه أصدر بالتوازي معه كتاباً آخر تحت عنوان «مهربو التاريخ» (دار فرانز فانون ـ 2017). في العمل الأخير، اتهم مجموعة من الكتاب الجزائريين الذين يكتبون بالفرنسية أنهم «يعملون على تبييض ماضي فرنسا الفظيع في الجزائر»، واصفاً إياهم بـ «خدام فرنسا الجدد». ويتقدم هؤلاء الكُتاب كمال داود (1970) وياسمينة خضرا (1955)، وطبعاً - سيئ الذكر - بوعلام صنصال (1949) الذي تجرأ على مقارنة أعمال إرهابية طالت فرنسا بالأعمال الفدائية التي قام بها ثوار الجزائر ضد المستعمر.
ما قاله بوجدرة في «مهربو التاريخ» لا يجانب الحقيقة كلياً، وإنما فيه الكثير من الأمور التي تستحق نقاشاً هادئاً وعميقاً حول اليد الفرنسية التي بالكاد تكون مرئية في بعض الأعمال وطاغية في أخرى، سعياً إلى «تطبيع» يطوي الجراح عبر نعومة «الثقافة» بتلبيس أوجه (أقنعة) كاذبة للحقيقة والعبث بالذاكرة. لكن الكاتب لم يركز نقاشه على هذه النقاط ومحاولة كشفها عبر أفكار رصينة ومقنعة، وإنما انتقل إلى «الأسلوب» الذي عُومل هو به شخصياً. إذ اتهم كمال داود بالانخراط في جماعة إسلامية جهادية في التسعينيات، ما دفع داود إلى توثيق «دعوى قذف» ضده في المحكمة. وطالب بالتعويض والاعتذار أمام الرأي العام، فيما اكتفى ياسمينة خضرا بتذكير صاحب «التطليق» بمكانته الأدبية عبر رسالة في وسائل الإعلام.
«الغريم التاريخي» لبوجدرة، صاحب رواية «اللاز» الراحل الطاهر وطار (1936-2010)، ترك له الساحة الإعلامية خالية طوال سنة كاملة. رغم أن حروب بوجدرة الجديدة تصنف في خانة الـ «أقل شراسة» مقارنة بحروبهما الطويلة ضد بعضهما، إلا أنّ وطار قرر العودة للتشويش عليه. كانت عودة «محزنة»، إذ تناول الإعلام خبر بيع جزء من البيت الذي شيده وسط العاصمة للكُتاب سنة 1989. إنّها «جمعية الجاحظية»، التي لطالما احتضنت أفراح الكتاب الجزائريين وأحزانهم، حكاياتهم وقلقهم، سردهم وأشعارهم.. ولا يُعتبر فضاء «الجاحظية» مكاناً عادياً رغم «الموت السريري» ثقافياً الذي دخلته نشاطات الجمعية منذ سنوات. إلا أن المبنى يتمتع برمزية عالية لا يمكن التلاعب بها، ولو كان مبرر الإدارة الحاجة المالية لترميم الجزء المتبقي من المبنى، لأن هذا الفعل اعتداء حقيقي على روح وطار وتاريخه، وعلى الحميمية التي يُشكلها المكان في ذاكرة الكتاب الذين برزوا في التسعينيات، وكان «نادي الجاحظية» أحد فضاءاتهم المهمة، التي عجزت وزارة الثقافة عن الحفاظ عليها. كان الحدث الأبرز خلال هذه السنة في عالم الكِتاب، النتائج التي حققها الجزائريون في «جائزة كتارا العربية» لعام 2017، إذ فاز الكاتب والصحافي سعيد خطيبي (1984) بجائزة الرواية العربية لكتارا لسنة 2017 عن روايته الجميلة التي تقتفي أثر الرحَّالة إيزابيل إيبرهارت (أربعون عاماً في انتظار ايزابيل ـــ منشورات ضفاف/ بيروت ومنشورات الاختلاف/ الجزائر 2016)، وحصل عن فئة الروايات غير المنشورة الروائي عبد الوهاب عيساوي (1984) بمخطوطه «سفر الأعمال المنسية»، ونال الأديب والأكاديمي بشير ضيف الله الجائزة في دراسة نقد الرواية بـ «دراسات في الرواية العربية».
من جهة أخرى، ظفرت الجزائرية كوثر عظيمي (1986)، بـ «جائزة رينودو» (طلاب الثانويات) عن روايتها الثالثة «ثراؤنا» (منشورات البرزخ / الجزائر ـ ولوسوي / فرنسا 2017)، التي اختيرت هذا العام للمشاركة بقوة في المنافسات الأدبية الفرنسية «غونكور» و«رينودو» و«ميدسيس»، وحظيت بعناية إعلامية نافست خلالها نجم المواسم الأدبية الأخيرة في باريس كمال داود بروايته الثانية «زبور أو المزامير» (أكت سود / باريس، البرزخ / الجزائر وسيريس / تونس 2017). الرواية نالت هي الأخرى رعاية إعلامية وغير إعلامية خاصة، انطلقت قبل توزيعها في المكتبات، خصوصاً مع تصريحات الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون بقراءتها وإعجابه بها تزامناً مع نزولها في الأسواق!
رغم النفقات التي تخصصها الميزانية العامة في السنوات الأخيرة للسينما (كإنتاج)، إلا أن الأداء ما زال ضعيفاً وبعيداً عن الجودة المطلوبة، إلى جانب الغياب الدائم للأفلام عن صالات العرض المتوافرة. مع ذلك، تبرز أسماء شابة في المنافسات الدولية. خلال عام 2017، شاركت أفلام جزائرية (أغلبها بإنتاج مشترك) في العديد من المهرجانات الدولية، وحصد بعضها جوائز مهمة، من بينها «في انتظار السنونوات» باكورة المخرج الشاب كريم موساوي (1976)، الذي شارك في الدورة الـ 70 من «مهرجان كان» عن فئة «نظرة ما»، وحصل على الجائزة الكبرى في «مهرجان وهران»... كما برزت أسماء سينمائية أخرى من بينها صوفيا جاما (1979) التي حصدت جائزة أفضل إخراج في الدورة الـ 14 من «مهرجان دبي» عن فيلمها الروائي الطويل الأول «السعداء». وكان الفيلم قد حصد جائزة أفضل ممثلة في فئة «آفاق» في «مهرجان البندقية السينمائي».


رشيد بوجدرة صنع
الحدث هذه السنة

وتجدر الإشارة إلى المشاركات المهمة هذه السنة، للفيلم الجزائري القصير «رحلة كلثوم» للمخرج الشاب أنيس جعاد الذي سجل حضوراً دولياً قوياً بقصة إنسانية تصور مشاعر التشظي عند المغترب. وحاز الفيلم الجائزة الكبرى للجنة التحكيم في «مهرجان بنغالور الدولي السادس» في الهند. كما نال في الشهر ذاته جائزة أفضل دور نسائي في «مهرجان الفيلم المغاربي بوجدة» (المغرب).
أما الفيلم الذي كان محط «خلاف» كبير في الجزائر هذه السنة، فهو «ابن باديس» للمخرج السوري باسل الخطيب. رغم الجهد الفني المبذول، هناك اتفاق على غياب الروح الجزائرية عنه، ناهيك عن المضمون المُتعلق بتاريخ هذه الشخصية الكبيرة التي تبقى محل جدل حول الدور التاريخي الحقيقي الذي لعبته، وما كُتب عنها بعد الاستقلال. فالحد الفاصل بين المعركة الاجتماعية والمعركة العسكرية / السياسية لم يتضح بعد في الذهن وفي التاريخ المُدَون للجزائري.
تعقيدات كثيرة تُحاصر المشهد الثقافي في الجزائر، يصعب الفرز معها. لكن تبقى هناك وجوه تقاوم بأشكال مختلفة وتقدم الأفضل. وربما ليس من العادل الحديث عن سنة ثقافية بذكر أسماء دون أخرى، لكن لا بد من التوقف عند اسمين في عالم النشر، قدما الكثير من الكتب القيمة خلال سنة 2017 وفتحا أبوابهما أمام الشباب رغم حداثة تجربتهما وتعقيدات سوق النشر في الجزائر، هما «دار ميم» ودار «الوطن اليوم».