هذا موعد سنوي ثابت في الصالات اللبنانيّة. «مهرجان السينما الأوروبيّة» يجدّد دماءه للدورة 24، ابتداءً من مساء اليوم حتى 4 شباط (فبراير) في «متروبوليس أمبير صوفيل».

الحدث ينضوي على برمجة منوّعة بين الطويل والقصير، وعروض التكريمات المحلية والدولية، إضافةً إلى الحراك الهام المتعلّق بأفلام الطلبة في معاهد الفنون السمعية والبصرية اللبنانية.

كذلك، يواصل المهرجان توسيع مروحته خارج العاصمة، «في جهد مستمر لدعم الثقافة الأوروبية، وإيصالها إلى أكبر فئة من الجمهور في لبنان». انتقاءات من البرنامج تجول 8 مدن، هي: صيدا (1 – 10 شباط)، والنبطية (3 – 9 شباط)، وجونيه (5 – 8 شباط)، وصور (8 شباط)، ودير القمر (13 – 16 شباط)، وبعلبك (20 شباط)، وزحلة (21 – 22 شباط)، وطرابلس (22 – 24 شباط) بالتعاون مع المعهد الفرنسي في لبنان.
هكذا، نترقّب أفلاماً من 20 دولة أوروبيّة (سويسرا، وصربيا ضيفتا شرف بشريط لكلّ منهما). 29 روائياً من إنتاجات العامين الفائتين. عناوين متفاوتة بطبيعة الحال، تتحرّى في معظمها خيارات الفرد حيال مفاصل حادّة وجذريّة وحتى وجوديّة. الذاتي ينهل من العام، وينعكس عليه معاً. بعض العناوين ذائع الصيت مع سمعة طيّبة في التجوال الدولي. لعلّ «الحديقة» لروبن أوستلوند المتوّج بسعفة «كان» الأخير أرفعها تتويجاً. لدينا أعمال متوسطة، وأخرى تطلب التعارف باعتبارها «أول أو ثاني إنتاج لمخرجين واعدين». الافتتاح بدراما عائلية من بلغاريا بعنوان Monkey لديميتار كوتزيف (2016). في المرحلة ما بين الطفولة والبلوغ، يتحتّم على الأختين «إيفا» و«ماريا» طرح أسئلة شائكة، واتخاذ قرارات صعبة بين الحياة والموت. تيمة النضج تبدو مناسبةً لشريط افتتاح، يجمع بين القرب من الناس (جائزة الجمهور في «مهرجان صوفيا» 2016)، وبين قيمة فنيّة جديرة بالطرح. مزيج بات يحكم توجّه كثير من المهرجانات الحريصة على مد جسور التواصل مع أمزجة متعدّدة. تحيّة الوداع باللبناني «غداء العيد» (2017) للوسيان بورجيلي في عرضه المحليّ الأوّل. الشريط مرتقب منذ فوزه بجائزة لجنة التحكيم في «مهرجان دبي» أخيراً. إنّه باكورة صانعه المتمرّس مسرحياً، والضليع في اكتشاف الممثّلين الجدد، ما سيوصله إلى إيقاف فريق كامل منهم أمام العدسة. عائلة «جوزفين» تجتمع حول مائدة عيد الفصح، بعد عامين على الانقطاع. فرضيّة بسيطة، مفتوحة على الاحتمالات والمعالجات. معقودة على مقاربات سوسيولوجيّة، ومفارقات دراميّة، وخلفيّة سياسيّة حاضرة داخل جدران أيّ بيت لبناني. كالعادة، كلّ شيء جاهز للانفجار. مقطع من الحياة «نلوكه» مع الجالسين إلى المائدة. بنية «مسرح داخل السينما» تحافظ على وحدة الزمان والمكان والحدث. «تحرّش» بورجيلي بـ «لبنانيته»، وتمرير عائلة مكوّنة من أجيال عدّة ضمن الإيكو، يجعل العرض موعداً لا يفوّت.
من السويد، يحط The Square لروبن أوستلوند. سرقة موبايل ومحفظة مدير متحف «إكس رويال» للفنّ المعاصر، تصير مدخلاً لمانفيستو صارخ في سخريته من حياة مجتمعات ما بعد الحداثة. تهكّم لاذع من لايف ستايل، يفترض أنّه تجاوز مشاكل البشر الأساسية، نحو مزيد من الإنسانية والتحضّر. بيد أنّ أوستلوند يظهر خبثاً أكبر ممّا فعل في «قوّة قاهرة» (2014)، عندما انطلق من حادثة انهيار ثلجي إلى مستويات أخّاذة من قاع النفس البشريّة. ها هو يوظّف قشور الحداثة لإطلاق النار على تركيبتها. يتكئ على سيناريو أصيل وجنوني معاً. يمشي على خيط رفيع بين الحفاظ على شكل ما من بنية السرد الواضحة، والميل إلى متواليات مشهديّة لا تكترث دائماً لذلك. يلامس روي أندرسون بعض الشيء، قبل أن يبتعد إلى عالمه الخاص. الحصيلة مزيج من العبث والاستاتيك البارد والغرابة والسريالية، لنصب محاكمة حادّة لإنسانيّة المثقف وزيفه وأنانيّته (مشهد نبش أكياس القمامة تحت المطر مدهش بحق)، لـ «اليقين» الإنساني عندما يتحوّل من جائزة مستحقة إلى سلاح إبادة، لطرح أسئلة العقد الاجتماعي وتوزيع الثروة.


أفلام تتحرى خيارات
الفرد حيال مفاصل جذريّة
وحتى وجوديّة

من التحف المنتظرة أيضاً، يبرز الهنغاري «عن الجسد والروح» لإلديكو أنييدي، التي تعود إلى الروائي الطويل بعد 18 عاماً على «سيمون، الساحر»، وأكثر من ربع قرن على «قرني العشرون» (1989 – الكاميرا الذهب من الكروازيت). سريعاً، خطف الشريط الرقيق الأنفاس في البرليناله الفائت، فاتكاً أربع جوائز، منها الدب الذهب لأفضل فيلم والـ «فيبرسكي»، قبل أن يتوّج في منصّات أخرى. «ماريا» و«أندره» يعملان في مسلخ للأبقار. هما انطوائيان، وحيدان، كلّ منهما في عالمه الخاص. هي باردة إلى درجة لا تصدّق. مثقل بالماضي والانكسارات هو. يتغيّر كلّ شيء عندما يكتشفان اشتراكهما في الأحلام نفسها، على هيئة غزالين واقعين في الحب. نصبح حيال مقطوعة شعريّة خلّابة، مشغولة بشغاف القلب، وصافي الدمع، وجوهر الرهافة. تفتّش عن الأنقى وسط محيط قائم على السلخ وقطع الرؤوس وبتر الأطراف. هذا احتفاء بهيّ بالحسيّة، والقدرة على تقدير الذات والأشياء، والاستمتاع بالتفاصيل. إنّها السينما عندما تذكّرنا باستحقاق الحياة، وغواية الحب والشبق، وقدرة الإنسان على التوهّج والجمال.
كريستيان مونغيو يصل بـ «بكالوريا» (2016)، الذي انتزع عنه جائزة أفضل مخرج في «كان 2016» بالمناصفة مع أوليفييه أساياس عن «متسوّقة شخصيّة». هو أحد أبطال «الموجة الرومانية الجديدة». فوزه بالسعفة عن «أربعة أشهر، ثلاثة أسابيع ويومان» (2007)، وأفضل سيناريو عن «خلف التلال» (2012) من تواريخ «كان» المفرحة. كما في فيلموغرافيا مونغيو، تتراكم الأحداث والمشاهد ببطء، لتصل إلى مفاصل مصيريّة قائمة على قرارات صغيرة، وحوادث بسيطة. الطبيب العصامي «روميو» يظهر في كلّ مشهد، حاملاً منظوراً شخصيّاً، ومتفاعلاً مع محيط خاص، ورومانيا اليوم. يريد لابنته المتفوقة دراسياً أن تحصل على منحة دراسيّة في كامبريدج بأيّ ثمن. نعم، عليها أن ترحل من «هنا»، حيث لا شيء سوى الأفق المسدود والعمر الضائع. مع تعرّضها لمحاولة اغتصاب قبل إنهاء فحوصات البكالوريا، يضطرّ الأب إلى التفكير بحلول بديلة لضمان حصولها على درجة عالية في المواد المتبقيّة. إرادياً، يبدأ بالانخراط في منظومة الفساد والمنافع المتبادلة، وفق مبدأ «خدمة مقابل أخرى». هو من جيل اعتراه الأمل بعد إزاحة تشاوشيسكو. عاد إلى بلده ليصدم بأنّ التغيير الحقيقي يتطلّب أكثر من مجرّد التخلّص من اسم أو حزب. مونغيو يعي أهميّة إحكام السيناريو، وبراعة التمثيل في سينماه الخام، التي تتطوّر بلا موسيقى أو حركة كاميرا زائدة. يدرك حرج الطرح في حال خروجه عن منطق الحكاية وضرورات الدراما. التواطؤ الجمعي حول الفساد. ثمن الخيار الأخلاقي السليم. لا يمكن أن تكون حالماً، فيما لا تمانع الافادة ممّا تنشد تغييره. كلّه يمرّ من دون وعظ أو تلقين، مع ترك حزمة أمل على الجيل الجديد. حتى الأمور المعلّقة جزء من جمال الشريط ونضجه، وخلوّه من التوابل الفائضة عن الحاجة.
في الحراك المحلي، ثمّة عروض لـ 12 فيلماً قصيراً، من إخراج طلاب من معاهد فنون سمعية وبصرية في لبنان. هؤلاء على موعد مع جائزتين لأفضل فيلمين «من أجل تشجيع المواهب الشابة». أهميّة المكافأة في طبيعتها التطويريّة، إذ سيتاح لكلّ من الفائزين فرصة حضور مهرجان دولي بارز للأفلام القصيرة في أوروبا.

* «مهرجان السينما الأوروبيّة»: بدءاً من اليوم حتى 4 شباط (فبراير) ـــ «متروبوليس أمبير صوفيل» ـــ 01/204080




تحية (موسيقية) إلى جورج ميلييس

يحتفي المهرجان بأب السينما الحديثة الفرنسي جورج ميلييس (1861 ــ 1938)، الذي ابتكر أحدث تقنيات الأفلام نهاية القرن التاسع عشر. هكذا يستضيف أمسية موسيقية سينمائية عند الثامنة من مساء الخميس الأول من شباط (فبراير) المقبل، بعنوان «جورج ميلييس ـ حالات الوحدة» Georges Méliès Solitudes. في الأمسية، ستقوم مجموعة من العازفين: خيام اللامي وماجدة مياس، وطوني علية، وعبد قبيسي، وشريف صحناوي بعزف عدد من أهم المقطوعات الموسيقية في أفلامه الكلاسيكية، ويضيفون إليها من خلفياتهم الموسيقية. هكذا سيقدّم العراقي خيام اللامي (عود، إيقاع ومؤثرات) موسيقى من فيلم «رحلة إلى القمر» (1902)، وماجدة مياس (بيانو) من «رحلة عبر المستحيل» (1904)، وطوني علية (باص كهربائي ومؤثرات إلكترونية) من «400 وجه للشيطان» (1906)، وشريف صحناوي (غيتار كهربائي) من أفلام «كسوف في ضوء القمر» (1907)، و«الشيطان في الدير» (1899)، و«مصارعة بلا حدود» Nouvelles Luttes extravagantes عام 1900، وعبد قبيسي (بزق ومؤثرات إلكترونية) من فيلم «200 ألف قدم تحت الماء» (1907).