رغم الصورة المفجعة والقبيحة والدموية التي تقدمها في هذه الأيام حركات مذهبية في بلادنا، بالعلاقة مع الآخر، مسلماً كان أو «آخر»، تبقى حقيقة أن وجود التجمعات الدينية المختلفة العريقة في قدمها، في بلادنا/ بلادها، دليل على درجة من التسامح تجاه الآخر، المختلف، الذي مارسه الفاتح/ الغازي المسلم قبل نحو أربعة عشر قرناً. صحيح أن التجمعات الدينية غير المسلمة لم تنل حقوقها كاملة في تلك الدول الدينية، لكنها تمتعت باستقلالية مكنتها من البقاء في محيط «آخر».

للتذكير، يقول الكاتب إن من غير الممكن العثور على أي أثر لأي من الديانات التي كانت قائمة في أوروبا، شرقاً وغرباً، حيث عمدت الكنيسة في الغرب إلى القضاء على كل أثر لتلك الديانات «الوثنية» عبر حملة إبادة منقطعة النظير للبشر والحجر، كما يقال.

لكننا نعيش نحن، هذه الأيام، فاجعة كبرى تتلخص في محاولة إعادتنا إلى العصور الحجرية عبر إلغاء الآخر، بالقتل والسبي والطرد والنفي، ومحاولة فرض مفاهيم إسلامية مذهبية محددة على «الآخر» المختلف. في ظننا أنّ الكثير من تلك التجمعات التاريخية العريقة في بلادنا قد سئمت الحياة في ظل تهديد دائم من وحشية العصور الحجرية، وستغادر بلادنا/ بلادها، من دون رجعة، ونحن سنكون أكبر الخاسرين وسنعض على أصابعنا يوماً ندماً على السماح لهكذا جماعات بالنمو في وسطنا واستبدال الرماد السائد بألوان الطيف التي جمعتنا يوماً ما. ربما يجد البعض عزاءً، أن ثمة مكاناً لهذا، في حقيقة أنّ الإسلام المعتدل دين القوة الرئيسية التي تحارب ذلك الجنون المذهبي.
من هنا، تأتي أهمية هذا الكتاب الذي يذكّر القراء بتفاصيل مختلف التجمعات الدينية والإثنية ـــ سمّها ما شئت ـــ القائمة، إلى يومنا في بلادنا، ومنهم المندائيون واليزيديون والزرداشتيون والسامريون والأقباط والكلش والنوريستانيون. الكاتب، دبلوماسي بريطاني سابق، عمل في العراق بعد الغزو الأنكلو - أميركي، وقنصلاً في جدة، ودرس اللغة العربية في القاهرة.


يعود تاريخ ديانة المندائيين إلى العصر البابلي

يذكّر الكاتب القراء بأن المندائيين يعود تاريخ ديانتهم إلى العصر البابلي، وأيضاً حقيقة أنّ المانيا اندثرت في القرن العاشر من التاريخ السائد (ت س) على أيدي المسلمين الذين دمروا معبد شمش في حران، الذي كان قائماً منذ العصر البابلي الأول. لكنه يلاحظ في الوقت نفسه، استمرار تلك الطوائف في الوجود كتب عنها دراسات علمية؛ منها العائدة إلى البيروني وابن النديم، رغم دعوة الغزالي المعاكسة.
استمر مظهر مجتمعات «الخلافة» يتجلى في كلّ ألوان الطيف، رغم الدعوات العصبية الآتية من هنا وهناك، حتى القرن الثالث عشر بقدوم ابن تيمية ودعوته لمحاربة الدروز والعلويين.
لكن المجتمعات المسلمة حافظت على موقفها المتسامح إلى درجة ما مع الغير، مع أنّ القيصر الألماني دعا في القرن التاسع عشر قادة من مسيحيي الشرق الذين طلبوا مساعدته لمواجهة الاضطهاد الذي يتعرضون له، لاعتناق الإسلام كطريق وحيد أمامهم لإنقاذهم من الموت!
ومع أن الكاتب يثري عمله بقائمة كتب متخصصة عن كل من الجماعات أو الأقوام التي ذكرها لفائدة من يود الاستزادة، فقد أهمل الإشارة إلى معاناة أقوام «الآخر» في جنوب جزيرة العرب وشمال أفريقيا ومنطقة الساحل، إضافة إلى عدم تطرقه إلى هجرة/ تهجير العرب اليهود من أوطانهم إلى فلسطين المغتصبة، وهذا موضوع كتاب منفصل سنعرضه على نحو مستقل. كلمة أخيرة: إن هذا العمل يلاقي ترحيب كل قارئ في بلادنا، تماماً كما تمنى الكاتب. فخسارة هذه الأقوام هي فاجعة وخسارة لن تعوض تصيب مجتمعاتنا.