■ لنتوقف أولاً عند كتابك الجديد «الشاعر في السجن»، لِمَ هذه الاستعادة للماضي، هل هو توثيق أدبيّ لمحطّة قاسية أم كتابة ذات مغزى الآن؟

في الحقيقة، ما نشرته هو جزء من كتاب كنت قد خططت له منذ زمن بعيد وظللت أؤجله مرة تلو الأخرى خشية أن يسيء أحد فهم معنى هذه الاستعادة للماضي، وهو معنى أخلاقي قبل أن يكون سياسياً. فالبربرية التي تنعكس في سلوك الجلادين تجاه ضحاياهم أبعد من السياسات الحزبية والايديولوجيات ولا تقتصر على فئة دون أخرى.

ما أن تصل الضحية نفسها إلى السلطة حتى تتحول إلى جلاد أكثر قسوة. أنظر الى الطريقة التي عامل بها ضحايا الدكتاتورية خصومهم بعد الاحتلال. لقد زجوا بعشرات الألوف من الناس في السجون بسبب وشاية من «مخبر سري» ما. وهو ما لا يمكن أن يوجد إلا في ظل أسوأ الدكتاتوريات في تاريخ العالم، حيث يتعرض الضحايا لكل انتهاك يخطر في البال. بل إنّ الأميركيين أنفسهم الذين احتلوا العراق باسم الحرية والديمقراطية لم يترددوا في ارتكاب جرائم أخلاقية قذرة ضد من توقعه المصادفة بين أيديهم. كرمنا الروحي تجاه الضحية وحده هو ما يجعلنا بشراً أسوياء. في كتابتي عن السجن، أردت تأكيد هذه الحقيقة في زمن ربما كان الأسوأ بين كل الأزمنة التي شهدتها.
■ يعتقد بعضهم أنّ هناك مبالغة في توصيف الجيل الستيني واشتغالاته، متى نبدأ بقراءة واعية لهذا الجيل من دون تقديس «روحه الحيّة» أو «موجته الصاخبة»؟


«البيان الشعري» سبق
«بيان أدونيس» الأول بعشر سنوات، وهو ما لا يكاد يشير اليه أحد

ـ لم أؤمن في أي وقت بالفكرة الساذجة الشائعة التي تقدس هذا الجيل أو تحط من قيمة ذاك الجيل إبداعياً على أساس زمني. الإبداع يمكن أن يتحقق في أي وقت وفي أي جيل، وهو أمر يرتبط بفرادة الكاتب أو الشاعر نفسه. وإذا كانت الستينيات قد أنجبت العديد من الكتاب والشعراء المتميزين، فربما لأنّ الظرف كان مواتياً حينذاك لنمو هذه المواهب أكثر من الفترات التالية التي أعقبته أو التي سبقته. حاولت أن أوضح كل ذلك أدبياً وفكرياً وسياسياً في كتابي «الروح الحية». إننا تحتاج في الحقيقة الى قراءة عميقة لكل مراحل تطور الأدب العراقي وليس لفترة محددة بالذات لنعرف قيمة ما أنجزه شعراؤنا وكتابنا ونحدد موقعه.

■ من ضمن ما نُقل عن الشاعر الراحل سركون بولص، إنّ «تاريخ جيل الستينيات مكتوب بشكل سيّئ لأنّ من هيمن على تقديم هذا التاريخ كانت له انتماءاته الضيّقة». إلى أي درجة كانت الأجواء محتقنة وغير ودية بين الفاعلين في الجيل المذكور؟
ـ لم تكن هناك أي أجواء محتقنة أو غير ودية بين أصدقاء الجيل الستيني. لقد كان الجميع ــ برغم الاختلاف في انحداراتهم السياسية التي ما عادت تعنيهم كثيراً ــ يلتقون ويتناقشون، بل يدخلون في مشاريع مشتركة. أما خلافاتهم فكانت تتعلق في الأغلب بالمنافسات الصبيانية حول «من علق الجرس أولاً حول عنق القط؟». كان الجميع أصدقاء، يسهرون سوية وينفقون على بعضهم ويقيمون في شقق مشتركة ويعرضون أعمالهم على بعضهم لتصحيحها أو إبداء الرأي فيها. لكن شخصيات بعضهم القوية ما كانت لتسمح له بالنزول عن بغلة «الشاعر أو الكاتب الأوحد». تلك الخصلة التي يكاد ينفرد بها العراقيون. وكان ثمة أيضاً نفاجون أدعياء وفاشلون يحرضون هذا ضد ذاك، مثلما كان يتفق أحياناً، مؤقتاً بالطبع، اثنان أو ثلاثة منهم ضد آخرين قبل أن يعود الصفاء بينهم. والأطرف في الأمر أنّ أصدقاء جماعة كركوك بالذات ما كانوا يجدون من يملأ عيونهم أو يقدر على منافستهم أدبياً من غير زملائهم داخل حلقتهم الضيقة وحدها، متطرفين أحياناً في أحكامهم ضد بعضهم الآخر، من دون أن يعني ذلك الكثير.
ذات مرة في السبعينات، رافقني الصديقان، الروائي الأردني غالب هلسا والناقد التشكيلي والقاص عادل كامل، في زيارة لي مع سالمة صالح إلى كركوك، قمنا فيها بزيارة صديقنا القاص جليل القيسي الذي كان الأكثر وداعة بيننا. في بيته الواقع في منطقة «التبة» في كركوك، مستصحبين معنا الصديق جان دمو، احتفى بنا جليل القيسي على عادته بكل ما لذ وطاب من طعام وشراب.
في تلك الجلسة وأثناء الحديث عن الأدب وبتأثير الشراب، انتابت جليل القيسي حالة عاطفية من التواضع جعلته يعلن أن كل كتاباته فاشلة وتخلو من أي قيمة. المرء لا يستطيع أن يكتب إلا ما يقدر عليه. ولكن بدل أن يرفض المرء انتقاصه من قيمة نفسه ويرفع من معنوياته، انبرى جان دمو فجأة قائلاً بالكثير من التشفي: «هل رأيت؟ لقد اعترفت الآن فقط بالحقيقة التي كنت تنكرها. كنت أقول لك دائماً أنك كاتب فاشل ولا تعرف الكتابة، لكنك لم تكن تصدقني». انفعل جليل القيسي، ومع ذلك جاهد ليسيطر على نفسه برهة، مردداً على عادته في اللجوء إلى المقتبسات، البيت الشعري المشهور: «يا ضيفنا لو زرتنا لوجدتنا/ نحن الضيوف وأنت رب المنزل». بيد أنه لم يحتمل الإهانة، فهجم فجأة بالحذاء على جان دمو الذي راح يردد مستنكراً: «لقد اعترفت أنت نفسك بأنك كاتب فاشل، فلماذا الزعل؟». كل هذا يبدو لي مفهوماً الآن، فالغيرة الإبداعية، وهي بالطبع غير الوقاحة أو قلة الأدب التي ينفرد بها مع الأسف بعض كتابنا، يمكن أن توجد في أي ثقافة. كاتبة كبيرة مثل فيرجينيا وولف كانت تغار من جيمس جويس وتعده كاتباً رديئاً، فيما كان جويس نفسه يتعمد التدخين حين يكون مع مارسيل بروست المريض بالربو ليزعجه ويقلقه. وكان والت ويتمان يحسد شاعراً مشهوراً أقل منه موهبة بكثير. أما تولستوي العظيم، فكان يرفض المشاركة في أي مؤتمر أدبي يحضره دوستويفسكي. ويقال إن ما جعل جان بول سارتر يرفض جائزة «نوبل» هو أنّها منحت لألبير كامو قبله.

■ مجلّة «الشعر 69» والبيان الشعريّ الذي صدر عنها، أيصحّ القول إنّ هذين الحدثين ثمرة طبيعيّة لجو الستينيات ومحاولات خلق كيان جديد للمثقف العراقيّ متطلّع للتحديث والتواصل مع العالم؟
ـ المؤكد أن مجلة «الشعر 69» و»البيان الشعري» يعكسان إلى حد كبير المناخ الثقافي الذي كان سائداً في الستينيات. وبصورة عامة، يعد «البيان الشعري» أول محاولة لوضع أساس صحيح لحرية الكتابة واستقلاليتها عن كل سلطة، سواء أكانت سلطة سياسية أم ايديولوجية أم دينية، وعلامة مهمة في الطريق الى حداثة زمننا وعلاقتنا مع الآخر. وبالمناسبة، فإن «البيان الشعري» كان قد سبق «بيان أدونيس» الأول بعشر سنوات، وهو ما لا يكاد يشير إليه أحد.

■ ماذا بقي من «جماعة كركوك الأدبيّة»، أين تلمس تأثيراتها على أجيال لاحقة وما الذي قدّمته لهم؟
ـ ما يبقى من أي جماعة في النهاية هو إبداع شعرائها وكتابها والروح التي أطلقتها في الحياة الثقافية، ذلك الإبداع الذي ربما أثر قليلاً أو كثيراً في الأجيال اللاحقة. ولكن كل ذلك يعتمد على مدى الحيوية الثقافية داخل المجتمع وإمكانات التطور الحر للإبداع، وهو ما لا يمكن أن نزعمه عن الوضع الثقافي في العراق خلال العقود الأربعة الأخيرة. التجربة العالمية تعلمنا أن أعظم الأعمال يمكن أن تطمس مؤقتاً، حين يسيطر الغوغاء والرعاع والجهلة على المشهد، وينتهي التنوير لصالح الخرافة. لست مطلعاً جيداً على الإنتاج العراقي الجديد. مع ذلك، أدرك المصاعب التي تواجهه. أعتقد أنّ أفضل ما قدمته «جماعة كركوك» للأجيال اللاحقة من الشعراء والكتّاب هو موقفها الأخلاقي في رفضها التنازل ـــ رغم كل العسف الذي تعرضت له، تارة من قبل السلطة، وطوراً من قبل العميان الايديولوجيين ـــ عن حقها في حرية إبداعها وسعيها إلى أن تكون مكتشفة وحديثة ضمن شروط زمنها، منصتة لنداء المستقبل السحري بدل النوم داخل كهوف الماضي المعتمة. وهو أمر ذو أهمية خاصة الآن أيضاً.

■ إذا كانت كركوك، نصّاً أدبيّاً مفتوحاً بلا نهاية، وطُلب منك اختيار عنوان له، ما مضمونه وما دواعي تبنّيه عند هذه اللحظة التي تقف فيها المدينة والبلاد كلّها على أبواب المجهول؟
ـ لا أجد مخرجاً من المحنة التي يعيشها الوطن، وهو أكبر من كركوك التي يرتبط مصيرها به، الا بتغيير قوانين اللعبة كلها. لقد أدى الاحتلال الأميركي، وقبله الدكتاتورية، الى تدمير كل الأسس التي يقوم عليها التقدم التاريخي. أخطر ما يمكن أن يبتلى به شعب أن ينشطر على نفسه ويفقد تلك الروح التي تجعل من كل مواطنيه إخواناً. كانت الدكتاتورية قد عملت بكل غباء على شطر المجتمع الى أتباع وأعداء. أما نظام الطوائف الذي أقامه الاحتلال، فقد حول البلاد الى كانتونات وغيتوات تتحكم بها عصابات لا تقل ضراوة عن الذناب. كل حي يملك يمتلك عملياً استقلاله الخاص به الذي لا يمكن أن يدخله كل من هب ودب، من دون أن يعرّض حياته للخطر. في مجتمع مثل هذا، لا يمكن إلا أن يسير كل شيء بالمقلوب. من سوء حظنا أن بوصلة الشر تشير الآن إلى أننا نتجه إلى حرب أهلية ستكون أكثر دماراً مما هي عليه الآن؛ لأنها ستكون إقليمية بالضرورة، بأسرع مما يمكن تصوره، تلك الحرب التي لا يمكن إلا أن يخسرها الجميع وهم في طريقهم إلى الهاوية.


حتى لو قدر لي أن أعود يوماً ما إلى العراق، فلن أكون أكثر من سائح يسكن في فندق
■ كيف تقرأ المشهد العام في العراق اليوم؟ أيّ كتابة ممكنة في دائرة العنف المتواصل والتكفير وداعش والانقسامات المذهبيّة؟
ـ ثمة خطر دائم في أن تقع الكتابة نفسها في واقع ممسوخ مثل الواقع العراقي، تحت وطأته لتصبح جزءاً من آلية هلاكه نفسها. ما أكتبه، لن يقرأه من يريد أن يفجر نفسه بالتأكيد، ولا يهمني أن يقرأني من يكفرني أو يطلب رأسي. كما لا يمكن لي أن أنحدر بكتابتي لأكون مع هذا الطرف الأعمى ضد ذاك الطرف الأعمى. ولذلك لا مناص من التعالي على الجنون العام بنفيه من خلال كتابة أدب يؤكد ما هو خلاق وحقيقي وأصيل وإنساني في الحياة. سئل جيمس جويس ذات مرة: «ماذا كنت تفعل خلال الحرب العظمى (الحرب العالمية الأولى)؟» فأجاب: «كنت أكتب يوليسيس، ماذا كنت تفعل أنت؟».

■ هل حانت القطيعة النهائيّة للشاعر مع الرافعات الحزبيّة، ماذا عمّن ما زال يسبح في هذا الفضاء الاستلابي؟
ـ لا يمكن للشاعر الحقيقي إلا أن يكون حراً. أما الرافعات الحزبية، فتسيء الى الأدب أكثر مما تخدمه. الشعراء والكتاب السيئون وحدهم يتكئون على ما هو غير أدبي للتعويض عما ينقصهم. ومع ذلك، لا أمنح نفسي الحق في أن أحرم أحداً من حقه في اختيار السبيل الذي يسلكه أو العربة التي يستقلها. كل ما يمكن أن أطلبه منه هو ألا يسلم قياده لحوذيين دجالين يدعون معرفة الطريق إلى الجنة، أو أن يتبع كهنة أفاقين كذبة يبيعون الله نفسه في سوق النخاسة. الشاعر الحقيقي يضمر في كل ما يفعله أرفع ما في عصره من قيم، بل يتخطى ذلك ليكون رائياً لمستقبل التاريخ أيضاً.

■ هذا الحضور بين اشتغالين مختلفين في الكتابة، الشعر والرواية، أي حساسيات يمكن تلمّس ملامحها المتباينة، بين الشاعر تارة، والروائي طوراً في ذات فاضل العزاوي؟
ـ في البداية، لم يكن القصّ في كلّ آداب العالم ينفصل عن الشعر. كان الشاعر «صانعاً» ــ على حد تعبير الكاتب الأرجنتيني بورخيس ـــ لكل ما يريد الشاعر قوله أو روايته. لم تظهر الرواية الحديثة بشكلها النثري المستقل إلا في عصر النهضة، وبالذات مع نشر رواية دونكيخوته لـ «سيرفانتس» عام 1605. سواء تعلق الأمر بالشعر أم بالرواية، فإنهما يعكسان عندي على الأقل، الحساسية الجمالية ذاتها، ولو بطرق مختلفة. في الأدب الانكليزي والألماني مثلاً، يطلق على الكاتب الكبير لقب «الشاعر»، وإن لم يكتب قصيدة واحدة في حياته. الشعرية تشكل جوهر كل عمل عظيم يكتب، سواء أكان شعراً أم نثراً. وبالنسبة إليّ، يصعب فهم شعري جيداً من دون نثري ولا نثري من دون شعري، فهما يتداخلان ويكملان بعضهما الآخر. إنّ اثنين من أعمالي الأولى وهما «مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة» و»الديناصور الأخير» يمكن قراءتهما تارة كقصيدتي نثر، وطوراً كنصين روائيين أو الأمرين معاً. على أي حال، ليس غريباً الجمع بين الشعر والنثر، فقد نشر الكثير من الروائيين الكبار العديد من المجموعات الشعرية، ولكن أجمل الشعر نقع عليه في الحقيقة في نثرهم، وبالذات عند كتاب من أمثال نيتشه وجويس وكافكا.

■ بعد إقامتك الطويلة في المنفى، والكتابة بالإنكليزية والألمانية إلى جانب العربيّة، ماذا أعطتك هذه الإقامة في أمكنة ولغات أخرى؟ أين يمكن معاينة ذلك في جملتك ونبرتك ونصوصك؟
ـ أمضيت الشطر الأكبر من حياتي خارج العراق وزرت عشرات المدن والبلدان التي عشت في بعضها أحياناً أشهراً طويلة وحضرت مؤتمرات ومهرجانات أدبية وثقافية كثيرة، ونظمت لي قراءات شعرية وندوات يصعب عليّ حتى عدها أو تذكرها جميعاً. وفي أثناء ذلك، تعرفت إلى مئات الشعراء والكتاب المبدعين الذين تتشكل منهم الثقافة العالمية الراهنة. هذه العلاقات المباشرة التي تطور بعضها إلى صداقات حميمة جعلتني أشاركهم في إنجاز مشاريعهم أو أواكب بعضهم أحياناً خلال إنجازهم لنصوصهم الخاصة بهم. حتى أن صديقي الروائي الألماني المعروف توماس لير أهداني روايته الأخيرة الرائعة «سبتمبر السراب» التي حازت العديد من الجوائز الكبيرة، مشيراً فيها، على عادة الكبار في تواضعهم، الى أنه ما كان يمكن له أن ينجز روايته، من دون مناقشاته الطويلة معي حولها أثناء الكتابة. وإذا كنت قد تعلمت من إقامتي الطويلة في الغرب أنه ما من إنجاز كبير من دون عمل شاق ومنظم وجاد، فإن معرفتي بلغات أخرى وكتاباتي باللغتين الانكليزية والألمانية، علمتاني كيف ينبغي للجملة أن تقال حتى تكون ملموسة ودقيقة. ولعل المترجمين الذين ينقلون النصوص العربية الى اللغات الأوروبية الكبيرة يدركون ذلك أكثر من غيرهم. الترجمة غالباً ما تكشف عن سوء اللغة وركتها، بل لا معقوليتها أحياناً، وهو أمر يعكس في الحقيقة اضطراب الفكر نفسه وفوضاه.

■ «تقدّم خطوات في الشارع الموحل. هل يمكن للدم أن يفتح نهار الحريّة؟  تقدّم خطوة. حدّق في طفل ساكن. ضربة واحدة ويهدأ الفعل إلى الأبد ليصبح قضية... لا بدّ من ممارسة نمط معين من الحيل الصغيرة لجرّ المخلوق الضئيل جانباً..»، مقطع من رواية «مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة»، ألا تعتقد أنّ التجريب السائد في الستينيات، أفاد هذا العمل كثيراً فلفت الأنظار إليه، إضافة إلى استثمار الكاتب لشعوره بالحرية والشغف بالتمرّد إلى أقصى حد؟
ـ مؤكد أن كل عمل يعكس بهذا الشكل أو ذاك روح زمنه، لكنه يرتبط أيضاً بقدرة منشئه على التقاط ما هو جوهري وأساسي في تلك الروح وتحويله الى نص يعبر عن طليعية رؤياه. أتذكر أن الكاتب الكبير نجيب المانع قد تنبأ حينذاك بأن «المخلوقات» ستكون عملاً كلاسيكياً للحداثة في المستقبل. مهما يكن من أمر، فإنه ما كان يمكن لنص طليعي مغاير مثل «مخلوقات فاضل العزاوي الجميلة» أن ينشأ قبل ما يقرب من نصف قرن، من دون الكثير من الجرأة والتحدي، بل الاستعداد لدفع الثمن أيضاً.
■ ما الذي لم يقله بعد برهان عبد الله في روايتك «آخر الملائكة»، وهل من مجال لسرد أحلام جديدة وحكايات في حيّ «جقور» في مدينة النشأة الأولى؟
ـ قد أعود إلى كركوك في قصة مختلفة تماماً عما رويته في «آخر الملائكة» وهي قصة ربما كانت أكثر إثارة للاهتمام في الوسط الأدبي بالذات. هي مكتملة تماماً في ذهني، سوى أنّني لا أعرف إن كنت سأملك ما يكفي من الوقت لأفعل ذلك، إذ أنني متورط الآن حتى الاختناق في العديد من المشاريع التي تتطلب الإنجاز.

■ يواجهنا بين حين وآخر، رأي مفاده أنّ هناك كتابة جديدة في العالم العربيّ ممهورة بدم الضحايا بعدما أصبحنا عراة أمام هزائمنا السياسيّة والاجتماعيّة والثقافيّة المتتالية، ما درجة الصواب هنا؟
ـ لا أعرف ماذا تعني الكتابة الجديدة الممهورة بدم الضحايا وكيف تكون. لقد عكس الأدب دائماً منذ جلجامش وهوميروس لعبة التاريخ القائمة بين الضحية والجلاد. ولكن لكي تكون الكتابة جديدة، عليها أن تمسك باللحظة التاريخية التي يتغير فيها العالم من حال إلى حال، كما فعل سرفانتس الذي سطر بيان نهاية القرون الوسطى، ودانيال ديفو الذي أشار بداية إلى المجتمع البورجوازي في عمله «روبنسون كروسو» الذي يعلي من قيمة الإنسان الفرد. أما إذا كان المقصود ظهور كتابة مضادة للخراب الآن فقط، فيدل على خلل ما في كتابة الماضي، فالكاتب المبدع يقف مع الضحايا دائماً ويواجه الخراب بكل ما يستحق أن يعيش الإنسان من أجله.

■ هل من رؤية بخصوص الثقافة العراقيّة الآن، وما مصير نغمتي «الداخل» و»الخارج» التي سمعناها كثيراً، أما زالتا على قيد الحياة؟
ـ الثقافة أكثر سعة بالطبع من الأدب والفن. هي تشمل إضافة إلى ذلك الايديولوجيا والدين والعادات والتقاليد وأنماط السلوك وكل ما يتعلق بأنظمة الرؤى الاجتماعية، سواء أكانت سياسية أم اقتصادية أم تربوية أم فلسفية أم قانونية أم أخلاقية. وحين نعرف أن كل ذلك يرتبط ببعضه ويتداخل، ندرك أي بؤس ينخر في جسد الثقافة العراقية. وفي الأدب أيضاً: ثمة بالطبع شعراء وكتاب وفنانون يبدعون، لكنهم لا يمكن إلا أن يكونوا هامشيين في ظل العقل الغيبي الخرافي المهيمن. ولذلك، ليس غريباً أن يظهر من يعد الغناء والموسيقى والرقص كفراً، ويهدم التماثيل بوصفها أصناماً ويسخر من الشعر الحر، باعتباره بدعة وكل بدعة ضلال. لا نهوض أدبياً وشعرياً وفنياً، من دون تغيير الشروط الاجتماعية للثقافة. للخارج والداخل ظرفاهما المختلفان بالتأكيد، لكنهما ليسا شرطاً للإبداع الذي يعتمد على موهبة الكاتب وثقافته وحساسيته الجمالية قبل أي شيء آخر. هناك شعراء وكتاب عراقيون كثيرون يعيشون في الخارج، لكن نتاجهم يظل جزءاً من الثقافة العراقية والعربية بالطبع. وفي رأيي أنّ لا معنى لهذا التقسيم إلا في التعرف إلى سيرة حياة الشاعر أو الكاتب ودراسة التأثيرات المحتملة لثقافات الخارج على إبداعه.

■ ماذا عن الغياب الطويل عن العراق الذي لم تزره بعد نيسان (أبريل) 2003، أتخشى على صورة قديمة في البال قد يفاجئك فقدانها فتخسر العراق أكثر؟
ـ لم أملك في أي وقت صورة فردوسية عن العراق لأخسرها تالياً. بعد طوافي طوال أكثر من 37 سنة في قارات العالم وبلدانه ومدنه، أدركت عظمة العالم الذي أعيش فيه، منتهياً من كل وهم عاطفي قديم حول «الظلام الذي يكون أجمل من سواه في بلادي»، على حد قول السياب، وهو ما يكاد يعد مرضاً في الثقافة الغربية ويطلق عليه بالإنكليزية اسم Jingoism، فالحب الحقيقي للوطن يتجلى في رؤيته على حقيقته لتكون قادراً على تغييره، لا أن تظل تبخره بالكلمات الفارغة.
كنت أفكر قديماً، فيما إذا انتهت الدكتاتورية ذات يوم، أن أقيم في العراق أقلها لستة أشهر في العام. لكن حلمي بالحرية والديمقراطية انتهى بالاحتلال الذي وسّع قاعدة الدكتاتورية وجعلها أكثر إرهاباً وضراوة ودموية وكرهاً للثقافة والإبداع والحداثة. وبالطبع، لم أجد نفسي في ظل مثل هذه التراجيديا مضطراً للعودة والقبول بأن يستوقفني مثلاً جندي أميركي غر في الشارع ويجرح كرامتي، أو أن أتيح لطائفي جاهل أو تاجر دين دجال أو نكرة صار مسؤولاً كبيراً فجأة فراح ينتقم لذله الماضي في ارتكاب كل الموبقات والخيانات حين كان في الخارج، أن يمارس سلطته علي أو يعتقلني أو يقتلني، من دون خشية من عقاب. حتى لو قدر لي أن أعود يوماً ما إلى العراق، فلن أكون أكثر من سائح يسكن في فندق، لأن بيتنا المصادر منذ 30 سنة ما زال مصادراً حتى الآن، كما لا يمكن لي أن أذل نفسي في المطالبة حتى بحقوقي القانونية المترتبة على عملي السابق في العراق. لقد فبرك الأميركيون على عجل دولة لا مثيل لها، قائمة على الدجل والشعوذة والجهل والخرافة. دولة لا يكاد أحد يعدها دولته، حيث كل ما فيها ملفق ومزور، من الدستور والعلم والنشيد الوطني وحتى الانتخابات والبرلمان والفيدرالية والزعامات الفارغة والحكومة، بل حتى الدين الذي لم يعد ديناً، والشعب الذي لم يعد شعباً. هذا هو ما يجعلني الآن أيضاً أمكث في مكاني هنا، حيث أنا، بعد أن فقدت الرغبة في أن أكون حاضراً، ولو كمتفرج، في قاعة تمثل فيها مثل هذه الكوميديا السوداء.