نمنمت الريح التراب: خطته وتركت عليه أثراً شبه الكتابة، وهو النمنم والنمنيم. قال ذو الرمة: فَيْفٌ عليها لِذَيْلِ الريحِ نِمْنِيمُ. والنمنمة: خطوط متقاربة قصار شبه ما تنمنم الريح دقاق التراب. ولكل وشي نمنمة. وكتاب منمنم: منقش. ونمنم الشيء نمنمة أي رقشه وزخرفه. وثوب منمنم: مرقوم موشى. قال رؤبة يصف قوساً رصع مقبضها بسيور منمنمة: رَصْعاً كَسَاهَا شِيَّةً نَمِيماً [أي: نقشها، يضيف الفراهيدي، في «كتاب العين».]

ابن منظور، لسان العرب

شاعرٌ مشَّاء بامتياز. جعل من حياته وشعره مساراً واحداً، فقد كان رامبو (1854 ــــ 1891) يبث قصائده خرائط تجواله بطريقة ألمعية. إذ أن عنونة ديوانه «منمنمات» Illuminations والكلمات الإنكليزية التي تحويها القصائد، إشارة حاذقة لفترة إقامته اللندنية [1874-1872]. تلك الإقامة التي زادت من حاسة رامبو التشكيلية وحضورها في قصيدته، من خلال استحضارها مائيات التشكيلي الإنكليزي تورنر. شكل هذا الحضور المعجمي والتشكيلي القويان، قرينةً فكّت لغز تأرِخة الديوان: هو آخر ما أنجز شعرياً. قبله، كتب «فصل في الجحيم». أما الكلمة الألمانية wasserfall الواردة في قصيدة «فجر»، فهي تلميح لإقامته في شتوتغارت سنة 1875. هذا السفر بين المدن مقترن بسفر رامبو بين أشكال شعرية متعددة: جرب في بداياته القصيدة الموزونة، فتركها نحو قصيدة النثر، حيث اعتبر رائدها بعد منجزات البداية مع لوي برتران، شارل بودلِير ولوتريامون. وقد عانت نصوص رامبو من بعض القراءات المغرضة على يد كتاب يجاهرون بورعهم المسيحي، انطلاقاً من شهادات لأخته وصهره عن إيمان رامبو العميق غداة عودته الأخيرة إلى فرنسا. وقد زكى الشاعر بول كلوديل هذا المسعى باعتباره لرامبو «صوفياً في حالته البدائية»؛ فثارت ثائرة أندريه بروتون، مُنَظِّر الحركة السريالية، الذي رأى في الأمر «مصادرة لرامبو لصالح الكاثوليكية» [مقابلات، 1952].
ولهذه المصادرة صداها على مستوى تلقي رامبو عربياً. عبر إسقاطات لا تاريخانية جعل منه أدونيس شاعراً صوفياً على شاكلة الحلاج وابن عربي [في الصوفية والسوريالية، 2006]. هذا مقاربةً. أما ترجمة، فقد نقل كاظم جهاد، بداية من العنوان [إشراقات]، شعر رامبو إلى العربية مستنداً إلى «بهارات» المعجم الصوفي. بعد المصادرة الكاثوليكية، تأتي المصادرة الإسلامية إذن. فكثيراً ما تجلى رامبو للمتلقي العربي مسربلاً بجبة الحلاج! وأول التحريفات التي تجاري هذه القراءة، ولا تستند لقرائن دامغة، أن تترجم Illuminations بـ «الإشراقات». ففي تقديم بول فيرلين للديوان سنة 1886، يشير إلى «كون العنوان الفرعي الذي أعطاه رامبو لمخطوطه هو Coloured plates «صحون ملونة» [بالإنكليزية]» لكن فيرلين، سنة 1878، كان قد حدث شارل دو سيفري عن «منمنمات» (صحون منمنمة) [Illuminations -Painted plates].
مهما يكن، فالعنوان ذو أصول إنكليزية، زد على ذلك أن الديوان مترع بكلمات إنكليزية، بل حتى الخلفية الفضائية المدينية المضببة والأجواء اللندنية ليست غريبة عن القصائد. يبقى رامبو إذن، رغم العمى اللاهوتي، شاعراً أنجز خطاباً وقف ضد كل الهويات التي تأسر الإنسان وطاقاته الخلاقة. وبهذا الحس ترجمنا، هنا، «منمنماته».

حكاية

كان ثمة أمير يغتاظ لكونه لم يعمل إلا من أجل كمال الكرامات المبتذلة. كان يتنبأ بثورات مذهلة للحب، وكان يرتاب من قدرة نسائه، أحسن من هذه المراعاة المزدانة بالسماء والبذخ. كان يريد أن يرى الحقيقة، ساعة الرغبة والإشباع الجوهريين. سواء كانت أو لم تكن هذه فورة ورع، فقد كان يريد. كان يمتلك على الأقل سلطة بشرية لا بأس بفاعليتها.
كل النساء اللواتي عرفنه ذبحن. يا له من نهب لحديقة الجمال! تحت حد السيف، بَارَكْنَهُ. ولم يسع قط في طلب أخريات. بدت النساء ثانية.
قتل كل من كانوا يتبعونه، بعد الصيد أو حفلات التشراب. كانوا جميعاً يتبعونه.
وجد في ذبح البهائم الباذخة ملهاة. أمر بإحراق القصور. كان ينقض على الناس ويقطعهم أشلاء. كان ما يزال للجموع، لسقوف الذهب، للدواب الجميلة وجود. ألنا أن ننتشي بالتدمير، أن نزداد فتوة بالقسوة! لم يصدر الشعب همسة. لم يتطوع أحد لإعانته في رؤاه. كان ذات عشية يركض على حصانه. فبدا له عبقر، ذو جمال لا يوصف، بل لا يباح به. وكان محياه وهيأته يوحيان ببشرى حب مضاعف ومتشعب! سعادة لا تنقال، بل لا تحتمل! تلاشى الأمير والعبقر، على الأرجح، في الصحة الجوهرية. كيف لهما أن لا يموتا بها؟ معا ماتا إذن. لكن هذا الأمير توفي، في قصره، في عمر عادي. كان الأمير هو العبقر. كان العبقر هو الأمير. الموسيقى العالمة تعوز رغباتنا.


رحيل

كفى مما رُئِيَ. لوقيت الرؤية في كل النغمات.
كفى مما أُوْتِيَ. صخب المدن، مساء، وتحت الشمس، ودوما.
كفى مما دُرِيَ. توقفات الحياة. – يا للصخب والرؤى!
رحيل في الحنو والجلبة الجديدين!





***

يا للمحيا الأغبر، لشارة الهلب، لذراعي الكريستال! للمدفع الذي يتوجب علي أن أرتمي عليه من خلال تشابك الأشجار والهواء العليل!





كائن جمال

أمام ثلج، ثمة كائن جمال ذو قامة سامقة. صفير موتى ودوائر موسيقى صماء تجعل هذا الجسد المعبود يصعد، يتسع ويرتجف كطيف؛ ثمة جراح أرجوانية وسوداء تتفجر في اللحم الباذخ. الألوان الخاصة بالحياة تميل نحو القتامة، ترقص، وتنفلت من حول الرؤيا، في الورشة. وتصاعد الرعشات وترعد..





ملوكية


ذات صباح جميل، بين ظهراني قوم بالغي الرقة، كان يتعالى صياح رجل وامرأة فاتنين في الساحة العمومية. «أي أصيحابي، أريدها ملكة!» «أريد أن أكون ملكة!» كانت تضحك وترتجف، كان يحدث خلانه في شأن إلهام، في شأن بلوى انتهت. كانا مأخوذين ببعضيهما مترنحين.
صارا، فعلاً، ملكين طوال صبيحة ارتفعت فيها البسط القرمزية فوق البيوتات، وطيلة الظهيـرة، حيث تقدما جهة جنائن سعف النخيل.



إلى عقل


نقرة من إصبعك على الطبل تطلق كل الأصوات وتستهل النغم الجديد.
خطوة منك، وها هي هبة الرجال الجديدين وصيحتهم أن تقدموا.
هامتك تدور: الحب الجديد!
هامتك تلتفت خلفاً - الحب الجديد!
«غير حصصنا، اخرم الدواهي، ابتداء بالزمن»، كذا يغني لك أولاء الأطفال. «اسم إلى أي مكان بمكنون أقدارنا ومتمنياتنا» نتوسلك.
أي قدوم كل يوم، الساعي نحو كل مكان.



الجسور


سماوات رمادية من البلور. رسم غريب لقناطر، ذه مستقيمة، تلك محدبة، أخرى هابطة أو منحرفة في هيأة زوايا على سابقاتها، وهذه الأشكال التي تتجدد في الدارات الأخرى المضاءة للقناة، ولكن المديدة والخفيفة بأسرها بحيث أن الضفاف المثقلة بالقباب تنحني وتتضاءل. بعض هاته الجسور ما زالت مثقلة بالخرب. أخرى تسند صواري، إشارات، حواجز هشة. روابط صغرى تتقاطع، وتنفتل، حبال تصاعد من الشطآن. نتميز سترة حمراء، وربما ألبسة أخرى وآلات موسيقية. أهي أنغام شعبية، وصلات من حفلات موسيقية لأسياد، بقايا أناشيد جماهيرية؟ الماء رمادي وأزرق، شاسع كمضيق بحري. شعاع أبيض، يساقط من أعالي السماء، يفني هذه الملهاة.


زهور

انطلاقاً من مدرج ذهبي وسط خويطات الحرير المبرومة، الضمادات الرمادية، أثواب القطيفة الخضراء وأقراص البلور التي تسود كالقصدير تحت الشمس، أرى القمعية تتفتح فوق بساط من مصوغات مخرمة من فضة، من عيون ووفرات.
قطع ذهب أصفر مبثوثة فوق العقيق، أعمدة الأكاجو تسند قبة زمرد، باقات من الساتان الأبيض وقضبان دقيقة من الياقوت الأحمر تحيط بوردة الماء.
كإله ذي عينين ضخمتين زرقاوين وبأشكال الثلج، يجذب البحر والسماء نحو بلاطات الرخام حشد الورود الفتية والقوية.


فجر

عانقت فجر الصيف.
ما من شيء كان يتحرك بعد على جبهة القصور. كان الماء ميتاً. لم تكن معسكرات الظلال لتغادر الطريق إلى الحرج. مشيت، موقظاً النسمات الحية والدافئة، وقد رنت الأحجار الكريمة واهتزت الأجنحة دونما ضجيج. كانت أول محاولة، في المسلك المفعم آنفاً بالتماعات ندية وشاحبة، زهرة قالت لي اسمها.
ضحكت للـ wasserfall [الشلال، بالألمانية في النص الأصل] الأشقر الذي تشعث عبر أشجار التنوب: عند القمة الـمفضضة ميزت الربة.
آنذاك رفعت الأردية واحداً واحداً. في الـمخرفة، وأنا ألوح بذراعي. عبر السهل، حيث وشيت بها للديك. في الـمدينة الفسيحة كانت تتهرب بين الأبراج والقباب، ومهرولاً كشحاذ على أرصفة من رخام كنت أطاردها.
في الطريق، من عل، قرب حرج من غار، أحطتها بأرديتها الـمكومة، وأحسست قليلاً بجسدها الرحب. سقط الطفل والفجر جنب الحرج قصياً. عند الاستيقاظ، كانت الظهيرة قد حلت.


لوحة بحرية

مركبات الفضة والنحاس
جآجئ الصلب والفضة
تجوب الزبد،
تهز أجدال العوسج
مجاري البراح،
وأخاديد الجزر العميقة،
تتخذ مسارها دائرياً نحو الشرق،
نحو دعامات الغابة،
نحو ركائز الرصيف،
ذي الركن الذي ارتطمت به
دوامات من ألق.


بربري

طويلاً بعد الأيام والفصول، والكائنات والبلدان،
السرادق من لحم نازف فوق حرير البحار وأزهار المتجمد الشمالي، [لا وجود لها.]
متعافياً من الأبواق العتيقة للبطولة – تلك التي ما زالت تهاجم أفئدتنا ورؤوسنا – بعيداً عن السفاحين القدامى
- يا للسرادق من لحم نازف فوق حرير البحار وأزهار المتجمد الشمالي، [لا وجود لها.]
لَطَافَاتٌ!
مجمرات تمطر بهبات الصقيع، - لطافات! – النيران في مطر ريح الماسات المقذوفة من القلب الأرضي المتكلس أبدياً من أجلنا. – يا للعالم! –
[بعيداً عن المنتبذات العتيقة واللهب العتيقة، تلك التي نصغي لها، التي نحس بها،] يا لِلَّطافاتِ، يا للعالم، يا للموسيقى! وثمة، الأشكال، العرق، الوفرات والعيون، طافية. والدموع البيض، الفوارة، - يا للطافات – والصوت الأنثوي الآتي من أعماق البراكين وكهوف المتجمد الشمالي.
السرادق...


هاء


كل البشاعات تغتصب حركات «هرتنسيا» الفظيعة. تَوحّدها هو الآلية الأيروتيكية؛ مللها، الدينامكية العاشقة. تحت مراقبة طفولة كانت، في فترات عديدة، حفظ صحة أجاجا للأعراق. بابها مفتوح للبؤس. هناك، تفقد أخلاقية الكائنات الحالية جسدها في صبابتها أو في حركتها. يا للرعشة الرهيبة للتعشقات الغريرة، على البلاط الدامي وعبر الهيدروجين الغازي المضيء! جدوا «هرتنسيا».

ديمقراطية


«البيرق ماش نحو المنظر القبيح، أما لهجتنا المحلية، فتخنق الطبل.
في المراكز سنغذي التعهر المغرق في استخفافه بالمشاعر. سنبيد التمردات المنطقية.
في البلدان المفلفلة والمائية اللون! في خدمة أبشع استغلالات صناعية وعسكرية.
إلى اللقاء هنا، في أي مكان. نحن مجندي النية الحسنة، سنعتنق فلسفة مفترسة؛ جاهلين بالعلم، دهاة من أجل الرفاهية؛ الهلاك للعالم الذي يمضي. إنها المسيرة الحقيقية. إلى الأمام، على الطريق!»


* اللوحات جميعها للأوكرانية الفرنسية سونيا دولوني (1885 ـــ 1979)