يقترب المشهد من الاكتمال: انتخابات الرئاسة ستُجرى في أواخر آذار المقبل، والطريق مفتوح أمام عبد الفتاح السيسي لولاية رئاسية جديدة من دون منازع، وذلك في ظروف سياسية غير مستقرة، تتجه معها الأنظار إلى أي إشارة قد تصدر عن المؤسسة الأهم والأكثر نفوذاً وتأثيراً في الحياة السياسية، وهي القوات المسلحة، التي تثار تقديرات عدة بشأن حساباتها ومصالحها، على النحو الذي يدفع عديدين إلى الرهان على إمكان دفعها بمرشح رئاسي آخر... غير السيسي!


هذا الرهان ضاعف مستوى التقديرات بشأن خيارات العسكر، قبل أسابيع، حين خرج الفريق أحمد شفيق، المرشح الرئاسي السابق، مُعلناً عزمه على الترشح لانتخابات الرئاسة المقبلة. فذلك الإعلان أربك المشهد السياسي، لأن الرجل يتمتع بحضور داخل المؤسسة العسكرية بمنصبه كقائد سابق للقوات الجوية، كذلك فإن الأصوات التي حصل عليها في انتخابات 2012 من شأنها أن تجعله منافساً قوياً للسيسي.
لكن هذه التقديرات لم تستمر طويلاً، إذ عشية إعلان «اللجنة العليا للانتخابات» الجدول الزمني للاستحقاق الرئاسي، خرج شفيق ببيان أكد فيه العزوف عن الترشّح، لتعود الأمور إلى النقطة الصفر التي تجعل السيسي يخوض الانتخابات من دون منافسة تُذكر.
ورغم أن التحليلات المرتبطة بخيارات المؤسسة العسكرية قد جاءت على خلفية دخول شفيق المؤقت إلى الحلبة الانتخابية، فإن بعضها ينطلق من خلفيات تتجاوز الفريق العازف عن الترشيح.


أعطت عودة شفيق مجالاً للتقديرات سرعان ما انتهت بسحبه ترشحه

فعلى سبيل المثال، توقع الدكتور حازم حسني، وهو أستاذ العلوم السياسية في جامعة القاهرة وأحد المحللين البارزين، في حوارات صحافية، أن «السيسي لن يكون مرشح المؤسسة العسكرية في الانتخابات الرئاسية المقبلة»، بل ذهب إلى حدّ القول: «إنني لن أفاجأ إذا خرج (السيسي) وأعلن نيته ألا يترشح».
وفق حسني، سيتخذ الجيش هذا المنحى غير المتوقع للحفاظ على هيبته وقدرته على لعب دور رمانة الميزان في الدولة المصرية، الذي يقوم عليه منذ عام 1952، وذلك بعدما وصلت الأوضاع في البلاد إلى مرحلة قد لا تستطيع المؤسسة العسكرية الاستمرار في أخذ هذا الدور معها، ولا سيما بعد تحميل الجيش أعباء سياسية واقتصادية تفوق طاقته، إلى حّد أنه قد لا يستطيع بسببها تنفيذ المهمات الأساسية الموكلة إليه، ومن بينها القضاء على الإرهاب في سيناء، الذي كلف السيسي مسؤوليته لرئيس أركانه الجديد. فضلاً عن ذلك، يستند التحليل المذكور إلى تنبؤات حول أن المؤسسة العسكرية غير مرتاحة حيال بعض القرارات التي تمس الدولة، مثل التخلي عن جزيرتي تيران وصنافير، وأن استمرار السيسي في الحكم سوف يغريه لاتخاذ قرارات اقتصادية قاسية من الوارد جداً أن تدفع المصريين إلى انفجار لن يستطيع العسكر السيطرة عليه.
قد تكون تلك المبررات موضوعية من الناحية الشكلية. ولكن بنظرة أكثر دقة وعمق في مجريات الأمور خلال الأعوام الماضية تتضح صورة مغايرة. بالعودة إلى الوراء قليلاً، وتحديداً إلى بداية 2014، أي بعد أشهر قليلة على عزل الرئيس «الإخواني» محمد مرسي، كانت ثمة تقديرات مشابهة وأساسها تسريبات من مصادر عسكرية أفادت حينذاك بأن السيسي لن يترشح لرئاسة الجمهورية، كي لا يعتبر بعضهم تحرك المؤسسة العسكرية ضد الرئيس المنتخب في الثالث من تموز 2013 انقلاباً عسكرياً هدفه السيطرة على الحكم.
هذا الأمر أكّده صراحة، في ذلك الوقت، اللواء أحمد وصفي، وهو عضو المجلس العسكري ــ الذي اختفى نهائياً من المشهد ــ وكذلك العقيد أركان حرب أحمد علي، وهو المتحدث السابق باسم القوات المسلحة، الذي قال إن المؤسسة العسكرية لن ترشح أحداً للرئاسة، ولن تتدخل في العمل السياسي.
كل تلك التصريحات أثبتت الأيام اللاحقة أنها غير صحيحة، بعدما تم توجيه حملة إعلامية ضخمة لمطالبة السيسي بالترشح، وقد اتضح بعد ذلك، ومن تسريبات صوتية، أنها كانت بتوجيهات وتعليمات مباشرة من اللواء عباس كامل، وهو مدير مكتب السيسي في وزارة الدفاع، ثم مدير مكتبه في رئاسة الجمهورية. عقب تلك الحملة، اجتمع المجلس العسكري لبتّ قرار ترشيح المشير عبد الفتاح السيسي، وهو الاجتماع الذي شهد اعتراض بعض الجنرالات وانقساماً حاداً في ما بينهم. وكان من أبرز المعارضين لقرار الترشيح، وفق مصادر عسكرية في ذلك الوقت، الفريق عبد المنعم التراس، وهو قائد سلاح الدفاع الجوي، الذي تمت إحالته على التقاعد أخيراً.
إثر ذلك، عقد اجتماع آخر بعد أيام، ووافق خلاله المجلس على ترشيح السيسي، وهو ما يعكس أن طموحاً مسبقاً وعزماً صلباً من السيسي لتولي عرش مصر كانا الدافع الرئيسي للكثير من التحركات التي شهدتها مرحلة ما قبل انتخابات 2014، فما الذي يدفعه الآن إلى التخلي عن المنصب بعدما استتبّ له الحكم أربع سنوات؟
أيضاً، الإمبراطورية الاقتصادية للجيش، التي تعاظمت في عهد السيسي، لم تكن محل اعتراض من قياداته، ولم ينظر إليها باعتبارها عبئاً على المؤسسة العسكرية، بل على العكس، هناك تصريح علني سابق للواء محمود نصر، وهو عضو المجلس العسكري ومساعد وزير الدفاع للشؤون المالية سابقاً، قال فيه إنّ تلك الإمبراطورية هي عرق المؤسسة العسكرية، بل وجه تحذيرات قاسية إلى من يعارضون النشاط الاقتصادي للجيش بالقول: «سنُقاتل على مشروعاتنا، وهذه معركة لن نتركها، ولن نسمح، للغير أياً كان، بالاقتراب من مشروعات القوات المسلحة».
كذلك، فإن القرارات الاقتصادية التي قد يتوقع بعضهم خوف الجيش من تبعاتها، تسير على قدم وساق منذ تولي السيسي الرئاسة، وتم بالفعل إنجاز جزء كبير جداً منها، وأشدّها قسوة هو قرار تعويم العملة كلياً الذي أغرق البلاد في تضخم وفقر شديد، وجرى تمريره من دون أي قلاقل قد تؤرق المؤسسة العسكرية أو تثير اعتراضات داخلها، بل ترافقت هذه القرارات مع زيادات كبيرة في مرتبات القوات المسلحة.
أما قضية التخلي عن تيران وصنافير، فمن البديهي أنه لم تكن لتمر من دون ضوء أخضر من قيادات المؤسسة العسكرية، حتى إن السيسي أعلن قراره بشأن اتفاقية الحدود مع السعودية في حضورهم، كما شارك وزير الدفاع شخصياً في الطعن بحكم القضاء المصري بأحقية البلاد في الجزيرتين. ومن جهة أخرى، لم يصدر أي اعتراض أو إشارة من الجيش تجاه التدخلات الإسرائيلية في سيناء، حتى بعد تصريحات علنية من تل أبيب بتنفيذ الجيش الإسرائيلي هجمات داخل الأراضي المصرية.
كل ما سبق يجعل رؤية الدكتور حسني، التي يُشاركه فيها الكثير من المصريين، نظرة قديمة نسبياً للجيش المصري الذي تبدل جوهرياً في اتجاه آخر. في النهاية، ربما شكل ترشح الفريق شفيق اضطراباً كبيراً في المعادلة الانتخابية للمؤسسة العسكرية التي لا تسمح بتقدم أكثر من مرشح عسكري إلى الرئاسة، وهو ما جرى سابقاً بمنع الفريق سامي عنان من خوض المنافسة أمام السيسي، وتأكد قبل يومين، حين قرر شفيق العزوف عن الترشح.
ومما لا شك فيه أن السيسي، الذي شغل منصب رئيس المخابرات الحربية ووزير الدفاع، يعلم جيداً كيف تسير الأمور في المكاتب المغلقة، وكيف يُرضي مراكز القوى داخل المؤسسة العسكرية، لذا يبقى السيناريو الأقرب حتى الآن هو ترشح السيسي لولاية ثانية، فيما ستكون باقي السيناريوات الأخرى مجرّد تمنيات أكثر منها تخمينات قائمة على معطيات موضوعية... حتى تستجدّ في الأمور أمور.