من غير المسموح الحديث عن عهد التميمي أو تقبّلها في معظم الإعلام الأميركي والفرنسي، إلا لسببين، أولهما شعرها الأشقر، وثانيهما، وهو السبب الأقلّ أهميةً بالنسبة لهؤلاء، كونها مجرّد «ناشطة سلميّة» للدفاع عن حقوق الإنسان، ناشطة وليست مقاوِمة. جرعة قليلة من «العنف» مسموحٌ بها إذاً ليكون الحديث عن ابنة قرية النبي صالح المحتلة في الضفة الغربية مقبولاً، لكن عندما يصل الأمر إلى صفع جندي إسرائيلي، يرتفع منسوب «الموضوعية» الغربية، تلك التي تحرّم على الفلسطينيين حتى البروباغندا أو الدعاية لصالح القضية الفلسطينية، وتضع كل فعلٍ مقاوم في المجهر الإسرائيلي، لتُخبر كيف يرى هؤلاء الحدث.


لم تخفِ معظم المقالات الأجنبية التي كُتِبت عن عهد التميمي، بطريقةٍ غير مباشرة، قناعة كاتبيها بالرواية الإسرائيلية التي تقول إن التميمي هي «مجرّد مدّعية» و«سلعة» تسويقية فلسطينية لـ «تشويه» صورة الجيش الإسرائيلي (وكأنّ صورته ينقصها تشويه!).
النفس الذي يدّعي الحياديّة يظهر بوضوح في تقريرٍ لصحيفة «واشنطن بوست» الأميركية في 19 كانون الأول، مع اختيارها استهلال تعريفها عن عهد التميمي باللقب الذي يطلقه عليها الإسرائيليون، وهو «تشيرلي تمبر (انفعال)»، مقتبس من اسم تشيرلي تامبل، أوّل طفلةٍ نجمة في هوليوود في الثلاثينيات. ويلي اقتباس السخرية الإسرائيلية، التركيز الواضح على رواية العدو عن «أسباب» اعتقاله لطفلةٍ في السادسة عشرة من العمر: «كانت التميمي تستفز الجنود بعنف». توافق «واشنطن بوست» على ذلك بالقول إنه يمكن رؤية كيف كانت التميمي، «وشعرها الجامح مرفوع برباط»، تقوم «بصفع وركل جنديّ، فيما صوّرت شابة أخرى المشاجرة عبر هاتفٍ ذكيّ».


سلعة تسويقية
فلسطينية لـ تشويه
صورة الجيش الإسرائيلي

ومن المضحك أيضاً أن تستشهد الصحيفة بتصريحٍ للمتحدث باسم شرطة الاحتلال، ميكي روسنفيلد، يقول فيه إن مزيداً من «التحقيق» سيجري لمعرفة ما حصل، ليكون ذلك بمثابةٍ تصوير اعتقال عهد التميمي وما سبقه أنه بمثابةِ حادثٍ فرديّ منفصل أو ردّ فعلٍ مبرمج، لا علاقة له بالانتهاكات الإسرائيلية اليومية بحق الفلسطينيين. وتتعزز تلك الفكرة مع عودة الصحيفة أخيراً إلى وضع عهد التميمي في خانة «البروباغندا» مع ذكر مقتضب لأسباب الفعل المقاوم الذي تقوم به، بالقول إنها كانت محطّ تركيز الإعلام في عامي 2015 و2012، مشيرةً إلى ما يقوله مدوّنون «موالون لإسرائيل» عن أن أفعال عهد التميمي «تمثيليّة» هدفها «كسب الحرب الإعلامية ضدّ إسرائيل عبر التلاعب الإعلامي»!
عدم تسليط الضوء على المسألة الأساسية، وهي أنّ جيش احتلالٍ اعتقل طفلةً بعدما قام بإطلاق النار على قريبها البالغ من العمر 14 عاماً، وهي انتهاكات يومية يقوم بها الإسرائيليون منذ عشرات السنين، ظهر أيضاً مع تركيز صحيفة «نيويورك تايمز» الأميركية في مقالها على الجدل القائم بين الإسرائيليين بشأن تفصيل «ردة فعل» الجندي المحتلّ الذي صفعته عهد، والذين انقسموا بين مؤيد لـ «انضباط» الجنود وآخرين معترضين على ذلك. إلّا أن المقال لم يذكر مثلاً أن الجنود الإسرائيليين كانوا يقفون في باحة منزل عائلة التميمي في الدرجة الأولى، ليشير بشكلٍ مقتضبٍ أنه قبل ساعات من «حادثة الصفع» أصيب قريب عهد برصاص المحتلّين، وكأن ذلك أيضاً حدثٌ منفصل أيضاً. الصحيفة لم تحرم عهد التميمي فقط من حقّ التركيز على قضيتها بتجرّد، بل آثرت ترسيخ فكرة أن الفتاة لا تستحقّ أن تكونَ رمزاً للمقاومة، بل هو جاهٌ مُنح لها عن غير قصدٍ من قبل الإسرائيليين: «مشهد أخذ الفتاة الشابة من منزلها قد يكون منح الفلسطينيين ضربة بروباغندا واضحة حرموا منها خلال المواجهة الأساسية (مشهد صفع عهد التميمي للجندي الإسرائيلي)».
تستكمل «حفلةُ» الموضوعية مع صحيفة «لوموند» الفرنسية ، التي اختصرت قصة عهد التميمي في فيديو لا يتعدّى الدقيقتين على موقعها الإلكتروني ، بدءاً من فيديو الصفعة. والمغزى من شريط «لوموند» طرح الجدل نفسه: «عهد التميمي أيقونة مقاومة إسرائيل بالنسبة للفلسطينيين... وكاذبة وممثلة بالنسبة للإسرائيليين». في تقريرٍ آخر، تركز الصحيفة على استخدام عبارة «الناشطة» لتوصيف عهد التميمي، وكأنّ هذه العبارة تمنحها بعض الشرعية، وتضعها في خانة المقاومة «اللاعنفية»، ما يجعل من المقبول الحديث عنها. وفي التقرير يرد فيديو «الصفعة» الشهير، من صفحة «فايسبوك» لمؤسسة إسرائيلية اسمها «المشروع الإسرائيلي» هدفها جمع التبرعات من أجل «مستقبل أفضل لإسرائيل»، نشرت الفيديو تحت عنوان «هذا ما على الجنود الإسرائيليين أن يمرّوا به». هكذا، ركّزت الصحيفة، كما منشور الصفحة الإسرائيلية، على فكرة أن الجنود الإسرائيليين لا يردّون على التميمي، وعلى القارئ أن ينتظر حتى الفقرة الأخيرة ليعرف الجانب الآخر من القصة، إذ بعد الحديث المطول عن الجدل الإسرائيلي بشأن ردة فعل الجنود «المنضبطة»، تقتبس الصحيفة بعضاً من أقوال باسم التميمي، والد عهد، يقول فيها إن الفتاة «كانت تطلب منهم الرحيل».
وسط كلّ الانحياز الواضح للرواية الإسرائيلية، تحلّى الكاتب الأميركي، بن إهرنرايك، ببعض الشجاعة ليكتب في مقال له في «ذا نايشين» أن الأكاذيب الإسرائيلية تظهر حقيقة أن «عهد بيّنت للإسرائيليين من هم في الواقع، وأن 50 عاماً من الاحتلال قد أفرغتهم كأمّة، وكيف يجعلهم ذلك أضعف وأكثر خوفاً كل يوم». وبعيداً عن تحسّره، في المقال، على شباب عهد التميمي وطفولتها، بقوله إنها لا تريد أن تكون بطلةً أو رمزاً بل «مراهقةً عاديّة»، عاد الكاتب ووصف الفتاة بأنها «رمز مقاومة الجيل الفلسطيني الجديد»، متابعاً أنها كشفت للعالم حقيقة أن إسرائيل هي «المتنمّرة». «لا تجعلوا عهد بطلة... دافعوا عن حريتها، لتكون يوماً ما امرأةً عاديةً في أرضٍ عادية»، يختم إهرنرايك دون أن يخبر من يتوجه إليهم، أن هذه الأرض «العادية» لن تأتي من العدم، بل يحرّرها أبطال، مثل عهد وغيرها كثر.