على مدى مشوار نجيب محفوظ كله، ترددت نغمة الحنين إلى الملجأ الإلهي المطمئن، سواء في صورة درويش يهيم بين صفحات الثلاثية أو الشيخ علي جنيدي الذي ينصح سعيد مهران في «اللص والكلاب» بأن يضع عنه هموم الدنيا ويتوضأ ويصلي، ثم مِن بعد ذلك كله هناك أيقونته الشيخ عبد ربه التائه الذي وضعَ محفوظ على لسانه خلاصة الحكمة المقطّرة للطريق الطويل.

كما لا يمكننا أن نتذكر «الحرافيش»، من غير أن نذكر الأناشيد الغامضة التي تنبعث من وراء أسوار التكية. فهل يمكننا ـــ بعد الاعتبار لكل هذا ـــ أن نعتبر بعض أعمال محفوظ هي البشارة الأولى للاتجاه الذي حضرَ وسادَ منذ سنوات في الواقع الفني والثقافي، أي تلك الأعمال الفنية المختلفة، بصرف النظر عن مقدار جودتها وأصالتها، التي تعتمدُ مادتها الأساسية على عالم التصوّف ونصوصه ورموزه وأعلامه؟ أم أن الحقيقة غير ذلك تماماً؟

في حوار لمجلة الـ «باريس ريفيو»، ترجمه الزميل أحمد شافعي في كتابه «بيت حافل بالمجانين»، أجاب محفوظ في معرض الرد على سؤالٍ حول علاقته بالتصوّف وما إذا كان ممارساً له، قائلاً: «أنا أحب الصوفية مثلما أحب الشعر الجميل، ولكنها ليست الإجابة. الصوفية مثل السراب في الصحراء، يناديك، أن تعال، فاجلس، واسترح قليلاً. إنني أرفض أي طريق يرفض الحياة، ولكنني لا أملك إلّا أن أحب الصوفية لجمالها الشديد. إنّها لحظة راحة في خضم معركة. لي أصدقاء مصريون كثيرون يستشيرون شيوخ الصوفية باحثين عن حلول. ربنا يوفقهم، الحل الحقيقي لمشكلاتهم في البنك الأهلي».
قد يكون هذا رأي محفوظ الرجل والمواطن، وليس اعتقاداً عميقاً في نفس المبدع كاتب القصة والرواية. وربما أرادَ ألَّا يبدو ـــ وهو الليبرالي الأصيل ـ في مظهر الدرويش الشرقي الذي يسبح في شطحات العشق الإلهي غائباً عن أسئلة حاضره وقضايا مجتمعه. وربما يكون من الصحيح أيضاً ـــ فيما يخصّ بعض تفسيرات رواج فنون التصوّف في وقتنا الراهن ـــ أنَّ أزمنة الاضطراب والانكسار والعجز تدفع الناس ــ الشباب خصوصاً؟ - إلى اللجوء للدين والاحتماء بكيانٍ أكبر، مُطلق وكوني الأبعاد، بسبب فقدان الاتجاه والافتقار لكيانات أخرى تجمعهم في وحدةٍ اجتماعية سليمة البنية.
ولنا أن نتساءل هُنا: ماذا لو أصبح الشباب غداً، وهم المستهلكون الأساسيون لفنون وآداب التصوّف في الوقت الراهن، فوجدوا أنفسهم في مواقع السُلطة والمسؤولية يقودون المجتمع كله نحو «مشرق النور والعجائب» بتعبير محفوظ؟ ماذا لو تحقّق الحُلم؟ هل سوف تتبدد عندئذٍ أطياف العشق الإلهي كأن لم تكن؟ أم أنّها قد تتخذ عندئذٍ مظهراً أصدق وأنصع، غير منفعلٍ بأحقاد مكبوتة ورغباتٍ محبطة؟
قد نجد جواب هذا التساؤل في قصة صغيرة وبديعة لمحفوظ، بعنوان «حُلم»، في مجموعة «خمّارة القط الأسود»، يحكي فيها عن عامل ميكانيكي في شركة خاصة للمعادن، فقير وملتحٍ يعيش في بدرون مع زوجة نكدية وحفنة عيال. لا يجدُ راحةً من عناء ليله ونهاره إلّا بين يدي شيخ إحدى الطرق الصوفية، منصتاً إلى تعاليمه حول الدين والدُنيا، التي لا تفيده في الحقيقة كثيراً أمام نيران مطالب زوجته مثلاً.


أرفض أي طريق يرفض الحياة، لكنني لا أملك إلّا أن أحب الصوفية لجمالها الشديد (ن م)
عندما تنقلب أحوال البلد بعد إسقاط الملكية وصعود الضبّاط الأحرار، ثم صدور قوانين يوليو، يتراخى شغف المُريد الطيّب بجلسات الطريقة وينشغل بما يحدث من حوله وما سيعود على الفقراء منه. وتتطوّر الأمور حتى يرشّح نفسه في مجلس إدارة الشركة بعد تأميمها، ولم يعد ينقص إلّا أن يحلق لحيته، على حد تعبير شيخه الممتعض من تغيّر مريديه وانقطاع هبات الأثرياء.
وبالتوازي، في القصة ذاتها، نتابع صاحب الشركة الثري، وانهيار عالمه حينما تجرده القوانين الجديدة من امتيازاته وممتلكاته، فيغوص للأسفل درجةً بعد أخرى. في نهاية القصة وفي حوار مع صديق له من الأثرياء الذين قوّضت يوليو عالمهم أيضاً، لكنه لا يبدو مهموماً بما يحدث، وعندما يسأله صاحبنا عن اغتصاب أموالهم، يقول له وهو يضحك: حقٌ إن أموالنا قد اغتصبت، ولكن هل أدلّك على رجلٍ قد تنازلَ عن أموال لا تُعدّ ولا تحصى بلا اغتصاب؟ ثم يهز غليونه ويبدأ يقص عليه القصة العجيبة للبوذا. وهكذا تنتهي القصة الصغيرة ثاقبة الذكاء.
إذا كان ليس أمام العامل الفقير إلا شيخ طريقة في زاويةٍ ليترجّع بين يديه قطرات السكينة والرحمة كل مساء مغتسلاً من شقاء يومه، فإن الثري الذي يشاهدُ انهيار عالمه قد يتصوّف أيضاً وقد يجد غايته لدى البوذا وقصته العجيبة.
إننا أمام حركتين متعارضتين، كأنهما نقطتان تتبادلان مكانيهما، بينما نفضَ العامل عن كاهله الطريقة والشيخ بعدما ابتسمت له الدنيا، فالثري وأصحابه يبحثون عن ملاذٍ في عالمهم المهدّد بين يديّ البوذا الذي تخلّى طوعاً عن مُلك الدنيا سعياً وراء الحقيقة.
لعلّ هذه القصة تعكس وجهاً واحداً فقط من وجوه رؤية محفوظ الكاتب للتصوّف، ذلك الجانب المعبّر عنه بتهكمٍ بريء في الاقتباس السابق من حوارٍ معه. بناءً على هذه الرؤية، فإن هؤلاء الشباب المستهلكين للفنون ذات الطابع الصوفي حالياً يركضون وراء سراب في صحراء الواقع، والحلول الحقيقية لمشكلاتهم في البنك الأهلي والبنوك عموماً. وقد نُعلّق بنبرة صوفية مُسْتَلهمة من بعض أعمال محفوظ نفسه، قائلين: ليت كل مشكلات الدنيا يحلها البنكنوت. فماذا إذن كانت أزمة عمر الحمزاوي إذن في رواية «الشحّاذ»؟ فهو لم يكن معوزاً ولا مطحوناً، وقد داهمته الأسئلة من داخل نفسه، من غير أن يتهدد أمانُ عالمه البرجوازي بأدنى درجة. لكنَّ هذه قصة أخرى، وهذا وجه آخر من وجوه محفوظ الكاتب ذي الألف وجه.
والشاهد أنّ الرؤية التي تجسّدها درامياً قصة «حُلم» لمحفوظ فيها درجةٌ ما من التبسيط في تناول علاقة الإنسان بالدين وأشواق الروح على العموم، تكاد تتماهى مع الرؤية المادية الميكانيكية للواقع، لكننا قد نجدُ فيها أيضاً تحذيراً واجباً من أن يكون سعينا للحق والحقيقة مجرد رد فعل سطحي ولحظي على قسوة الدنيا واضطراب الأحوال والعجز عن الفعل الفردي والجماعي.
وقد نتساءل: ألن يجد هذا العامل الميكانيكي السابق بعدما صار عضو مجلس إدارة الشركة في نفسه أي شوق لجلسات الشيخ وكلام أهل الله وحلقات الذِكر والحضرة؟ وعلى الجانب الآخر أيضاً: ألم يكن من الممكن أن ينتبه هذا الثري وهو في أمان عِزه وممتلكاته إلى هشاشة الواقع وسرعة زوال كل شيء حتى يبحث عن البوذا وسبيل الحقيقة طوعاً لا كُرهاً؟
* روائي مصري