«معراج الرِّجال العشرة» (دار الريس) هي قسم ثانٍ من ثلاثيَّة روائية، تعيد كتابة الأسطورة الشعبية المحلِّية، «أسطورة الرجال العشرة» في منطقة الهرمل من البقاع اللبناني. في هذا القسم، كما في القسم الأوَّل، ورد زوجة مالك الجردي دليل الرحلة هي الرَّاوية، وهي الجدَّة المفترضة لزوجة المؤلِّف، بوصفها جوهراً أنثوياً، والجوهر الأنثوي يتجلَّى في كلِّ حين، مرَّة في شهرزاد، ومرَّةً في ورد، وفي المرَّات جميعها في امرأة تملك مفتاح السِّرِّ. لا تتفرَّد ورد بالرواية، وإنما نجد في الرواية الرَّاوي العليم الذي يملك المعرفة كلها، وينشئ مسار القصِّ وينمِّيه إلى اكتمال التشكُّل، ويعطي لورد موقعاً، حينما يرى أن مسار القصَّ يحتاج إلى راوٍ لينمِّيه من موقعه.
نلحظ، هنا، تداخل نوعين قصصَّيين هما الأسطورة والرواية، والراوي يعيد تشكيل عناصر الأسطورة، ونسجها وعناصر الرواية ليشكِّل عملاً قصصياً، تنتظم في بنيته، إضافة إلى ما سبق، عناصر فكرية عرفانيَّة ونصوص شعرية، ما يفضي إلى تشكل بنية قصصَّية تجريبيَّة، يمكن أن نصنِّفها في النوع الأدبي: الرواية، وذلك لأن الشكل الروائي هو شكل غير نهائي، التجريب فيه قائم ما بقي المجتمع الإنساني قائماً، وهو يتجدَّد ما دامت التجربة الإنسانية تتجدَّد.

يبدو لي أن هذا النَّوع الرِّوائي ينتمي إلى نوع قصصي عرفه القصص العربي القديم، وهو قصص الإسراء والمعراج الذي تطوَّر إلى ما عرف باسم قصص الرحلة الأدبية العجائبي.
فنحن، إذاً، إزاء عملٍ قصصي ينتمي إلى التراث العربي الإسلامي القصصي، ويندرج في سياق مسار تطوُّره.
ينطلق هذا النوع من القصص من حادثة الإسراء والمعراج، وهي حادثة تاريخية، وقعت فعلاً، ورد ذكرها في القرآن الكريم (الإسراء، الآية الأولى، والنجم، الآيات 7 – 18)، وفي الحديث النبويِّ الشريف، ثم أخذ نصُّها يتفاعل وينمو ويتطور على مرِّ العصور، فأصبح، كما قال الذَّهبي: «أشبه بأحاديث القصَّاص والمذكِّرين». ومن هذه الأحاديث الرواية الشعبيَّة المنسوبة لابن عبَّاس، وأحاديث المعراج التي أوردها ابن اسحق في السيرة النبويَّة.
وقد وجد هذا النَّص حضوراً في نصوص سردية صوفيَّة، مثل معراج البسطامي (ت. 261 هـ)، ومعراج الحارث المحاسبي (ت 243 هـ)، ومعراج النِّفَّري (ت. 354 هـ)، ومعراج ابن عربي (560 – 638 هـ)...
تصدر قصص المعراج هذه، المولَّدة عن نصِّ الإسراء والمعراج، عن رؤية إلى العالم عجائبيَّة تخرق العادات والقوانين، وقد بلغ معراج ابن عربي مبلغاً عظيماً من روعة الخيال والشعر على يد الصوفي الكبير، في كتابه «الفتوحات المكيَّة».
إن اتخذنا الرواية المنسوبة لابن عبَّاس أنموذجاً للرؤية العجائبية، لقرأنا منها ما يأتي: «ملك... نصفه من ثلج ونصفه من نار... له ألف رأس، وفي كلِّ رأس ألف وجه، وفي كل وجه ألف فم، وفي كل فم ألف لسان، يسبِّح الله بألف لغة لا يشبه بعضها بعضاً...» (ابن عبَّاس، قصَّة الإسراء والمعراج، القاهرة: مكتبة القاهرة، ص 16).
هذا النَّوع من القصص العجائبي يروي قصة رحلةٍ إلى عالم آخر، هو عالم السماوات، ويصف ما يشاهده هناك، وفيه نلمس خرق قوانين الواقع والطبيعة، وتجاوز المكان والزَّمان، وسعي البطل إلى تحقيق هدفه في فضاء عجائبي.
قلنا إنَّ رواية «معراج الرِّجال العشرة» تنتمي إلى هذا النَّوع من القصِّ، أو هي شكل قصصي من الأشكال التي عرفها في مسار تطوُّره، فما الذي استندنا إليه إضافة إلى عنوان الرواية: «معراج الرِّجال العشرة»؟
الرواية قسمان: الأول هو حوارية خارطة الرَّمل، والثاني هو المعراج. في القسم الأول، نتعرَّف إلى دليل الرِّحلة ومرشدها، مالك الجردي، وإلى أميرها، وإلى الرِّجال الثمانية الآخرين، ونتتبَّع مشاهد الاستعداد للسَّفر، ونصغي إلى الحوار الذي يدور بين الدليل والأمير عن الحاجة للتشاور، وإلى خطب الرجال الثمانية... الذين يتقدَّمون إلى المرآة، كل منهم في شكل يشير إلى حضارة، وإذ يؤدي خطاباً، يبدو الجميع كأنَّهم في مسرح، ما يشير إلى شكلٍ مسرحي، يتكرر لدى حوار مالك والأنبياء في أثناء الحوار.


«معراج الرِّجال العشرة» تعيد كتابة الأسطورة الشعبية الشهيرة في الهرمل


ثم يُقطع القصَّ، ويتمُّ الانتقال إلى القسم الثاني، ويبدأ السَّير، ما يعني اتخاذ القرار بالسفر، وهذا يُترك للقارئ كي يتبيَّنه، يسير الرجال كما تمضي الريح، يصعدون الطرق بسرعة الطير كأنما لهم أجنحة... ويقترح مالك أن ينفصلوا مجموعتين، ينتهي التشاور إلى اتخاذ قرار بذلك، ويطمئن مالك إلى قدرات الرجال، إذ كان قد تعرف إليهم من طريق سماعه خطبهم في القسم الأول، ويرحلون في مجموعتين، فيحلم رجلٌ ثم يحلم مالك الجردي، وفي حلمه يتحقق معراجه إلى السماوات السبع «فيتجاوزها واحدة واحدة، وفي كل منها نتعرَّف إلى نبي وأخباره، وإذ يفيق مالك، يقول الراوي: إن مالكاً تحقق له ما أراد، ويسوِّغ ما حدث في أثناء معراجه بقوله: ولا يخفى أنه اطَّلع على روايات المعراج، وأنها وقعت في نفسه، ومال إليها قلبه، وشغلت عقله، وهذبت روحه، ودرَّبت جوارحه، وأطلقت خياله، حتى يرى أبعد مما تراه الحواس الظاهرة (ص. 151). أخفى مالك ما رآه في حلمه، لكنه قرَّر أنْ يشرح لأصحابه المعاني والأبعاد الروحية للأسفار.
وتروي ورد: إن الرجال العشرة أكملوا الرحلة، وأدركوا القمة، ويقرِّر الرَّاوي، في نهاية الرواية: ستمضي ورد الراوية، في سرد حوار الحضارات وخلاصها، في الحب الإلهي في حكايات الرجال العشرة» (153).
يبدو واضحاً أنَّ قصة المعراج، في هذه الرِّواية، تندرج، بوصفها قصَّة اتَّخذت شكل الحلم، في سياق الرِّحلة إلى القمةَّ، ما يعني أنها قصَّة تندرج في سياق قصَّة، تتشكل من تفاعل أسطورة ورواية. تتخذ قصَّة المعراج شكل الحلم، وهذا يعود إلى إكساب الحدث صدقيَّة في هذا الزَّمن الذي لا يرتضي فيه العقل الغيبَّيات. ما يعزِّز هذا الرَّأي هو تسويغ الراوي لمعرفة مالك بفضاء الرحلة التي تمت في الحلم ومنازلها وشخصياتها بأنَّه اطلع على روايات المعراج، وهذا الاطلاع يسوِّغ أمراً آخر، وهو عجائبيَّة ما حدث في الحلم: إذ إنه قال إن الاطلاع جعله يرى أبعد مما تراه الحواس، وهنا في هذه الرؤية العجائبيَّة تلتقي هذه الرواية وقصص المعراج، وتختلف عنها في ما يمكن أن نسمِّيه الحوار المعرفي الفكري الذي يجريه مالك وشخصيات المعراج من أنبياء وملائكة، فهو يجري من منظور فكري معرفي حديث، يبرز فيه الجدل العقلي، وتستخدم معارف حديثة، وتاريخية، ما يدل على أن مالكاً شخصيَّة مثقفة.
في القصَّة الإطار، وهذا ــ أي اعتماد بنية القصَّة الإطار التي تتضمَّن قصَّة أخرى - تأثُّر بالنية القصصية المشرقية العربية، إذ تضمَّنت قصة الرحلة إلى القمة قصة المعراج، وقصة الرحلة، كما يبدو، تروي في الوقت نفسه قصَّة رحلتين، أولاهما السَّفر في المكان إلى القمة، وثانيتهما السفر إلى الكمال، ودلالة القمة تشير إلى الكمال أيضاً. ما يعزِّز هذا الرَّأي التناص مع منظومة «منطق الطير» للشاعر الصوفي الكبير فريد الدين العطار، فكأنَّ الرجال العشرة حين يجتمعون للسفر إلى القمَّة، الكمال، في آن، هم طيور العطَّار الذين يجتمعون ويرحلون في طلب «السِّيمرغ»، فهل القمَّة/ الكمال في هذه الرواية تعادل «السِّيمرغ» في منظومة «منطق الطَّير»؟ نميل إلى الإجابة بالإيجاب، فمن وصف الرجال للرحلة: «السفر جذبة الشوق» «العاشق لا توقفه الأخطار»، «إلى بيت الحبيب»، إلى «سلطان العاشقين»، «رسم القلم الإلهي للقمة طريقاً»، «من أولى المراتب إلى كمالها»... المصطلحات والمفاهيم عرفانية كما هو واضح (تراجع خطبة الرجل الأول، ص. 23، على سبيل المثال) فالرحلة هي رحلة الروح، لكننا في الوقت نفسه نلحظ وجود رحلةٍ في الطُّرق والأمكنة، واستخداماً للبغال والحمير... واجتيازاً لأمكنة كأنها أمكنة الجنَّة، فهل هذا يعني أن الرحلة في الطرق والأمكنة هي في الوقت نفسه رحلة الروح إلى الحبيب، وكما تمر في الهضاب تمر في المراتب، وكلٌّ قادر على السير بقيادة إمام كيانه الخاص، يجتاز الهضاب/ الحجب، ويصل إلى القمة/الكمال؟ قبل أن نجيب عن هذا السؤال، نقرأ في الرواية ما يفيد أن الأسفار تكون بدورها أسفاراً عقلية، ما يجعل الرَّاوي يسأل: كيف يمكننا أن نطابق بين السَّفر العقلي والسَّفر الآخر/الانتقال في المكان؟
هنا تتمثل ميزة من مزايا هذه الرواية، وهي قصُّ رحلة عجيبة، يتم فيها التطابق بين رحلة القلب/الروح، والعقل/الفكر، والجسد/ في المكان، ترسم مسار الرحلة خارطة الرَّمل، والسؤال الذي يُطرح هنا هو: لم كانت هذه الخارطة من الرَّمل، والرَّسم بالرمل زائل، ما يذكر بثنائيَّة الحوْر العتيق ورمل الطريق؟ لعل الإجابة تتمثل في أن هذه الخارطة هي التي تلائم الرحَّالة، ففي السَّفر، الأمكنة زائلة كما الرَّمل، غير أن هذه الخارطة تتحول إلى مرآة مصقولة عندما يتقدم الرجال منها، وينظرون إليها، فهي خارطة عجائبية، تتحوَّل إلى مرآة مصقولة، تُري الرجال في صور آنية تاريخية في آن، ترسم لكلِّ منهم صورة ترمز إلى هويته في الحاضر، وتدل على مسار أجداده السابقين، فالرجل الأول فتىً في جسد نمر، روح العصفور الموجودة في جسد نمر، والثاني سبع مسترخٍ بعد صيد وافر، والثالث يظهر كفرسان الكأس المقدَّسة، وللرابع وجه كوجه الهرِّ، قدم على بساط الريح، والخامس مهندس، يتأمل الأشياء، والسادس درويش يحلِّق في طيرانه بأجنحة جبريل حتى الجنون، والسابع فهد، والثامن بحار من أحفاد كولومبس، من الأندلس، من حلب جاء أجداده، ولكلِّ أجداده...
يسير الرجال كما تمضي الريح، كأنما لهم أجنحة... يقودهم مالك المتمكِّن المتبصِّر، هؤلاء الرِّجال المسافرون مختلفون، ويمثلون في الوقت نفسه الجماعة التي لا تجتمع على ضلال، ويصلون...، بقيادة مالك الذي يحتفظ بعصاه كما احتفظ موسى بعصاه، وكما يفعل الرعاة والقادة وأصحاب التأمُّل في رياضة صعود الجبال. إنها رحلة عجائبيَّة، لكنَّ السؤال الذي يطرح هنا: لم تفرَّد مالك بالمعراج طالما أن المسار مسار جماعة؟
يبدو أن نسيج القصَّ، كما بِنْيتَه، مركب، فإن تتبعنا مسار الفصل الأول، على سبيل المثال، للاحظنا أن حركة تشكله تتابع كما يأتي: وصف، بلغة شعرية: «ألهبت الشمس جلد التلال» (ص. 11)، سرد وصفي، سرد خبري، استرجاع حر غير مباشر؛ إذ بدأ القص في النهار، فعاد إلى ما حدث في الليل مباشرة، ومن دون تقديم، خطاب الرَّاوي، أو حديث ذاتي غير مباشر يؤديه الراوي، خطاب عن السفر المكاني، وهو حرٌّ مباشر، سرد وصفي، وصف سردي يرسم شخصية مالك، رمز: هدهد سليمان، مالك الأسفار، حديث ذاتي، سرد، وصف الحديث الذاتي بأنه «سيلان عرفانة». عودة إلى النهار، استئناف السرد والاستعداد للسَّفر حوار ثنائي، سرد، وصف مباشر يرسم شخصية مالك، حديث ذاتي، تذكُّر حوار ثنائي، خطاب أمير القافلة...، وهكذا يتتابع تشكُّل النسيج، فيبدو كأنه جديلة قصصية تؤدَّى، في كثير من الحالات بلغة شعرية.
يمكنني القول إنَّ هذه الرِّواية رواية تجريبَّية، تنتمي إلى نوع من القصص العربي الإسلامي، وتمضي في مسار تطوُّره لتقدِّم رواية ذات بنية مركَّبة تنطق بدلالة مفادها أن الخلاص الإنساني يتمثَّل في الحب الإلهي، والسفر/الخروج الجسدي والروحي والعقلي إليه، بوصفه القمَّة/ الكمال.