القاهرة | على صفحته على الفايسبوك، كتب الصحافي المصري هاني شكرالله: «عن نفسي لم أجد ما أعبر به عن حصاد 2017 غير اقتباس من الراحل الجميل أحمد فؤاد نجم: «مافيش أي حاجه/ على الطلاق والعتاق بالتلاته/ ما فيه اي حاجه/ وقدر كمان ان فيه أي حاجه/ مافيش اي حاجه». بالفعل إذا اختصرنا 2017 في جملة أو عبارة أو توصيف، فهو «عام الـ «ولا حاجة»».

كل ما يحدث سنوياً في أوطاننا السعيدة، يتكرر: مصادرات، وقوانين سالبة للحريات، وسجون للأدباء والمفكرين، ومناف إجبارية أو اختيارية، ورحيل وغياب.. ما جرى العام الماضي، وما جرى قبل عشر أو عشرين عاماً، جرى أيضاً في 2017.

بدأ 2017 في مصر بجدل حول صدور طبعة جديدة من كتاب «الثابت والمتحول» لأدونيس عن «هيئة قصور الثقافة» (صدرت طبعته الأولى عام 1973). وسرعان ما اتهمت بعض المواقع الإعلامية الشاعر السوري بـ «الإساءة إلى الذات الإلهية». ولما شكا بعضهم من عدم عرض الكتاب في أجنحة وزارة الثقافة في «معرض القاهرة للكتاب»، اعتذر أدونيس عن عدم المشاركة في المعرض، علماً أنّه كان مقرراً أن يلقي محاضرة عن تجديد الخطاب الديني.
الغريب أن الطبعة الأولى للكتاب وقت صدوره، أحدثت صدى ونقاشات، اتسمت جميعها بمناقشة أفكار الكاتب وإعلان الاختلاف معها على العكس من الجدل الحديث حيث تم اختصار الكتاب ومؤلفه في عبارة واحدة «إساءة إلى الذات الإلهية»!
وكما بدأ العام بمنع، انتهى أيضاً كذلك، حيث تم التحقيق من المخرج المصري عمرو سلامة في مكتب النائب العام بسبب فيلمه «شيخ جاكسون» بعد اتهام الفيلم بـ «ازدراء الأديان».. كما تم التحقيق مع أعضاء من جهاز الرقابة لموافقتهم على الفيلم الذي تم تحويله إلى الأزهر «لإبداء الرأي» فيما جاء فيه من أحداث. الأمر دفع «جمعية نقاد السينما المصريين» إلى إصدار بيان طالبت فيه «المثقفين والمبدعين بالتكاتف والتدخل لإيقاف هذه المهزلة وأي مهزلة مشابهة، فدعوى الحسبة مرفوضة قانونياً وإنسانياً، وعصر الحريات والسماوات المفتوحة هو آخر عصر يمكن فيه المطالبة بمنع فيلم أو قمع فكرة». بين الواقعتين، تصاعد الخطاب الأخلاقي في وسائل الإعلام المصرية، حتى بدا خلال العام أن المعركة الرئيسية لمؤسسات الدولة في مصر هي «تهذيب المواطن». وتبارت كل المؤسسات في تقديم قوانينها التي تتيح لها المزيد من الهينمة والمزيد من المكتسبات: قانون «مكافحة الكراهية»، أو «حماية اللغة العربية»، أو «منع الإساءة لرموز الدولة»، أو «منع الإلحاد»، أو «تجريم المثلية». وكل هذه القوانين تهدف ـــ كما يعلن أصحابها- إلى الحفاظ على «قيم المجتمع وثوابته»!
فيما يتعلق بالإصدارات، تقلص عدد الكتب الصادرة لظروف اقتصادية، كما توقفت بعض دور النشر عن الانتاج مثل «شرقيات». وشهد 2017 إغلاق عدد من المكتبات من بينها مكتبة «البلد» التي يمتلكها فريد زهران نائب رئيس الحزب المصري الديمقراطي المعارض. وتعرّضت «دار ميريت» التي يديرها الناشر محمد هاشم، لهجوم بسبب استضافتها ندوات الروائي علاء الأسواني، وبسبب مواقفه السياسية المعارضة والمعلنة. وقد أدت هذه الممارسات الى خسارة مشيرة خطاب في انتخابات المدير العام الجديد لمنظمة اليونسكو.
ولا تزال الرواية الأكثر رواجاً هذه السنة، ومن بين أهم الروايات التي صدرت: «كل هذا الهراء» لعز الدين شكري فشير، «حضن التراب» لأحمد عبد اللطيف، «عائلة جادو» لأحمد الفخراني، «أخيلة الظل» لمنصورة عز الدين، «بليغ» لطلال فيصل، «حالات ريم» لعادل عصمت، «يكفي أننا معاً» لعزت القمحاوي، «رسائل سبتمبر» لأحمد عبد المنعم رمضان، فضلاً عن دواوين متميزة من بينها: «77» لأحمد شافعي، و«بيتي له بابان» لفاطمة قنديل. كما صدرت العديد من الأعمال التي لا يمكن تصنيفها تصنيفاً أدبياً مغلقاً مثل «كتاب النوم» لهيثم الورداني، و«كيف تلتئم: عن الأمومة وأشباحها» لإيمان مرسال. ولكن فى المجمل، يمكن اعتبار العام «عام الاعترافات الناقصة». إذ صدرت مذكرات عمرو موسى (كتابيه)، ومحمد سلماوي (يوماً أو بعض يوم). وكلا العنوانين يتناص مع القرآن الكريم، وكلاهما أيضاً الجزء الأول من ثلاثية. وقد أحدث صدور الكتابين جدلاً كبيراً، ولكن ستظل مجرد اعترافات ناقصة لحين صدور بقية الأجزاء!
على مستوى الثقافة الرسمية، لا تزال وزارة الثقافة هي وزارة قص الشريط. إذ يتحرك وزيرها حلمي النمنم من معرض إلى ندوة إلى مؤتمر، وجميعها بلا فاعلية أو جدوى. حتى إنّ مدينة الأقصر تم اختيارها «عاصمة للثقافة العربية»، وقد مضى العام بدون أي نشاط أو فاعلية ذات قيمة. كما لم يفِ وزير الثقافة بوعوده بافتتاح «متحف نجيب محفوظ» في كانون الأول (ديسمبر) 2017 وفق ما أعلن أكثر من مرة، ولا يبدو في الأفق ما يدل على افتتاح المتحف في القريب.
من التضييق إلى الغياب. هذه السنة، لم يرتبط الموت بالسن، ليبدأ العام بسلسلة من الغيابات من كل أجيال الإبداع: الناقدة نهاد صليحة، الروائي احمد الشيخ، الشاعر سيد حجاب، المخرج كامل القليوبي، الفنانة كريمة مختار، الناقد نبيل راغب، الشاعر إسماعيل عقاب، المؤرخ مصطفى العبادي، الناقد عبد المنعم تليمه، الروائي يوسف الشاروني، السيد يس، الفنان صلاح رشوان، والفنان فاروق الرشيدي، المترجم طلعت الشايب، الشاعر والمناضل كابتن غزالي، الناقد السينمائي سمير فريد، الروائي والسياسي شريف حتاته، الكاتب محفوظ عبدالرحمن، الشاعر أسامة عفيفي، والشاعر محمد أبو المجد، الفنان مظهر أبوالنجا، والممثل عمرو سمير، الفنانة الكبيرة شادية، وأخيراً الروائي مكاوى سعيد... قائمة طويلة ومؤلمة!
على تويتر صعد «هاشتاغ» #ملخص_2017_في_تويتة. كان هناك إجماع تقريباً على أنّ الاحباط والاكتئاب سيدا الموقف في العام. ولخص أحد المتابعين ما يغلق باب المناقشة: يذكر أن أحد ملوك الهند سأل وزيراً، وفي رواية أخرى سأل حكيماً، أن ينقش على خاتم له جملة إذا قرأها وهو حزين فرح، وإذا قرأها وهو سعيد حزن وألّا يُبالغ في فرحه وسعادته، فنقش الوزير على خاتم الملك «هذا الوقت سوف يمضي». التأكيد 2017 عام سوف يمضي!