ماذا في جبّة مهدي منصور؟ سؤال لطالما ألقيته على نفسي وأنا أشحذ رؤاي لمواجهة كمّ ضخم من التّجارب المحتشدة والصّور المرتقبة والعناوين الآسرة والمضامين العميقة. وفي كلّ مرّة كنت أعود بإعجاب أكبر وصدى أعظم ونشوة أبلغ. لكن للمرّة الأولى، أخشى على شاعري المفضّل من مغبّة السقوط، وأعني تحديداً السقوط في هوّة الوعود البعيدة كي لا أقول الوعود المستحيلة.

لذا، بعيداً عن كلّ صور النّقد الأدبي، سأعرج مباشرة نحو مخاوفي انطلاقاً من الإشكاليّة الآتية: هل شكّل ديوان «فهرس الانتظار» (شركة المطبوعات للتوزيع والنشر) لمهدي منصور محطّة انتقام الشاعر من نفسه تجاوزاً وارتقاباً؟ أم أنّه رسف عند حدود أماني وتطلّعات الشّاعر المرتقبة؟
وللإجابة عن هذه الإشكاليّة، لا بدّ من التّأكيد على حقيقتين اثنتين:
الحقيقة الأولى تكمن في الردّة العاطفيّة إن جاز التّعبير. فالمتصفّح لديواني الشّاعر السابقين «الأرض حذاء مستعمل» و«أخاف الله والحبّ والوطن»، يجد من فوره أنّ معضلة الرومنسيّة الطازجة المتمثّلة بلغة الحنين والاشتياق قد خفت صوتها، فصقلت وعمّقت ورُمّزت إلى حدّ بعيد، احسان البعد الوجودي من جهة والوجداني من جهة أخرى.

بيد أنّ الشّاعر في ديوانه الأخير قد استعاد بهاء تلك اللحظة وطازجيتها وحضورها امتلاء وإخصاباً وتمكيناً وتكريساً (كأيّ غريبين/ كم قاتل مقتول/ تعالي أعلمك أن تحزني/ الحب تأويل/ أنا لا أغار... ) وهذا، لعمرنا، توجّه واعٍ ومدروس من قِبل الشاعر رام من خلاله التّأكيد على فعاليته الشعرية من خلال اقتناص لحظات الكتابة الأولى. وكلّنا يعلم أنّ فترة الزخم الشعري تتزامن دوماً مع فترة الزخم العاطفي حيث تتضمّخ المعاني بالمعاناة الصادقة وترتدي اللغة حلّتها الأولى بعيداً عن كلّ صور التعقيد والترميز وفضّ حجب ما استتر وهتك أسرار ما انغمر.
الحقيقة الثّانية: يُمكن أن أطلق عليها اسم الردة اللغوية وهي تتمثّل في استحضار الشّاعر بنية الشعر الكلاسيكي كقالب يفرغ فيه تجربته، وهو وإن كان معتاداً على هذا النّوع من الاستحضار، لكنّه لم يكن ليضمّنه كلّ هذا الكم من القصائد العاطفيّة. ويكفي أن ننعم النظر إلى قصيدة «وددت تقبيل السيوف» التي حاكى فيها الشاعر معلقّة عنترة (ليس الرحيل ولا الأسى بمحرمِ/ فاعذر ولا تعتب سلمت وسلّمِ...)، أو إلى قصيدة «موشّح» (يا جميل الجرح زدني/ لوعة زدني اغترابا) حيث استعاد لغة الغنائيّة العذبة بانكسارها ولينها وعفويتها وصدقها. يكفي أن ننعم النّظر إليهما لنعرف حجم الردة اللغويّة التي قام بها الشاعر في ضرب من الحنين اللغوي إلى لغة أولى شكّلت ذائقته الشعرية ورفدت تجربته
البكر.
وعليه، تأتي هاتان الحقيقتان لتكرّسا بما لا يقبل الشك – على الأقل في خلدنا- أنّ ردّتي الشاعر لم تكونا من باب الاعتباط النّفسي أو العبث اللغوي بقدر ما كانتا ردّتين على لغة الشاعر من جهة وعلى نمطيّة وعيه وسلوكه الإدراكي من جهة ثانية. وبتعبير أوضح، لقد تلمّس الشّاعر ضرورة البحث عن لغة أخرى تُشكّل منعطفاً في مسيرته الشّعريّة، إذ قلّة قليلة من تيسّرت لهم فرصة افتراغ لغتين شعريتين في حياة واحدة. وعليه، فقد أدرك مهدي أنّ افتراع لغة شعرية ثانية يتطلّب ــ وبلغة نيتشه- التّنصّل من الحمولات الزائدة وفتح مجال العيش أمام حيوات عديدة. ومهدي، كما نعلم، حاصل على شهادة الدكتوراه في الفيزياء، فضلاً عن كونه محاضراً في مجالي العلوم والتّربية.


تشييد أبنية شعريّة متفرّدة تحمل طابعاً مغايراً
وعليه، فإنّ الرّصانة العقليّة التي اختطها لنفسه، والمكانة العلميّة التي نالها، قد حجبتا صورة الشاعر الثائر والمتفلّت من كلّ القيود الممكنة وإن كانت قيوداً عقلانيّة وعلميّة. ولاستعادة هذه الصورة، كان لا بدّ لشاعرنا من استئناف حياته الشعرية بدءاً والشروع بتشييد أبنية شعريّة متفرّدة تحمل طابعاً مغايراً وموازياً لتميّزه وإبداعه الحاليّين. وبوجيز العبارة، قد يكون مهدي منصور الشاعر الأوّل الذي يستحمّ في نهر الشعر مرّتين.
ولهذه الغاية، عنون الشّاعر مجموعته «فهرس الانتظار» وهو فهرس تدلّت منه عناوين فرعيّة تتصدّر كلّ باب حال الأمل والحبّ والغربة... وبديهيّ القول، إنّ الانتظار الذي يرومه الشّاعر هنا لا يعدو كونه انتظاراً للرّهان الّذي اختطّه لنفسه والأماني التي يتطلّع إليها في قادم تجاربه الشعرية.
عودًا على بدء، كم أتمنى أن يكذّب مهدي مخاوفي ويطرح هواجسي وينجح فعلاً في رصد الوفاءات اللازمة للوعود الملقاة على عاتق قصائده، وإن كانت الأمانة تقتضي أن أنوّه بأمرين بالغي الأهمية: الأوّل، أنّ الشّاعر لم يبرم وعداً قطعيّاً أمام أحد، والثّاني أنّ المستوى الفنيّ لهذا الديوان بقي رفيعاً ومتماسكاً وإن شكّل قطيعة مبدئيّة مع تراث مهدي الشّعري. وفي مطلق الأحوال، بات «فهرس الانتظار» عبئاً ينبغي للشاعر التّخلّص منه في أقرب ديوان ممكن.