|«أسامينا شو تعبوا أهالينا... تلاقوها

وشو افتكروا فينا
الأسامي كلام... شو خصّ الكلام
عينينا هنِ أسامينا».
(جوزيف حرب)



لم يكن البحث عن اسمٍ للابنة الوحيدة في عائلة باسم التميمي مضنياً على الوالدين. ففي وقت تقصف فيه طائرات العدو الإسرائيلي قرى ومدن الضفة الغربية المحتلة، ويستشهد أقرباء لها فينضمون إلى شهداء الانتفاضة، ثم يُبعد والدها عن قريته ويؤسر كآلاف من أبناء شعبه، تبصر رضيعة، مورّدة الخدين، النور في قرية النبي صالح.

لم يكن التعب إذاً نتيجة بحث عن اسم ملائم، وإنما كان نتيجة الوجع والقهر الذي يقاسيه أبناء هذا الشعب. فباتت هي «العهد» الذي قطعه والداها على نفسيهما بألا ينسيا مرارة ما أذاقهما الاحتلال يوماً، و«الوصية» التي ستحملها لبقية عمرها، كما أخيها البكر، وعد.
هكذا فتحت عهد عينيها في الواحد والثلاثين من تشرين الثاني عام 2001 على الدنيا، ملفوفة بقماط يغطي حتى وجهها، فالبرد هناك ينخر في العظام عميقاً. باكراً جدّاً، انطبعت مشاهد جنود العدو وآلياتهم العسكرية في مخيلة الطفلة. على الحواجز، تنقلت الرضيعة محمولة على صدر والدتها، وهناك رأت المعذَّبين يرفعون ستراتهم كاشفين عن بطون عارية في مقابل فوهات البنادق المصوّبة نحوهم، وهناك سمعت من يأمر والدتها بالتعرّي ليتأكد «الآمر الناهي» أنها «نظيفة من الإرهاب»، وهناك أيضاً رأت أطفالاً مكبّلين بالسلاسل، يقودهم عسكر إلى أقبية التحقيق المظلمة.
هكذا عجّت ذاكرتها بالصور المؤلمة، قبل أن يشتد عودها وتصبح التظاهرات والمسيرات الأسبوعية والاشتباكات مع جنود الاحتلال جزءاً لا يتجزأ من يومياتها.
ثم يأتي عام 2012، لحظة فاصلة في وعي الطفلة ابنة الـ11 عاماً: طائرات العدو تقصف مدينة غزة، فتتصاعد أعداد الشهداء والجرحى، أمّا المباني التي انهارت تباعاً فتصبح كومة من الفتات الرمادي. في الجهة المقابلة، تخرج عهد، مع مجموعة من أبناء بلدتها للتظاهر ضد جرائم الاحتلال، هناك يتهاوى جسد وسط بركة من الدماء، فيما تصدح الحناجر الغاضبة: «الخال استشهد»!
تعرّفت عهد على أعلى مراحل الفقد، فالخال لن يعود موجوداً في الأمسيات والسهرات، ولن يشارك في التظاهرات الأسبوعية في قريتهم، ولن يحضر لها الهدايا في عيدها بعد ذلك اليوم، ولن يلعب معها كرة القدم - لعبتها المفضلة.
يومها أيقنت كأطفال فلسطينيين كُثر أن معركتها مع هذا الاحتلال لن تنتهي إلا بزوال الأخير، ما دفعها إلى التخطيط لمستقبلٍ قد تفيد فيه ولو بجزء بسيط. «سأصبح محامية، هكذا يمكن أن أدافع عن أبناء شعبي من الأسرى المعتقلين في سجون الاحتلال». الطفلة التي قالت في مقابلة تلفزيونية إن «حلمها هو أن تلعب كرة القدم مع أبطال نادي برشلونة الإسباني»، لن تحقّق حلمها على الأرجح، ولن تمارس هوايتها المفضلة ما دام هذا الاحتلال موجوداً، وهي تدرك ذلك وأعلنته في أكثر من مناسبة، إذ إن قتاله والاشتباك معه وفضح ممارساته بحق الأطفال في مثل سنّها أهمّ بكثير من «الأنا». قناعة تذّكر بما قاله الأسير عبدالله البرغوثي صاحب أطول حكم في التاريخ، حين سُئِل عن ابنته قال إنها «تحب أن ترقص الباليه، ولكن ما دام هذا الاحتلال موجوداً فلن نجد وقتاً للرقص».
ولعهد حلم آخر هو أن تجلس أمام البحر الذي يبعد عن قريتها مسير نصف ساعة بالسيارة! لكن حتى هذا الحلم ممنوع عليها. فالوصول إلى هناك يحتاج إلى تصريح يخلو من المنع الأمني، وهذا محال بالنسبة إلى الطفلة التي لا توفر يوماً لتضرب بقبضتها جنود «النخبة». وللمفارقة، حين دعيت عهد مع أهلها لزيارة أصدقاء لهم في إسبانيا رأت البحر الذي يبعد حوالى تسع ساعات من السفر عبر طائرة في الجو! وفي العاصمة بيروت جلست لساعات طويلة أمام البحر نفسه، محدقة بصمت.
هي إذاً ترعرت في كنف بلدة لا يتجاوز عدد سكانها الـ 600 نسمة ارتقى منهم 22 شهيداً، فيما حكمت سلطات الاحتلال على بعض الأسرى من أبنائها بالمؤبد. في قرية النبي صالح لكل بيت حكايته مع الاحتلال، إما السجن أو الاعتقال أو الشهادة.
وفي عام 2009 بدأت المظاهرات في بلدتها أسبوعياً ضد جدار الفصل العنصري، وضد سلب الأرض لبناء مستوطنة «حلاميش»، وتميزت التحرّكات حينها بكونها ذات طابع سلمي، يستقي تعاليمه من فلسفة «الساتيا غراها» (قوة الحق أو الإصرار عليه). لاحقاً انضم إليهم نشطاء أجانب وإسرائيليون ممن تخلى بعضهم عن الخدمة في الجيش الإسرائيلي، أو آخرون ممن يعتنقون أيديولوجيات «يسارية»، ويرون بالاستيطان في الضفة شكلاً من أشكال الاحتلال، وحتى أن بعض هؤلاء أصيب برصاص الجيش الذي كان يقاتل في صفّه.
ابنه الـ16 عاماً، معتقلة حالياً في سجون الاحتلال. والسبب ليس أن في حوزتها قنبلة نووية، ولا حتى صاروخاً تقليدياً، هي حتى لا تملك بندقية «كارلو غوستاف» محلّي الصنع، وقد لا يوجد عندها مقلاع حتى! ويمكن لو امتلكت كل هذه الوسائل القتالية العادلة لما عرف العالم باسمها. ولكن، كل ما في الأمر أنها طردت جندياً وضابطاً اقتحما فناء منزلها الخاص لاستخدامه كموقع لإطلاق النار على شبّان القرية المحاصرين في تلة قريبة! طردتهم بجسد أعزل مقابل عسكر مدججين بالسلاح!
وبعدما خاضت الطفلة الشهيرة عشرات التجارب في انتزاع أقرباء لها من فكي الاحتلال، مجربة الركل وضرب القبضات وحتى العض بالأسنان، وبعدما ذاع صيتها في العالمين العربي والغربي، جاء دورها في الاعتقال. إذ اقتحمت أكثر من عشرين دورية إسرائيلية منزلها قبل أسبوعين، في ساعةٍ متأخرة من الليل، لاقتياد الطفلة التي عُرفت بـ«أيقونة الشجاعة الفلسطينية»، إلى مركز التحقيق، وهي مكبلة بالسلاسل ومعصوبة العينين.
قبل يومين، ظهرت عهد داخل قاعة المحكمة التي مددت اعتقالها ووالدتها ناريمان، أسبوعاً إضافياً، أخبرتنا أنها «بخير والحمدلله»، فيما هي لا تزال طفلة في تعريف المواثيق والمعاهدات الدولية وقاصراً في تعريف القضاء الإسرائيلي. مثلها مثل أطفال كثر، سبقوها إلى أقبية الجحيم، هناك حيث لا رحمة تنزل على طفل ولا امرأة ولا مسنٍّ أو شاب. هناك حيث ينتزع الأطفال بأظافرهم، وبأجسادهم النحيلة الصغيرة الشرف الذي يرفع العالم رأسه فلا يطال النظر إلى أخمص قدميه!