رشيد وحتي


1. ستّ عشرة نصيحةً

في الأدب، من الضّروريّ تلافي: 1. التّأويلات المفرطة في لا امتثاليّتها بصدد الآثار أو الشّخصيّات المشهورة. على سبيل المثال، وصف كره دون جوان للنّساء، إلخ. 2. ثنائيّ الشّخصيّات المتباينة أو المتناقضة، كمثالٍ دون كيخوطّي وسانتشو بانثا، شرلوك هولمز وواتسن. 3. عادة منح طباعٍ للشّخصيّات وفق ميولاتها المفرطة، كما يفعل ديكنز مثلًا. 4. اللّجوء، خلال تنامي الحبكة، إلى تلاعباتٍ شاذّةٍ بالزّمان والمكان، كما يفعل فوكنر، بورخيص وبيو كاسارس. 5. الوضعيّات أو الشّخصيّات الّتي يمكن – في الشّعر – أن نماهيها مع القارئ.

6. الشّخصيّات القابلة لأن تصير أساطير. 7. الجمل، المشاهد المرتبطة بمكانٍ معيّنٍ أو بحقبةٍ معيّنةٍ؛ أو تكون محلّيّة الطّابع. 8. التّعداد المشوّش. 9. الاستعارات عموماً، والبصريّ منها خصوصاً. بشكلٍ ملموسٍ أيضاً، الاستعارات الزّراعيّة، الملاحيّة أو البنكيّة. مثالٌ لا ينصح به مطلقاً: بروست. 10. تجسيم باقي الكائنات. 11. صناعة رواياتٍ تذكّرنا حبكتها البرهانيّة بحبكة كتبٍ أخرى. على سبيل المثال، عوليس لجويس وأوديسة هوميروس. 12. كتابة كتبٍ تبدو كقائمات وجباتٍ، كألبوماتٍ، كمسارات رحلاتٍ أو كحفلاتٍ موسيقيّةٍ. 13. كلّ ما يمكن أن يصاحب بصورٍ. كلّ ما يمكن أن يوحي بفكرة تحويله إلى السّينما. 14. كلّ إشارةٍ تاريخيّةٍ أو سيريّةٍ، في الدّراسات النّقديّة. دوماً تلافي التّلميح لشخصيّة الكتّاب قيد الدّرس أو لحياتهم الخاصّة. وخصوصاً، تلافي التّحليل النّفسيّ. 15. المشاهد المنزليّة في الرّوايات البوليسيّة؛ المشاهد المفجعة في الحوارات الفلسفيّة. وأخيراً: 16. تلافي الغرور، التّواضع، اللّواط، غيّاب اللّواط، الانتحار.

2. قصّة اللّذين رأيا في منامهما..

روى المؤرّخ العربيّ ابن الإسحاقيّ هذه الحادثة: يحكي بعض الثّقات أنّه كان بالقاهرة رجلٌ ثريٌّ، ولكن في قمّة الشّهامة والتّحرّر بحيث بدّدها كلّها، عدا بيت أبيه، ووجد نفسه مدفوعاً للعمل من أجل أكل عيشه.
وكدّ حتّى غمره النّوم ذات ليلةٍ تحت شجرة تينٍ في حديقته، فرأى في المنام رجلًا مبتلًّا يخرج من فمه قطعةً نقديّةً ذهباً، يقول له: "ثروتك ببلاد فارس، بأصفهان؛ فاسع بحثاً عنها." استيقظ عند الفجر التّالي وبدأ سفرته الطّويلة وواجه مخاطر الصّحراء، السّفن، القراصنة، الوثنيّين، الوديان، الوحوش والرّجال.
بلغ، أخيراً، أصفهان، لكنّ اللّيل أدركه عند أسوار المدينة، فتمدّد للنّوم بفناء مسجدٍ. وبجوار المسجد كانت ثمّة دارٌ، وبمشيئة القدير عبرت زمرةٌ من اللّصوص المسجد وولجت الدّار، ومع الضّجّة الّتي أحدثها اللّصوص استيقظ النّائمون وطلبوا النّجدة. وحتّى الجيران صرخوا، إلى أن جاء قائد عسس تلك النّاحية صحبة رجاله، ففرّ قطّاع الطّرق من خلال السّطح.
أوعز القائد بتفتيش المسجد، فعثر فيه العسس على الرّجل ابن القاهرة، فأمعنوا فيه ضرباً بقضبان الخيزران حتّى شارف على الهلاك. بعد يومين، استعاد وعيه في السّجن. أمر القائد أن يؤتى به وقال له: "من أنت ومن أيّ بلدٍ جئت؟" أفاده الآخر: "أنا من المدينة الذّائعة الصّيت، القاهرة، واسمي محمّدٌ المغربيّ." سأله القائد: "وما الّذي أتى بك إلى بلاد فارس؟" فنزع الآخر لمصارحته وقال له: " أمرني رجلٌ في أحد مناماتي أن آتي إلى أصفهان، لأنّ ثروتي بها. وأنا الآن بأصفهان، وأرى أنّ الثّروة الّتي وعدني بها ليست إلّا تلك الضّربات الّتي وجّهتها إليّ بسخاءٍ بالغٍ".
تجاه كلامٍ كهذا، ضحك القائد حتّى بدت نواجذه، وأنهى كلامه بأن قال: "أيّها الرّجل الأحمق والسّاذج، لقد رأيت في مناماتي ثلاث مرّاتٍ داراً بمدينة القاهرة، بعمقها حديقةٌ، وبالحديقة مزولةٌ، وخلف المزولة شجرة تينٍ، وخلف الشّجرة نبع ماءٍ، وتحت النّبع كنزٌ. لكنّي لم أشأ أن أعطي هذا البهتان أيّ نصيبٍ من التّصديق. أنت، رغم ذلك، نسل تسافد بغلةٍ وماردٍ، فسعيت تائهاً من مدينةٍ لمدينةٍ، على عهدة إيمانك فقط بما رأيت في منامك. لا أريد، منذ اليوم، أن أراك في أصفهان. إليك هذا المال وانصرف".
أخذ الرّجل المال وعاد إلى بلاده. ومن تحت نبع الماء بحديقته [وهو نبع حلم القائد] أخرج الكنز. كذا باركه اللّه وجازاه. [من كتاب ألف ليلةٍ وليلةٌ، اللّيلة 351.]

3. مسألةٌ

لنتخيّل أنّه، في طليطلة، تمّ اكتشاف ورقةٍ خطّ عليها نصٌّ عربيٌّ أكّد المختصّون بالكتابات القديمة أنّه كتب بيد وخطّ سيّدي أحمد بن الغالي الّذي اقتبس عنه ثربانتس دون كيخوطّي. في النّصّ نقرأ أنّ البطل [الّذي كان، كما هو مشاعٌ، يجول في طرقات إسبانيا، مسلّحاً بسيفٍ وحربةٍ، ويتحدّى لأيّ حافزٍ أيًّا كان] اكتشف، عند نهاية واحدةٍ من معاركه العديدة، أنّه قتل رجلًا. عند هذه النّقطة تتوقّف الشّذرة؛ وتكمن المسألة في أنّ علينا التّكهّن، أو التّخمين، كيف كان ردّ فعل دون كيخوطّي.
ثمّة، حسب علمي، ثلاثة إجاباتٍ ممكنةٍ. أولاها ذات طبيعةٍ سلبيّةٍ؛ فلا شيء له طابعٌ خاصٌّ يحدث، ذلك أنّ الموت، في العالم الهذيانيّ لدون كيخوطّي لا يسبّب أيّ اضطرابٍ لمن يعارك، أو يظنّ أنّه يعارك، التّنانين والسّحرة. الثّانية مؤثّرةٌ. لم يتمكّن دون كيخوطّي أبداً من نسيان أنّه انعكاسٌ باهتٌ لألونصو كيخانو، قارئ القصص الخرافيّة؛ ذلك أنّ رؤيته للموت، وإدراكه أنّ حلماً أخذه نحو خطيئة قابيل، أيقظاه من جنونه المتعارف عليه، للأبد ربّما. وقد تكون الثّالثة أكثرها احتمالًا. بموت الرّجل، لا يستطيع دون كيخوطّي أن يستسيغ بأنّ الفعل الرّهيب نتاجٌ للهذيان؛ لأنّ واقعيّة الأثر تفترض تزاوجه مع واقعيّة السّبب كي لا يتخلّى دون كيخوطّي أبداً عن جنونه.
يبقى ثمّة تخمينٌ آخر، غريبٌ على المدار الإسبانيّ كما على المدار الغربيّ، ويتطلّب مجالًا أكثر قدماً، أكثر تعقيداً وأكثر إنهاكاً. حزر دون كيخوطّي – الّذي لم يعد الآن دون كيخوطّي، وإنّما ملكاً من عصور الهندوستان – أنّ جثّة العدوّ الّذي قتله، كما الإنجاب، عملان إلهيّان أو سحريّان يتساميان بجلاءٍ على الشّرط الإنسانيّ. ساعتئذٍ، أدرك أنّ الميّت وهميٌّ كما هو الأمر بالنّسبة للسّيف المدمّى الّذي يثقل يده، كما هو الأمر بالنّسبة له بنفسه، لكلّ ما ولّى من حياته، للآلهة العظمى وللكون.

4. أمثولة القصر

في ذاك اليوم، أجال الإمبراطور الأصفر الشّاعر في قصره. كان يتركان خلفهما، في استعراضٍ طويلٍ، الشّرف الغربيّة الأولى، الّتي كانت تتحدّر كدرجات مدرّجٍ تكاد يصعب على العين الإحاطة به، نحو فردوسٍ أو حديقةٍ تمثّل مراياها المعدنيّة وحواجزها المشبّكة من العرعر المتاهة بشكلٍ قبليٍّ. تاها فيها بمرحٍ، وفي المبدأ كما لو خلا بالهما للعبةٍ، فانتابهما بعض القلق، لأنّ المماشي المستقيمة للمتاهة كانت تفسد بتعرّجاتٍ بالغة النّعومة ولو أنّها تتواصل وتتّخذ سراًّ هيأة دوائر. نحو منتصف اللّيل، سمحت لهما ملاحظة الكواكب والتّضحية السّانحة بسلحفاةٍ أن يتحرّرا من أسر تلك النّاحية الّتي كانت تبدو ساحرةً، لكن ليس تحت تأثير شعورهما بأنّهما تائهان، ذاك الشّعور الّذي رافقهما حتّى النّهاية. فيما بعد، عبرا غرف الانتظار، الباحات، المكتبات وبهواً سداسيّ الأركان به ساعةٌ مائيّةٌ؛ وذات صباحٍ لمحا من برجٍ رجلًا من حجرٍ، فقداه بعدئذٍ للأبد. عبرا الكثير من الأنهار المؤتلقة بزوارق صندلٍ، أو نهراً واحداً مرّاتٍ عديدةً. مرّت الحاشية الإمبراطوريّة فخرّ النّاس ساجدين، لكنّهما ذات يومٍ بلغا جزيرةً لم يفعل فيها أحدٌ من أهاليها ذلك، لأنّ لا أحد منهم رأى ابن السّماء، فما كان على الجلّاد إلّا أن يحزّ رقابهم. رأت عيونهم بلامبالاةٍ جديلاتٍ سوداء، رقصاتٍ زنجيّةً وأقنعةً ذهباً معقّدةً؛ التبس الواقعيّ بالحلميّ أو – بعبارةٍ أبلغ – كان الواقع أحد تمثّلات الحلم. بدا مستحيلًا أن تكون الأرض شيئاً آخر إلّا حدائق، مياه، هندساتٍ وأشكال للبهاء. مع كلّ مئة خطوةٍ، كان ثمّة برجٌ يشقّ الهواء؛ كان اللّون بالنّسبة للأعين هو نفسه، لكنّ أوّل الأبراج كان أصفر فيما كان الأخير قرمزياًّ، فقد كان التّدرّج اللّونيّ بالغ السّلاسة كما كان توالي الأبراج بالغ الامتداد.
عند قدم البرج ما قبل الأخير، أنشد الشّاعر [الّذي كان يبدو كما لو أنّه مستغربٌ للمشاهد الّتي كانت عجاباً للجميع] منظومته الموجزة الّتي ننسبها له اليوم بشكلٍ وثيقٍ، والّتي مكّنته، على عهدة أكثر المؤرّخين أناقةً، من الخلود والموت. صار النّصّ مفقوداً؛ فثمّة من يزعم أنّه بيتٌ شعريٌّ؛ آخرون، يزعمون أنّه كلمةٌ واحدةٌ. لكنّ الأكيد، اللّايصدّق، هو أنّ القصيدة كانت تحوي القصر العظيم بكمالٍ ودقّةٍ، بكلّ آنيةٍ شهيرةٍ من الخزف الصّينيّ، بكلّ رسمٍ في كلّ آنيةٍ من الخزف الصّينيّ، بكلّ الظّلال الخفيفة والأضواء الغسقيّة، بكلّ لحظةٍ حزينةٍ أو سعيدةٍ لدى الأسر الملكيّة المجيدة للفانين، للآلهة والتّنانين الّتي أقامت فيه منذ الماضي السّرمديّ. صمت الجميع، لكنّ الإمبراطور صاح تعجّباً: "لقد سلبني القصر!" فقطف سيف الجلّاد الحديد حياة الشّاعر.
ثمّة آخرون يستندون لروايةٍ مختلفةٍ للقصّة. فلا إمكان لوجود شيئين متماثلين في العالم؛ إذ يكفي [حسب ما قالوه لنا] أن ينطق الشّاعر بالقصيدة كي يختفي القصر، كما لو أنّ المقطع الأخير أفناه وصعقه. يتّضح من ذلك أنّ أساطير كهذه لا تعدو عن كونها تخييلاتٍ أدبيّةً. كان الشّاعر عبداً للإمبراطور وكذلك مات؛ وسقطت منظومته طيّ النّسيان لأنّه يستحقّ نسيانه، أمّا خلفه فما زالوا يبحثون – ولم يعثروا بعد– عن كلمة الكون.

5. أنا وبورخيس

للآخر، لبورخيس، تحدث هذه الأمور. أتمشّى في بوينس أيرس فأطيل الوقوف، ربّما بشكلٍ ميكانيكيٍّ، لرؤية قوس دهليزٍ مع ستائر الباب؛ أتبلّغ أخبار بورخيس عبر البريد وأرى اسمه في قائمةٍ للأساتذة أو في معجم سيرٍ. أحبّ السّاعات الرّمليّة، الخرائط، الفنّ الطّباعيّ للقرن 18، أصول الكلمات، طعم القهوة ونثر ستفنسن؛ يتقاسم معي الآخر هاته المفضّلات، ولكن بطريقةٍ متعاليةٍ تحيلها إلى خاصّيّات ممثّلٍ. سيكون مبالغاً فيه القول أنّ علاقتنا عدائيّةٌ؛ أنا أعيش، وأدع نفسي تعيش، كي يستطيع بورخيس حياكة أدبه، وهو أدبٌ يبرّر وجودي. لا يكلّفني شيئاً أن أعترف بأنّ بضع صفحاتٍ قيّمةٍ تحسب له؛ لكنّها صفحاتٌ لا تستطيع إنقاذي، ربّما لأنّ الجمال لم يعد لأحدٍ، ولا حتّى للآخر في أقلّ تقديرٍ، اللّهمّ إذا كان للّغة والتّراث. فيما عدا ذلك، فمصيري المحتوم هو الضّياع، نهائيًّا، ولن تتمكّن من البقاء في الآخر إلّا بعض لحظةٍ منّي. شيئاً فشيئاً، سأتنازل له عن كلّ شيءٍ، ولو أنّ عادته المتهتّكة في التّزوير والتّضخيم تضنيني. لقد أدرك سبينوزا بأنّ جميع الأشياء تحبّ البقاء في كينونتها؛ الحجر يحبّ للأبد أن يبقى حجراً، والنّمر يحبّ أن يبقى نمراً. أمّا أنا، فعليّ أن أبقى في بورخيس، لا فيّ [إن كنت أنا أحداً]، ولكنّي أتعرّف على ذاتي في كتبه بدرجةٍ أقلّ ممّا هو عليه الأمر في كتبٍ عديدةٍ أخرى أو في العزف المجهد على قيثارةٍ. منذ سنواتٍ، حاولت التّحرّر منه، فتحوّلت من أساطير الضّواحي إلى التّسالي بالزّمان واللّانهائيّ، إلّا أنّ هذه التّسالي تحسب لبورخيس الآن ويستحسن أن أتمثّل أموراً أخرى. كذا تكون حياتي فلتاناً، لأفقد كلّ شيءٍ، ليصير كلّ شيءٍ ملكاً للنّسيان، أو للآخر.
لا أدري أيّنا، نحن الاثنين، يكتب هذه الصّفحة.
* شاعر ومترجم عربي.