في الصباح الباكر، أمس، ظهرت في صيدا أولى طلائع شاحنات نقل النفايات من بيروت، على أن تستأنف عملها تحت جنح الظلام، وفقاً لما كشفته مصادر مطلعة. هكذا إذاً تجري الأمور بلا أي صخب أو اعتراض على الأرض، فالمدينة التي احتفلت أخيراً بإزالة جبل نفاياتها، وافقت نائبتها بهية الحريري على استقبال نفايات بيروت وضواحيها لطمرها في الحوض البحري.


جاء في الخبر المقتضب الذي ورد في وسائل إعلام تيار المستقبل أن رئيس الحكومة تمام سلام استقبل، الخميس الفائت، وزير البيئة محمد المشنوق والنائبة بهية الحريري و»تناول البحث الأوضاع العامة، وخصوصاً سبل استعمال معمل صيدا لجزء من نفايات العاصمة». اللقاء البعيد عن الأضواء، عقد قبيل جلسة مجلس الوزراء الأخيرة، التي وفرت التغطية السياسية لاقتراح «نقل ما أمكن من نفايات بيروت والضاحيتين إلى معمل صيدا لمعالجة النفايات وإلى أماكن أخرى». هكذا، وجدت الحريري الحل، على قاعدة «أهلية بمحلية»، لعدم عرقلة الصفقة المستمرة عبر عقود شركة «سوكلين» الممددة منذ عام 1997. فقد بدأت شاحنات نقل النفايات تتوافد إلى صيدا، منذ صباح الجمعة الماضي، لكي تلقي بها في معمل معالجة النفايات في سينيق عند مدخل المدينة الجنوبي، كما قال المشنوق، وبذلك محت الحريري بثوان جميع التصاريح التي أدلت بها هي والمرجعيات الصيداوية رفضاً لاستقبال نفايات المناطق، بما فيها تصريحات النائب السابق أسامة سعد والرئيس فؤاد السنيورة والجماعة الإسلامية والمجلس البلدي لمدينة صيدا، بل إن المفارقة أن الشاحنات كانت تفرغ حمولتها، فيما كان نائب رئيس بلدية صيدا إبراهيم البساط (رئيس البلدية محمد السعودي غائب بداعي السفر)، لا يزال يؤكد «أننا في صيدا لا نستطيع استقبال كميات من النفايات من خارج المنطقة وأن المدينة مجتمعة ترفض ذلك، وهو موقف أعلنه مراراً وبشكل واضح السعودي». وقال البساط: «نحن لم ننس بعد تداعيات وآثار النفايات في جبل النفايات ولا نزال نلملم الجراح جراء المعاناة من الجبل لأكثر من 40 عاماً، والآن يريدون نقل نفايات من خارج المنطقة. لكن الأكيد أننا في الوقت الحاضر لا نستطيع ذلك». وحول تحويل القضية إلى بازار سياسي، رجّح البساط أن «القيادات السياسية في صيدا لن تعطي الموافقة. وإن قدرات معمل الفرز في صيدا محدودة ولا يستوعب كميات كبيرة ولن يتمكن من أن يعالج نفايات بيروت والمنطقة».


بهية الحريري وافقت على نقل جزء من نفايات بيروت إلى صيدا

مساء الخميس الماضي، بدا نبيل زنتوت، المدير العام للشركة المالكة والمشغلة لمعمل معالجة النفايات المنزلية الصلبة في صيدا، كما لو أنه في عيد، إذ خصص مؤتمراً صحافياً ليعلن أن المعمل قادر على استقبال ما بين 250 و300 طن إضافية يومياً من النفايات الآتية من خارج صيدا. وأوضح أن «المعمل تملكه شركة خاصة ردمت الأرض واستصلحتها وشيدت المعمل حتى أصبحت طاقته اليومية 500 طن. بينما هو يعمل الآن بطاقة تراوح بين 250 و300 طن، ويستخدم 200 موظف وعامل بين مهندسين وإداريين وعاملين في الفرز والمعالجة». إلا أن زنتوت أشار الى أن البلدية نفسها «لا تمانع في استقبال النفايات من خارج صيدا بشرط إخراج العوادم الناتجة بعد المعالجة من صيدا»، علماً بأن السعودي نفسه كان قد أعلن عن اتفاق بين شرطة البلدية وإدارة المعمل لنشر حراسة على مداخل المعمل «لضمان عدم دخول أي شاحنات محملة بالنفايات إليه».
يتحمس زنتوت لاستقبال النفايات لأنه يتقاضى 95 دولاراً لمعالجة الطن الواحد يدفعها الصندوق البلدي المستقل، وفي ذلك ربح أكيد للشركة التي يديرها، ولكن ماذا عن العوادم التي تشترط البلدية إخراجها من صيدا، إذ يؤكد زنتوت أنها تطمر في الأرض المستحدثة بالردم، المحاذية للمعمل بصورة مؤقتة إلى حين استخدامها في مواد البناء». لكن تلك الأرض التي يتحدث عنها زنتوت، هي الحوض البحري الذي تشكل بمحاذاة جبل النفايات المزال، بين الشاطئ والحاجز البحري الذي فصل بين الجبل والبحر لمنع تهافت النفايات نحوه. البحيرة الضخمة بحاجة إلى الردم لكي يتم استتباعها بالحديقة التي تنشأ فوق أنقاض الجبل. منذ أشهر، تسمح البلدية بإلقاء الردم فيها بعدما تحولت إلى بحيرة من المياه الآسنة، حيث تتجمع المياه المبتذلة الآتية من صيدا. ولا يقتصر الردم على بقايا المواد التي تنتج من ورش البناء أو الجرف، إنما تردم من النفايات التي من المفترض أن تلقى مصيرها في معمل المعالجة. فإذا بالشاحنات تدخل من باب المعمل لتخرج من باب خلفي وتلقي النفايات في البحيرة من دون معالجة، على أن تردم في النهاية بطبقة من الأتربة. تلك البحيرة لا تزال تحتاج إلى عشرات الأطنان لكي تردم.