حتى اليوم، لا يبدو أن ملابسات قضية اختطاف رئيس الحكومة سعد الحريري، وظروف إقامته «الغامضة» في الرياض، قابلة كلها للتفكيك. الجميع يعلم أن استقالة الحريري المفاجِئة جاءت غداة لقائه «الودّي» بمستشار المرشد الإيراني للشؤون الدولية، علي أكبر ولايتي، وأن بيان الاستقالة «الملغوم» الذي تلاه من الرياض، تبعه سلوك وأدبيات مغايرة لتلك التي اعتاد المواطن اللبناني أن يراها وأن يسمعها من الحريري طوال الأشهر الـ11 المنقضية في عمر حكومته.


ومن المعلوم أيضاً أن الجهة الخاطفة لم تمثّل مجموعة مجهولة تطالب بفدية مقابل إطلاق سراحه، مثلاً، أو منظمة مسلّحة جُلّ اهتمامها زعزعة الاستقرار السياسي في لبنان، بل نظاماً سعودياً رسمياً جديداً يمثله محمد بن سلمان: الرجل الذي أحدث بالتزامن مع تفجر أزمة الحريري حملة تصفية حسابات داخلية، نذكر منها إزاحة متعب بن عبد الله من «الحرس الوطني» للقضاء على آخر «قوة» قد تناوئه، إلى جانب اعتقال أمراء بتهم فساد.
لكن في الشأن اللبناني تحديداً، ووفق سيناريو مماثل، فإن مشهد اختطاف رئيس حكومة في أي بلد «طبيعي» كان ليتخلله مقاطعة دبلوماسية حتمية منذ اليوم الأول، وكان لينتهي أقله بإعلان حرب. والنتيجة الأولى يمكن وضعها في خانة الرد البديهي لأي دولة يتعرّض فيها رأس رمزها السياسي لعملية اختطاف شبه علنية. والمفارقة أن «حالة» الحريري تعد سابقة في تاريخ الأزمات السياسية ليس فقط على الصعيد الإقليمي، خصوصاً لناحية المعاملة المهينة التي قوبل بها من النظام السعودي. صحيح أن التعامل المفترض مع الأزمة محلياً كان يستوجب اتخاذ إجراءات تصعيدية من قبل الدولة، وهو الأمر الذي بدا أنه لم يكن مطروحاً على الإطلاق في بداياتها: هل وضعت السلطة اللبنانية في حساباتها العلاقة الطويلة التي تربط لبنان بالسعودية؟ أم أنها خشيت، ربما، من أن يكون الوضع الأمني للحريري مهدّداً في مقر إقامته الجبرية. الإجابة هنا تبدو غير ممكنة. لكن في النتيجة، لا بد من الالتفات إلى حقيقة أن الأزمة لا تدخل ضمن تصنيفات الأزمات الدبلوماسية أو السياسية التاريخية التي تولدت على إثر مقتل، اختطاف أو اعتقال أحد كبار مسؤوليها.
أزمة اختطاف الحريري لا يمكن مقارنتها مثلاً بحادثة تحطم طائرة الرئيس البولندي السابق ليخ كاتشنسكي في روسيا عام 2010، تلك التي أثارت جدلاً واسعاً لناحية احتمال «تورط» موسكو أو الحكومة البولندية نفسها فيه.
كاتشنسكي، مات في ظروف بقيت غامضة حتى اليوم. وعبد الله أوجلان مثلاً وُجّهت له تهم من قبل السلطات التركية قبل أن يودع السجن، بعد خطفه من كينيا.
لكن الحريري اختطف، ثم أطلق سراحه في سيناريو لا يخلو من السوريالية. رئيس حكومة لبنان أودع تحت الإقامة الجبرية وأجبر على قراءة بيان استقالته من الرياض على مرأى ومسمع العالم كله، قبل أن يعود بوساطة فرنسية وضغط محلي إلى لبنان بعد نحو أسبوعين معلناً قراره التراجع عن الاستقالة و«الاحتفاظ لنفسه» بكل ما تعرّض له هناك، وعاود بعد ذلك نشاطه الوزاري كأن شيئاً لم يكن، مخالفاً ما توعّد به في بيان استقالة الرياض. والمفارقة أن ابن سلمان، ورغم تراجع الحريري عن استقالته وعن أغلب «تهديداته» التي أطلقها من المملكة، ناقض بتعنّت موقف الحريري الواضح، وكرر الأدبيات نفسها المذكورة في خطاب الاستقالة. إذ شدد في تصريحه الشهير لصحيفة «نيويورك تايمز» على أن الزعيم «المسلم السني» لن يواصل «منح غطاء سياسي لحكومة لبنانية يسيطر عليها حزب الله بشكل أساسي، والذي يأتمر بأوامر من طهران».
في المحصلة، وبعيداً عن البحث في التكهنات حول فترة إقامته الغامضة، فإن كل ما سبق يضعنا أمام استنتاج واحد: تهوّر بن سلمان قاده لارتكاب حماقة دبلوماسية فريدة. حماقة أثبتت قبائلية هذا النظام أكثر من أي وقتٍ مضى.