قلة هم الروائيون الذين توقفوا عن إسقاط نظراتهم، ليمنحوا القارئ تذكرة سفر إلى دواخله بنقل مشهد مفتوح كامل التفاصيل والانفعالات، لا رؤية فيه، يخوض في لانهائية الاحتمالات.

من بين هؤلاء القلة القليلة، أجد نجيب محفوظ. وأصنفه بذائقتي، من أصحاب العبقرية النادرة؛ لا تلك العبقرية التي يكتفي بها أبناء الطبيعة المدللون، بل تلك التي يصقلها أهل العقل والشغف والمثابرة، أصحاب الارادة الفوق بشرية.

قلت إرادة فوق بشرية؟ أجل، هذا تماماً ما أصدق أن نجيب محفوظ قد بلغه، وهو الذي ذهب في رحلته إلى التخلص من هوس التشبث بالتاريخ، ومحاولات الرسالة والوعظ، لينتهي بالتجرد من الحاجة البشرية إلى المعنى والتسليم بالمطلق.
في نقاش مع صديق حول هذه الفكرة، أيدني قائلاً: نجيب محفوظ كان شخصاً حكيماً، بلغ حداً من اللامبالاة، إلى أن لا خطابة في الرواية، ولا غاية سوى الانتصار للقصة ولإبداع الاسلوب.
انفعلت، وأجبت بكل ثقتي العاطفية؛ حاشى محفوظ أن يكون لامبالياً، وهو الذي أقحمنا في ورطات عاطفية مع حارات طفولته وعوالمها (خان الخليلي، زقاق المدق، بين القصرين، قصر الشوق)، وبثنا حبه للإسكندرية مسرح المفاجآت والاثارة. وصفنا خلفه في مواقفه من النظام المصري («ثرثرة في النيل» ورواية «ميرامار»). ولقّننا كيف تكون العائلة وكيف نجدد ميثاق إيماننا في تحفته «أولاد حارتنا» وما حملته من نقد، وما خلفته من نبش وعنف عرى سوءة تديننا أمام الفكر. وكيف نخوض تجربة الوجود بثقلها وسئمها (الشحاذ) ونهجئ معاني الخير والشر كما نطقها (الخير لا ينهزم والشر لا ينتصر، ولكننا لا نشهد من الزمان إلا اللحظة العابرة، والعجز والموت يحولان بيننا وبين رؤية الحقيقة).
حاشى نجيب اللامبالاة، وهو من آمن بسلطة الكلمة ومقدرة المبدع، بل يذهب اعتقادي إلى أنه انتهى إلى الثقة في قدرته وكمال فنه حتى تجاوز متطلبات انسانيته، واكتمل تصوّره عن نفسه كرب. لا يتعلق بالنواهي والأوامر وإثبات المواقف، بل يلتفت إلى مهمة واحدة: الإحياء والخلق.
والعبقرية كل العبقرية أنه لم يولد رباً، بل ابتدأ رحلة البحث من أولها، لينتهي للانصهار حراً في تجربة الوجود وتجربة الكتابة على حد السواء.
محفوظ الذي تجاوز ملحمات الرسل ورسائل الأنبياء، قتل الراوي الله فيه وصفى رباً مطلقاً، شاسع الادراك، لا موضوع له سوى الحياة وحاراتها، يتسلى بمصائر شخصياتها، يعرضها كما هي في لا نهائية من التفاصيل الدقيقة المتشابكة التي يختلط فيها كل شيء. ولا يستوعب ثقلها معنى العبث.
«القاهرة 1930» من تلك النقطة من الزمكان، انطلق محفوظ فكراً متوجّهاً يستكشف العالم، ابن لموظف من الطبقة الوسطى في القاهرة، من بيئة متديّنة.
ابتدأ مشواره الأدبي بهوس غرّ بالتاريخ والتأريخ في بحث فلسفيّ مراهق عن الأصل. أسئلته التي ألحّت عليه ليختار الفلسفة مادة والجمال في الفلسفة الإسلاميّة موضوعاً.
جاءت أول أعماله، الثلاثية التاريخية، ترجمةً لتساؤلاته الفلسفيّة وفضوله الطفولي في تقصّي الأثر. حتى التحق بسرعة إلى لحظة الحاضر، بذهن متّقد ووعي حاد بالزمن والمكان وموقعه الفلسفي منهما. هذا الموقع الذي سيكون حدث التحديث في الرواية العربيّة. تخلّى محفوظ طوعاً عن أي نبوّة أو زعامتية أو أبويّة أخلاقيّة، ووقف عند مسافة موقف المحلل لديناميكية اجتماعيّة متشابكة، نجح في تقديمها بذكاء أمانة وصدق، في ما سيصنَّف لاحقاً بالواقعيّة الاجتماعيّة. واقعيّة لا تخلو من عاطفة دافقة وانحياز صريح لهذه العوالم وشخصياتها. جعل من الثلاثية جوهرة أدبية تضاف إلى المجموعة الإنسانيّة.
بعد النكسة، أصبح من الصعب لمحفوظ الاكتفاء بالمراقبة والتحليل، حتى كتب وهو الفائض بمصريته: «لم يعد الوطن أرضاً وحدوداً جغرافية ولكنه وطن الفكر والروح». وكانت نقطة قطعه مع الواقعية ليعود إلى الرمزية والملحمية الأسطورية في رواية «الحرافيش».
وجاءت أعماله في تلك المرحلة وعاءً لمواقفه من عبد الناصر وترجمة لتساؤلاته عن دوره وموقعه، هو المحب الفيلسوف الواقعيّ القلق، المسلّح باللغة.
لكن وعيه المميز بالزمكان، وديناميكيات السلطة، وتغيرات المجتمع، وإمكانيات الكتابة، وامكانيات موقعه كذات وامكانيات موقعه كأديب، وضعته أمام خيارات جديدة، فانتهج السينما شاشة أوسع إلى الجمهور.
وبعد مشوار من الواقعيّة الرمزية النّاقدة، والتدريب على اشكاليات الموقف وزوايا الحكي، انتهج الانتصار للامحدودية إبداعه، متحرّراً من أي موقف، اسقاطات أو انتصارات... لتكتمل ذات الراوي من كونه مبدعاً ينتصر لمعاركه، إلى رب مطلق في مدى الحكايات. وتأتي بعض أعماله («أفراح القبة»، «حديث الصباح والمساء») تمثلاً حقيقياً لهذه الربوبية، إذ تقدم الشخصيات نفسها بنفسها. تكون الحكاية عائمة بلا هيكل من بين آثار الشخصيات.
ويكمن الإعجاز عند محفوظ في رحلته ليكتمل راوياً، رحلته التجريبيّة في أساليب السرد وأجناس الكتابة. رحلته المتجددة محمّلة بالتساؤلات والشك والمثابرة، انتهت لتحققه ربّاً ساخراً، مرحاً، متمكنّاً من شخصياته، يعبث بأقدارها ولا يتورّط معها، لا تحرّكه سوى مشيئته ونزواته واكتمال قدرته.
بعدما تعرض لمحاولة اغتيال على يد متطرف ديني اعترف أنه لم يقرأ رواياته ووجد نفسه يحقق في المباحث عن صحة إيمانه من عدمه، أغلب الظن أن محفوظ انتهى إلى تفاهة هذا التبارز وخلوه من المعنى.
لكن إن ذهب بعض الأدباء الباحثين في جوهر الوجود إلى الإقرار بعبثية الحياة والذهاب إلى اللامبالاة، كما أقر الأديب التشيكي المعاصر كونديرا في آخر أعماله «حفلة التفاهة» (أدركنا منذ زمن طويل أنه لم يعد بالإمكان قلب هذا العالم، ولا تغييره إلى الأفضل، ولا إيقاف جريانه البائس إلى الأمام. لم يكن ثمة سوى مقاومة وحيدة ممكنة: ألّا نأخذه على محمل الجد)، فإن محفوظ بقي في منأى عن هزيمة الانسحاب وخدر المبالاة. بقي واثقاً حتى النهاية، مطلقاً ضحكته المتدفقة في وجه الحياة. يقول في آخر أعماله «أحلام فترة النقاهة»: «وجدت الطمأنينة في موضع لا يتطلع إليه طماع ولا ينظر إليه ذوو الطموح»، متجرداً بذلك من كل صراعات الألوهة وملاحمها. ويطمئن موقناً بسلطة الخلق وأثره.

* شاعرة تونسية