يتجنّب جلال النظر إلى جسده العاري في المرآة ولو صدفة، خاصة في أولى ساعات الصباح. المرة قبل الأخيرة، كانت منذ ثلاث سنوات. الأخيرة كانت قبل ٢٠ دقيقة. إنه الحزن لا المفاجأة، الترهلات التي تحيط بمنطقة الخصر لم يعد تلافيها ممكناً. الهالات السوداء تزين العينين وأسفل الإبطين. أكثر ما يؤلم لدى الرؤية هو منطقة الظهر. الحديقة الحافلة بمعالم أعقاب مخلفات حرق أعقاب السجائر، حديقة وخز الإبر بمختلف أنواعها، بداية من تطعيمات الوقاية من الطواعين في مطلع الاربعينيات، وصولاً الى إدمان الطواعين نفسها، ونهاية بآخرها قبل بزوغ الفجر بقليل بوخزتين تم غرزهمها طبقاً لتعليمات جوسياه زاينر، الشاب الأميركي موظف «ناسا» السابق، والقيادي الروحي لحركة القرصنة البيولوجية، التي توفر فيديوهاته القصيرة إمكانية التعامل المنزلي مع الهندسة الجينية، بتغيير طبيعة حياة الخلايا البشرية المسببة لمعظم الأمراض، والمطورة لنمو العديد من العضلات التي تتعرض سريعاً للضمور. بنحو ٥٠٠٠ دولار، يمكن الحصول على معمل في المطبخ يتيح فرصة التجريب بحرية أكبر في مجال إطالة العمر دون احتكار مافيا شركات الأدوية أو تعليمات عطّاري مطلع القرن العشرين التي تذوق منها الأمرين بشكل شخصي.

تمثال النور الذي حصل عليه جلال بوصفات العطارين ومصاحبة الجان، أصبح يمر بارتجافات أطول قبل وجبة الإفطار الصباحية. طقوس الاستعداد لليوم تنهش نصف ذلك اليوم، بعد كل أقراص الميتافورمين التي يتوجب ابتلاعها، كمصاص دماء للمنتج الجديد المسمى صحافياً بدم المراهقين. القرص المحتفى به بصفته الابن المدلل الجديد في مجتمع باحثي إطالة العمر. جلال ليس بحاجة إلى بناء مآذن شاهقة أو الانقطاع عن مخالطة البشر لعام كامل. جلال ليس بحاجة إلى عقد أي صفقات شيطانية. فقط عليه العثور على سبب يومي لإكمال طقوس البقاء على قيد الحياة، تجديد عقد معاشرته للزمن وتمارين المغفرة وفك لوغاريتمات المودة كل ٢٤ ساعة.
طقوس أخف شاعرية، أقل مشهدية من تفاصيل أسطورته الأولى، حتماً هي أكثر مللاً، وذلك الأخير هو الطاعون الحقيقي الذي يخشاه جلال والكفيل بإقناعه بإطفاء الأنوار والرحيل نهائياً. كلما شعر بنضارة الجسد، داهمه الغثيان. إذا كان هناك هاجس جعله النسخة الأكثر سحراً بين أبناء سلالة عاشور الناجي، فإنه فطن الى معركته الحقيقية منذ البداية، ولو كانت نتيجتها محسومة منذ البداية، فليذهب حبكم للعدالة أو النساء أو للسطوة على بضع حارات أو الفوز بولاء حفنة أتباع وحواريين إلى الجحيم. معركته الأولى كانت ألا يتم تصنيفه كضحية في ذلك المستنقع، وهو يبدو المصير المشترك لكل من عاصرهم على مدار القرن والنصف الفائت.
جلال عاشور الناجي كان عليه نسج أسطورة موته بفضل شفتي زينات الشقراء كما تم توثيقها في «ملحمة الحرافيش» حتى يمكنه مواصلة مهمته المقدسة بأقل أضواء ممكنة. أن يعود بصفته كشخصية حقيقية كان لها ملفها الخاص الذي اعتاد نجيب محفوظ إعداده عن أشخاص حقيقيين قابلهم قبل تحويلهم لأساطير على الورق. جلال الناجي يعلم أنه خاسر في عيون الآخرين، ولكنه متيقن بأنه في حقيقة الأمر منتصر أكبر بمجرد استمراره في أجواء اللعبة.
شقة جلال الحالية حافلة بمفاتيح الشقق المغلقة الأخرى التي يقتحمها للبقاء فيها على مدار عام، كقط يعيد اكتشاف الأمكنة بعد مغادره البشر. إرهاقه البدني المتكرر يمنعه من جمع علب الأدوية وسرنجات الحقن الفارغة ومخلفات معمله المتنقل، أو عشرات بطاقات الهوية المزورة، والرخص المزيفة، والصور الفوتوغرافية الممزقة، في مساحات لا تحمل قطعة ديكور حقيقية، تفصح عن وجود مؤقت لروح تسير في متاهة أبدية. إذا كان بيد جلال عاشور الناجي أن يزين شقته المتواضعة، لكان وضع على جدارها الأمامي ملصقاً مكتوباً عليه جملته المفضلة «ما أقبح الضحايا». إذا كان هناك من شخص لديه القدرة الكاملة على فهم «الحارة» الحالية بأقل قدر من الاضطراب وبأكبر قدر من المرارة المكتومة، سيكون هو جلال من بين الآلاف الأساطير الشفهية والمكتوبة.


مدينة تقتات من بيزنس
يوم القيامة الذي يحيط
بها من جميع الجهات

جلال لا يسبح يومياً إلا وسط الضحايا، عشرات القصص العابرة عن حيوات يتم تدميرها في قاهرة مقتها منذ البداية، وأضحى سعيداً بكراهيتها مع كل صباح على نحو أكبر. ولم لا وهي تثبت صحة نظريته في حصاد كل ليلة سابقة؟ جلال تحول من فتوة الى فلانور flâneur، صعلوك متجول في مدينة تدعي الحياة، يستمتع بمراقبة نفاقها أثناء اعتقادها بأنه شخص يرى العالم بسذاجة عيني طفل في الخامسة من عمره. يتلذذ باقتناص تصنّعها مدعية خفة الظل في الوقت الذي تتنفس فيه العدوانية بشراهة. مدمن للجلوس على المقاهي ذات الطراز الغربي المدمر لطبيعة المكان التاريخية، ممارساً رياضة مراقبة القاهريين، وهم يتظاهرون بوجود إيقاع مختلف لحياتهم مختلف عن إيقاع الساقية، وهم يتظاهرون بأنّ شيئاً ما يحدث، من دون أن يستوعبوا أن خداع شخص في نهاية عقده السادس عشر، أمر بالغ الصعوبة.
منذ البداية، أدرك جلال الناجي أن الخلود هو أسلوب الحياة الوحيد الذي سيسمح له بالعيش في هذه المدينة. مكان يقتات من بيزنس يوم القيامة الذي يحيط بها من جميع الجهات، بنفس صلابة أبوابها القديمة. بيزنس يبلغك بهوية أعضاء الفردوس ومن يجب الترحم عليهم، ومن يستحقون نصف فرصة للصفح، ومن يمتلكون بطاقات ممغنطة تلقائياً تسهّل عملية قطع الصراط. مندوبو مبيعات يقومون بتسهيل عملية التعاقد مع مهدي منتظر جديد كل بضعة أشهر، طالما أنّ له وجهاً وطبقة صوت، ويعلو رأسه لوغو محطة تلفزيونية لديها ربع كعكة إعلانية.
حتى جلال نفسه ينخدع بأنه أصبح أكثر قسوة، ولكنه نفس الشخص العاشق لمصارعة الديكة. أصبح يتابعها فقط على النسخة العربية من «ناشيونال جيوغرافيك». ما يلهب خياله بحق هو مصارعة الكلاب، مطارداً حلقاتها في شوارع المدينة الخلفية. إنه النشاط الوحيد الذي يشعره بالاتساق، الأقل إرباكاً، الأسهل ترجمة، وكان جلال قد قرر ضمنياً العيش في عالم ينتمي لأعمال الفنان الصيني الأصل هوان فونغ بينغ، وتحديداً قطعته المثيرة للجدل «مسرح الحياة» التي تتضمن قفصاً من ٣٠ متراً، عامراً بالمنجنيقات والأركان والحواف المدببة، وتستضيف دستة من الكائنات المختلفة، بين حشرات وزواحف وعقارب وأفاع لفترة زمنية ما، حتى تتعلم كيف تقضي على بعضها البعض تمهيداً لمنتصر أوحد أو تتعايش كلها معاً. في الحالتين، بالنسبة لهوان فونغ بينغ هي أخبار جيدة، فالسم الذي تقضي به كل الأطراف على خصومها هو نفسه الذي تسبّب في نجاة نوع على الأقل، أملاً في دورة حياة جديدة، وهي النظرية التي يشعر معها جلال بكثير من الألفة في كل مرة يتذكر فيها قبلة زينات الشقراء التي أجهزت عليه طبقاً للأسطورة الشعبية.
للوهلة الأولى، قد يبدو جلال مشروع صديق مقرّب لبطل رواية «كيف يمكن إيقاف الزمن» لمات هايج هذا الشهر، وهو الآدمي الذي يناهز عمره القرون الخمسة، يعمل كمدرس للتاريخ دون أن يعلم طلابه أنه زامل وليام شكسبير، وكان حاضراً في ألمانيا كارل ماركس. إلا أن جلال لم يكن ليطيق البقاء طويلاً دون الدخول في علاقات غرامية عابرة سطحية، أو التنقل بين عشرات المهن الخالية من أي طموح، طالما أنها تسمح له بتوفير قوت يومه، وتمويل مهمته المقدسة التي يستيقظ من أجلها في كل شروق، دون الوقوع في فخ أسئلة مات هايج الوجودية. المهنة التي تقنعه بتأجيل قرار الرحيل، وتفسر وجود شرائط الورق الطويلة بطول جدران منزله، والمدون عليها ملايين الأسماء، منها ما تعرض للشطب أو المسح أو التمزيق. التأمل فيها لن يتطلب معها وقتاً طويلاً لمعرفة أنها قوائم تصفية الحسابات الخاصة بجلال. بيزنس رائج في أسواق الظلم، عملته هي آفة الحارة الأصلية، النسيان. جلال نفسه لا يتذكر ضحاياه أو عددهم أو من أفلتوا، لا يمكنه استرجاع عشرات الحرائق التي أشعلها للقضاء على قرى كاملة ونسبت إلى مجهول. صعلوك «فلانور» لثماني سنوات وملاك مرتزق في السنة التاسعة، سنة الحصاد كما أسماها هو، المقترنة بنسائم شهر بشنس، الشهر القبطي التاسع، شهر البعث بعد أسابيع ابتلاءات وويلات الماضي. الفارق الوحيد أن جلال لا يرغب في أن تكون نسائم بالمعنى المتعارف، ولكنها أعاصير من النوع الذي تنحني له «الحارة». إنه الفعل الوحيد الذي أغفله كل الحرافيش، واستوعبه جبل ومدار العقود الستة عشر الماضية، بصفته الناجي الوحيد الحقيقي من سلالة عاشور، مهديها المنتظر، ومخلصها القادم بعد تيه، من أجل صنع عالم خالٍ من الضحايا القبيحين. جلال يعلم أن الجميع سيحتفي به بعد طول غياب، لكن دون أن ينصتوا بحق للسؤال الذي شغله منذ الوهلة التي شاهد فيها رأس أمه المهشمة في سن الرابعة: «ماذا لو كان مهديكم المنتظر شخصاً بشعاً بالغ القسوة؟».
* كاتب ومخرج مصري مقيم في اسبانيا