الفصول تمر من هنا


عند الصباح، يخرج جاري من منزله وفي فمه سيجارة غير مشتعلة. عند منتصف الطريق بين بيته ومفرق الحارة الذي تحول لموقف سرفيس، يقف ليشعل سيجارته، وعند الموقف ينتظر السرفيس وحين يأتي يطفئ السيجارة بحذائه ويقفز إلى فم السرفيس، ويختفي، ليعود عند العصر.

عند العصر وعندما يصل السرفيس، يبصق ركابه من جوفه، فيمشي جاري عائداً إلى منزله بالسرعة ذاتها التي أتى بها عند الصباح. في فمه سيجارة يشعلها حال سقوطه من السرفيس. وعند اقترابه من البيت، يطفئ السيجارة بكعب حذائه.
الهيئة ذاتها، الملابس ذاتها، كل شيء يحدث كأنه على ساعة بيغ بن. إلا هذا الشيب. كثلج خفي يهطل ببطء وعلى الخفيف. لكنه يهطل كل يوم. لا شيء يتغير. جاري يذهب ويعود. وأنا أتلصص عليه وعلى الآخرين. والثلج يهطل علينا. وعندما نكتشفه، يكون قد فات الأوان. ويكون حقل الحنطة الذي ينبت على رؤوسنا قد حان حصاده.

كأنه حي كأنه ميت

تمشي كروان على مهل. بهموم نملة تحمل حبة شعير تفوقها حجماً. وتمشي ببراءة من يثق أنه سيصل لهدفه وأن كل عراقيل الحياة ليست سوى ديكور. تمشي كروان وهي تتلفت ليس للفرجة، بل لتتأكد أن أحداً لا يحتاج المواساة أو أن أحداً لا يحتاج المساعدة.
تذكرك مشية كروان بمشية الحوامل.
الحامل تمشي بهذا البطء بسبب ثقل الشيء الذي تحمله في بطنها وبدافع الحذر على الشيء الذي تحمله في بطنها. وروان لا تحمل شيئاً في بطنها. هناك شيء في صدرها يثقلها، شيء هش وتخشى عليه.
في عيون الحوامل أمل وبريق فرح، وفي عيون كروان مزيج من الفزع والحزن.
كأنه ميت هذا الذي لم يولد. كأنه لن يولد.

العجوز والنجوم

هناك نجمة عجوز ستنطفئ عما قليل.
فلاح واحد في القرية، واحد على الأكثر، سينتبه لنقطة العتمة التي خلفتها النجمة. باقي الفلاحين سيذهبون للحصاد، وسيشوون الخبز، وينجبون الأطفال، كأن شيئاً لم يحدث، فهم حين يرون النجوم يشعرون بالغبطة أجل، لكنهم لا يعرفون نجمة عن أخرى.
لسبب ما سيكون بمقدور فلاح ما، أن يرى نقطة العتمة، التي تركتها نجمة، كان يميز وهجها فيما مضى، كما لو كانت قمراً.

الموديل والعدسة

جلست نورا تقلب ألبوم الصور، وقد فتحت للتوّ على فصل كامل بعشرات الصور الخلابة لحديقة كوكنهوف العالمية التي يعرفها كثيرون من كل أنحاء العالم، والذين يدّخرون المال طوال أشهر حتى يتمكنوا من قضاء ساعة واحدة بين أزهارها.
متّجهة إلى تلك الحديقة، حزمت نورا ذات يوم حقيبتها باتجاه أمستردام مفرّطة بمئات الدولارات من أجل هذه اللحظة التي تقلب فيها اليوم صور الألبوم. ذكّرتها الصور بالنهم الذي أبدته حيال الحديقة وهي تتجول بين الأحواض الفاتنة التي تصنع تشكيلات مذهلة من أزهار التوليب.
كان شيئاً يفوق الوصف. لهذا بدأت ذلك اليوم تضغط زر الكاميرا بجنون وبلا توقف. من اليمين. من الأعلى. من هذه الزاوية. صورة تظهر السماء مع الزهور. صورة أخرى أقل انخفاضاً وأقرب كي تظهر تفاصيل التوليبات. يا إلهي. ثم هناك.. زاوية لم تنتبه لها، تعاملت معها كما لو كانت رشفة أخيرة يجب أن تبتلعها قبل أن تغادر، فقد اتخذت قراراً بألا تترك قطرةً واحدةً في هذا الكأس. وهكذا لم تشعر بالوقت. ثم فجأة ظهر ذلك الرجل - اللطيف والحساس - ليعرض بالانجليزية أن يلتقط صورة لها.
متأكدة اليوم أنها كانت في تلك اللحظة ترغب بتصوير الزهور، ولم يخطر في بالها مجرد خاطر أن يكون لها صورة شخصية بينها. لكنها أعطته الكاميرا، وهي تداري شعوراً بالعار، كمن قبضوا عليه وهو يختلس أو يتلصص أو يزوّر. ثم التقط السائح لها صورة محترفة وسط أزهار التوليب. صورة لا تظهر اليوم في الألبوم الذي تقلبه. فبعد عودتها من تلك الرحلة، وفي كل مرة كانت تقلب فيها صور تلك الحديقة، تقفز فجأة وسط عشرات الصور الملتقطة للتوليبات صورة تلك السائحة الخجولة التي أقنعها رجل لطيف وحساس أن تقف أمام الكاميرا، لتواجه العدسة التي ستوثق عارها للأبد. عار وحدتها التي كان الجميع يداري نظراته عنها. كانت الصورة كما لو أنها لشخص ينتظر سقوط المقصلة. وكانت إضافة لهذا تثير إحساساً بتعاطف مذل. وتثير الأفكار حول الوحدة. ومرة بعد أخرى، صار ذلك غير محتمل. وكان الحل تقطيع أوصال الصورة إلى عشرات المزق والتخلص منها نهائياً.
لكن ذلك لم ينفع كثيراً. فغياب الصورة – أكثر منه حضورها – كرّس لدى نورا بطريقة غير قابلة للعكس ذكرى تلك اللحظة التي تَقدَّم فيها ذلك الرجل اللطيف والحساس ليذكّرها بما كانت قد نسيته. ليذكرها به إلى الأبد.

صورة عائلية

كان ابراهيم الولد الأوسط في العائلة، لم تمنحه الطبيعة ذكاء جيداً، ولهذا كانت نكاته ساذجة، وكان يقول ما لا يجب أن يقال، وإذا حدث وقال ما يجب قوله، فإنه يقوله في اللحظة التي يجب ألا يقال فيها. مع مرور الوقت، صار عدنان يعرف أن إطباق الفم شيء مفيد للاحتفاظ ببقية الأصدقاء، لكنه صار يفتح فمه لالتهام الأطعمة والتفاح والفطائر والقطايف، وصار يتكور ويتكور، حتى صار الأسمن في العائلة، ثم الأسمن في القرية، ولو أن جماعة غينيس سمعوا به لأدخلوه التاريخ من أوسع أبوابه. وهو على أية حال وبسبب الحجم الذي وصل إليه، لم يعد يمكنه الدخول من الأبواب الضيقة.
في حفل زفاف أخته الوحيدة، تأهبت العائلة لالتقاط صورة جماعية مع العروسين. وقف ابراهيم في أقصى اليمين وابتسم. تسمر أفراد العائلة حول العروسين وابتسموا. والعروسان كذلك ابتسما.
وخرج الفلاش.
حصل الجميع على نسخة من الصورة، وبفضل برامج الكمبيوتر الحديثة، قاموا بقص الحيز الذي يقف فيه ابراهيم، فالصورة تبدو أفضل بكثير إذا حذف منها ذلك الشيء المكور على اليمين.
ابراهيم حصل أيضاً على نسخة، ولأن الطبيعة لم تكن قد منحته قدراً كافياً من الذكاء، لم يلحظ أن الصورة تبدو أفضل بكثير إذا حُذف منها الحيز الذي يشغله ذلك الشيء المكور على اليمين. لهذا قام بطباعة الصورة دون تعديل، وعلقها على الحائط.
كانت تبدو صورة سعيدة، وكان راضياً جداً عن ربطة العنق المقلمة التي يرتديها في الصورة والتي لبسها خصيصاً لحفل زفاف أخته العزيزة.

كل شيء عن علي

عندما كان صغيراً، كان الجميع – بلا استثناء – أكثر ذكاء، وأوفر حظاً، وأقوى بنية، وأطول قامة، وأوفر مالاً وجمالاً من علي. كان لدى الآخرين كل ما يريدون وزيادة، وكان ينقص علياً كل شيء. لهذا، كان يكشّر تلك التكشيرة التي عُرفت عنه، والتي تكون أول شيء يخطر في بالك عند الحديث عن علي. لقد كان يكشر تلك التكشيرة ليقنع الجميع أنه إن كان ينقصه كل تلك الأشياء، فهو لا ينقصه الكبرياء. لكن علي الصغير، وبينما كان يكشر في وجه الجميع، كان موجوعاً من كل ذلك الحرمان.
حين كبر، كانت تكشيرته قد حُفرت في وجهه إلى الأبد مثل وحمة، أو جرح قديم. إنه إلى هذا اليوم، كلما أحس بالخطر يكشر. يمكن القول إنه يكشر طوال الوقت. الجميع مشمئز من غروره، بينما هو كل الوقت يرتجف من ذعره. هم لا يعرفون هذا، وهو لا يعرف أنهم لا يعرفون.
* كاتبة سورية