إن ما نراه اليوم في إيران هو في الحقيقة خليط بين الأزمات الاقتصادية والسياسية. فالبلاد، منذ تأسيس الجمهورية الإسلامية قبل أربعة عقود، تعرضت لضغوط اقتصادية خانقة، وفُرضت عليها الحرب العراقية لمدة ثمانية أعوام، وجاءت بعدها العقوبات الدولية، وفي مقدمتها العقوبات الاقتصادية التي ضيّقت الخناق على المواطن. كل هذا كان في سبيل بحث الدول العظمى، وعلى رأسها الولايات المتحدة الأميركية، عن مكاسب وإنجازات سياسية في الدولة التي رفعت شعار «لا غربية ولا شرقية» منذ تأسيسها.


وإلى جانب هذه الضغوط كان هناك سوء إدارة لا ينكره أحد في النظام الاقتصادي، وهو ما أدى إلى انتشار الفساد بنحو ملحوظ، ويمكن الإشارة إلى المؤسسات الائتمانية الفاشلة كمثال حي على ذلك. هذه الأمور أدت إلى خلق حالة من عدم الرضى لدى الشعب، وزادت الضغوط الاقتصادية على الطبقة المتوسطة والفقيرة بنحو كبير. ولذلك نرى النظام الإيراني اليوم أمام كمّ كبير من المطالب الاقتصادية، وهذا انعكاس طبيعي لتدهور الأوضاع المعيشية للشعب في السنوات الأخيرة.


يجب إقالة كل
مسؤول ارتبط اسمه بملفات فساد مهما كان حجمها


انطلقت الاحتجاجات الاقتصادية في مدينة مشهد التي كان سكانها من أكثر المتضررين من المؤسسات الائتمانية التي سلبت الإيرانيين ملايين الدولارات، وبعدها وصلت التظاهرات إلى مدن أخرى. ولا أحد ينكر أحقية الشعب في هذه التظاهرات، ولكن فقدها لقيادات وأحزاب أو حتى منظمات وطنية واعية تبحث حقاً عن إصلاحات اقتصادية واجتماعية، وانسياق الشارع وراء دعوات مجهولة الهوية عبر مواقع التواصل الاجتماعي وبرامجه، ساهما في تسريع استبدال الشعارات الاقتصادية بأخرى معادية للنظام ورموزه وحتى مقدساته.
هذا ليس مجرد ادعاء من قبل نظام يبحث لنفسه عن مبررات لقمع التظاهرات، فالصور ومقاطع الفيديو التي نُشرت عبر مواقع المعارضة الإيرانية، تكشف كيف أحرق عدد من المتظاهرين مواقف الباص والميترو، وخرّبوا واجهات البنوك واستهدفوا سيارات الإطفاء ومقرات الشرطة، وأحرقوا العلم الإيراني، من دون أن يتعرضوا لأي هجوم من قبل القوات الأمنية، فضلاً عن قيام بعض القنوات المعارضة للنظام الإيراني على «تيليغرام» بتحريض الإيرانيين على إثارة الشغب في الشارع، وتعليمهم كيفية صناعة قنابل «مولوتوف»، ودعوتهم إلى النزول بسياراتهم إلى الشارع من أجل إغلاق الطرقات. هذه الأمور تعني أن هذه الاحتجاجات خرجت عن مسارها الطبيعي، ولم تعد تظاهرات مشروعة ذات مطالب اقتصادية واجتماعية محددة ومحقة. بل أصبحت احتجاجات سياسية تطالب بإسقاط النظام، ولذلك نرى أميركا ورئيسها دونالد ترامب، الذي وصف قبل أشهر قليلة الشعب الايراني بالإرهابي ومنعهم من الدخول إلى أراضي بلاده حتى بعد حصولهم على التأشيرات، يعلن دعم بلاده المطلق لهذه الاحتجاجات؛ علّها تحقق له ما عجز أسلافه عن فعله خلال أربعين عاماً. ونرى بعض الدول العربية قد حرّكت أسطولها الإعلامي، وسخّرته من أجل تضخيم الاحتجاجات، والتشويه ما أمكن بالنظام الإيراني الذي ما زال يحاول تجنب العنف في مواجهة المتظاهرين.
سرعة التجاوب الخارجي مع هذه الأحداث جعلت معارضي النظام في الداخل، يعزفون على وتر معارضيه في الخارج، فصادروا المطالب الاقتصادية لمصلحة مطالبهم السياسية، والآن يمكن القول إن الأشخاص الموجودين في الشارع هم متظاهرون سياسيون بشعارات سياسية. ولذلك نرى أن التجمّعات التي تجري هنا وهناك تقتصر على تجمع بضع مئات من الأشخاص، إذ لم يعد هناك تجمعات كبيرة كما كانت الحال في تظاهرات اليوم الأول في مشهد. ويتعمد معظم المشاركين فيها إثارة الشغب والاضطراب في الشارع، لأن انتشار العنف يساعدهم على تحقيق أهدافهم السياسية، ويستجلب لهم الدعم الخارجي.
وهذا ما جعل قائد الجمهورية الإسلامية السيد علي خامنئي، يقول في تصريحات مقتضبة إن «أعداء ايران لم يدخروا سبيلاً إلا ولجؤوا إليه...». وأضاف أن لديه الكثير من الكلام حول الأحداث الجارية، ولكن سيقوله في الوقت المناسب.
وإذا كان قائد إيران قد فضّل تأجيل كلامه إلى وقت آخر، فإن ممثله في مجلس الأمن القومي الأعلى الجنرال علي شمخاني، تحدث بشفافية أكثر ووجّه أصابع الاتهام مباشرة إلى السعودية، إذ قال إن حكومتها أسست منظمة من أجل التدخل في الشأن الإيراني، وتستعين بعناصر من منظمة «مجاهدي خلق». شمخاني تخلى أيضاً عن ديبلوماسيته، وهدد السعودية بالرد في الوقت المناسب، وبأن الضربة ستأتيها من حيث لا تحتسب، واتهم أميركا وإسرائيل وبريطانيا، بالتعاون مع السعودية بهدف زعزعة الأمن في إيران، مؤكداً أن هذه الأزمة ستنتهي خلال أيام. الرئيس حسن روحاني أيضاً أدان بشدة التصريحات الأميركية تجاه الأحداث الجارية في إيران، وأعرب عن أسفه للسعادة الواضحة لدى بعض الدول العربية، التي لم يحددها بالاسم، لما يحدث في إيران من شغب وأعمال عنف. ونظراً لسرعة التطورات وحساسية الموقف، وجّه روحاني تعليمات صارمة إلى القوى الأمنية والعسكرية بالابتعاد عن العنف في مواجهة المتظاهرين.
ورغم أن القوى الأمنية التزمت أوامر الرئيس، غير أنها أجبرت في بعض الأحيان على التصدي للأشخاص الذين دهموا المباني الحكومية ومقرات الشرطة والبنوك وحتى المملكات الخاصة، إلى جانب بعض من استغل الفرصة واندسّ بين المتظاهرين وهو يحمل أسلحة نارية، ويحاول نشر الفوضى والتسبب في نزاعات بين القوى الأمنية والمتظاهرين. من جهة أخرى اعترف روحاني بحق الإيرانيين في الاعتراض والانتقاد، ولكنه أكد أن المطالبة بالحقوق، لا تعني اللجوء إلى العنف ونشر الفوضى. وأكد أن التلفزيون الرسمي يجب أن يعكس بصورة شفافة اعتراضات وانتقادات المتظاهرين، لكي لا يمنح الفرصة لأعداء إيران بنقل الأحداث كما يحلو لهم.
الحكومة الايرانية إذاً تريد أن تستوعب هذه التظاهرات وأن تجري إصلاحات اقتصادية تهدئ سكينة المواطن، ولكننا نعلم جيداً أن الإصلاحات تحتاج إلى وقت طويل، والحكومة بحاجة إلى فرصة لكي تثبت حسن نياتها، ولذلك هي تسعى الآن لكي تفصل بين المحتجين الذين خرجوا إلى الشارع بمطالب اقتصادية وأولئك الذين خرجوا بهدف إسقاط النظام. ويعتقد معظم المراقبين أن هذه الاحتجاجات والمطالب الشعبية هي فرصة لكل حكومة تدعي أنها ديموقراطية وشعبية، لأنها ستجبرها على إجراء اصلاحات واسعة. ولكن هناك عائق وحيد يحول دون تحقيق الوعود بالإصلاح، وهو انتشار الفوضى والاضطراب والعنف في الشارع، من قبل أشخاص لديهم توجهاتهم الخاصة ويبحثون عن الصيد في المياه العكرة.
الإصلاحيون قدموا للرئيس روحاني، مبادرة تعكس وجهة نظرهم لإيجاد مخرج من الأزمة، وتحويلها إلى فرصة، إذا استُغلّت جيداً فستضمن للإصلاحيين الاستمرار في الحكومة إلى فترة طويلة. وأهم ما جاء في هذه المبادرة:
أولاً؛ يجب أن تبدأ حملة شاملة لمكافحة الفساد الاقتصادي، وهذا الأمر لا يجب أن يقتصر على مكافحة الفساد في الحكومة، بل يجب تعميمه في الجهاز القضائي والمؤسسة التشريعية وكل أجهزة الحكم. ثانياً؛ يجب أن تتاح الفرصة أمام المحتجين من أجل التظاهر بشكل قانوني، والشعب يجب أن تكون له الحرية في التعبير عن عقائده السياسية، وهذا ما ينص عليه الدستور الإيراني صراحةً.
ثالثاً؛ لا يجوز استخدام القوة والأسلحة في مواجهة المتظاهرين إلا إذا كان هناك ما يهدد الأمن القومي ويشكل خطراً على حياة المواطنين. رابعاً؛ يجب أن يوضع جميع المسؤولين والمديرين الرفيعي المستوى على المحك، ويجب إقالة كل مسؤول ارتبط اسمه بملفات فساد مهما كان حجمها، وإسناد المهمة في إدارة البلد إلى جيل جديد من المديرين الكفوئين والشباب. وأخيراً، طالب الإصلاحيون الرئيس حسن روحاني بإعادة النظر في الموازنة العامة الجديدة التي قدمها للبرلمان، وإجراء تعديلات عليها بحيث لا يترك مجالاً لتعرض الطبقة المتوسطة والفقيرة لأي ضغوط اقتصادية جديدة. وأن يأخذ بالاعتبار في موازنته الجديدة ضرورة العمل على إعادة هيكلة الاقتصاد، وذلك بالاعتماد على الخبرات الداخلية.
الإصلاحيون والكثير من المراقبين في الداخل الإيراني، يعتقدون أن الحكومة والنظام الذي يرفع شعارات الديموقراطية والحرية يمكنهما أن يديرا أزمة كهذه، بطريقة يصنعان منها فرصة ذهبية تعيد المياه إلى مجاريها بين المواطن وحكومته.
*صحافي إيراني