خلال الأيام القليلة الماضية وما تخللها من نقاشات وسجالات في موضوع النفايات، وصولاً إلى جلسة مجلس الوزراء أول من أمس، تكوّن اقتناع لدى بعض الأطراف المعنية بأن أزمة النفايات متواصلة، بحدّها الأدنى، إلى ما بعد انعقاد مجلس الوزراء يوم الثلاثاء المقبل. حتى ذلك الحين، يكون قد تراكم في شوارع بيروت وضواحيها أكثر من 42 ألف طن من النفايات (علماً بأن هناك كميات من النفايات جرى حرقها في الشارع).


أما النقاش السياسي فهو يدور في فلك البحث عن مطمر جديد بدلاً من مطمر الناعمة في ظل موجة واسعة من الاعتراض على إنشاء مطمر لنفايات بيروت وضواحيها في المناطق، سواء شمالاً أو جنوباً أو بقاعاً أو ساحلاً... يثير هذا المشهد سؤالاً وحيداً: ما هي الخيارات المتاحة لإنهاء هذه الأزمة؟
في الواقع، يقول الوزير السابق شربل نحاس إن خيارات «اليوم» ليست متوافرة على عكس خيارات «الغد» الواسعة والمتنوعة. «الخيار الآني لن يكون شعبياً بعدما بلغنا هذه المرحلة من الابتزاز المفتوح بالنفايات. لم يترك لنا أي خيار بديل، وعندما حاولنا البحث عن خيارات بديلة اصطفّت القوى السياسية في شراكة تترجمها (تعاونية) سوكلين لمنعنا من دراسة الخيارات واستباق أزمات من هذا النوع». أما ما يمكن القيام به حالياً، في ظل عدم وجود مطمر للنفايات «فهو فتح مطمر الناعمة ومصادرة سوكلين ثم الانكباب على الخيارات المستقبلية».
هذا الحلّ ليس ما يحبّذه نحاس، إنما هو «الخيار الحالي الوحيد المتروك أمامنا بعدما عملت القوى السياسية، التي تنتظم شراكتها في تعاونية سوكلين، على ابتزاز اللبنانيين بنفاياتهم. الواقع الحالي هو أن النفايات في الطرقات وليس هناك أي وسيلة للتخلّص منها، سواء بطريقة بيئية أو غير بيئية، فيما الجميع منهمك في استجداء مطمر هنا ومطمر هناك».
كلام نحاس ليس سوى نتيجة لعملية الغاء الخيارات التي مورست في السابق، والتي برزت بوضوح في جلسة مجلس الوزراء في نيسان 2010. يومها، كان على جدول الأعمال ملف النفايات، على أثر انتهاء العقد مع مجموعة AVERDA (سوكلين وشقيقاتها)، والمفاوضات التي جرت لتمديده. اللافت في تلك الجلسة أن رئيس الحكومة (السابق) سعد الحريري رفض إطلاع الوزراء على تفاصيل العقد الموقع بين مجلس الإنماء والإعمار وبين AVERDA منذ أكثر من 15 عاماً، ورفض أيضاً مناقشة كلفة هذه العقود ومدى تناسبها مع الأكلاف الحقيقية ومقارنتها مع عقود مماثلة لشركات أخرى في لبنان وفي الخارج، وذلك قبل أن يقترح تمديد العقد مع سوكلين لمدّة أربع سنوات مقابل خفض الأسعار بنسبة 4% (الخفض لم يحصل). وإزاء الإصرار على النقاش في عقود AVERDA، أطلق الحريري جملته الشهيرة: «خلّ الزبالة تطمركم». هذه العبارة، في رأي نحاس، تعكس عملية الابتزاز بالنفايات المستمرة إلى اليوم والتي تحدّ من الخيارات المطروحة لمعالجة الأزمة الحالية. فما قُصد بهذه العبارة هو أن الخيارات المطروحة هي إما العقد مع «سوكلين» وإما أن الزبالة ستطمر اللبنانيين. لا خيار ثالث بينهما.


شربل نحاس: القصة ستنتهي بالاستيلاء على الأملاك العامة المردومة

و«سوكلين» ليست عبارة عن شركة خاصة تلتزم جمع النفايات وطمرها، بل هي «تعاونية الشراكة السياسية»، على حدّ توصيف نحاس. وهذه الشركة ببعدها السياسي ليست مختلفة أبداً عن الشركات الفائزة بتلزيمات المناطق، أي أن الخيارات وعملية الابتزاز لا تختلف، سواء كانت شركة واحدة ملتزمة أو شركات عدّة ملتزمة في المناطق.
«اليوم كذلك، نقف أمام خيار طمرنا بالنفايات، أو القبول بخيارات ستؤدي إلى ما أدّت إليه التلزيمات السابقة؛ وأبرزها ردم البحر والاستيلاء على الأملاك العامة مجدداً. هذا ما حصل بالنسبة إلى مكب النورماندي حيث ردمت 800 ألف متر مربع بحجّة التخلص من مكب مساحته 150 ألف متر مربع، وما يحصل حالياً بالنسبة إلى مكب صيدا حيث يردم 500 ألف متر مربع، ومثلها في الكوستا برافا... أو يترك ليبقى جبل نفايات كما هو حالياً في برج حمود... إلا أنه في النهاية يجري السطو على الملك العام المردوم بالطرق التي باتت معروفة».
الخيارات الحريرية أدّت خلال العقدين الأخيرين إلى تفريغ البلديات من الكادر البشري ومن الآليات المناسبة للقيام بوظيفة جمع النفايات. ورغم أنه في سياق هذه الأزمة جدّد بعض رؤساء البلديات، مثل رئيس بلدية بيروت بلال حمد ورئيس بلدية الغبيري محمد سعيد الخنسا، الحديث عن استعادة حقوق بلدياتهم من الصندوق البلدي المستقلّ والعودة إلى ممارسة وظيفة جمع النفايات وتولي المسألة بأنفسهم، إلا أن هذا الأمر «يتطلب وقتاً للتوظيف ولشراء الآليات، فضلاً عن مشكلة البحث عن مطمر». حتى الحلّ عبر البلديات يبدو الآن خارج الخيارات.



للصورة المكبرة انقر هنا