طوال السنوات الماضية، احتلّ البقاع الشمالي صدارة الحدث الأمني والسياسي اللبناني، في ظلّ الخطر الذي شكّلته الجماعات الإرهابية في الجرود الشرقية على لبنان، والهزيمة التي ألحقتها بها المقاومة والجيشان اللبناني والسوري قبل أشهر. إلّا أن دائرة بعلبك ــ الهرمل ومقاعدها النيابية العشرة، لا تزال حتى الآن في خلفيّة المشهد الانتخابي، مع اقتراب موعد بدء الترشيحات للانتخابات النيابيّة المقبلة.


لبعلبك ــ الهرمل حكاية خاصّة. هي خزّان المقاومة البشري، ومعقل حزب الله العتيد، الذي يحفظ فيه أهله للأمين العام لحزب الله السيّد حسن نصرالله مكانةً خاصةً. لكنّها أيضاً منطقة وعدت بأن تتحوّل لمحافظة، فنالت هيكلاً أجوف وتسمية ليس أكثر. وهي أبرز النماذج عن الإهمال الرسمي والسياسي للأطراف، حيث لا إنماء ولا مؤسسات فاعلة للدولة، ومواطنون يكابدون كلّ يوم لأجل أبسط الحقوق، في الحصول على الماء والكهرباء والبنية التحتية والتعليم والطبابة وإنجاز المعاملات، أمام ظروف جغرافية ومناخية صعبة.
خلال الاستحقاقات السابقة، كان القانون الانتخابي الأكثري يحسم المعركة لمصلحة لائحة حزب الله وحركة أمل وحلفائهما من الأحزاب، كالحزب السوري القومي الاجتماعي وحزب البعث العربي الاشتراكي. إلّا أن القانون النسبي، هذه المرّة، يسمح للقوى الأخرى، كتيار المستقبل والقوات اللبنانية وحلفائهما، في حال التحالف، بالحصول على مقاعد على حساب مرشّحين من لائحة الأحزاب. وإن كانت المنطقة ذات الغالبية الشيعيّة تعتنق نهج المقاومة السياسي، إلّا أن القانون النسبي والصوت التفضيلي قد يدفعان حزب الله إلى إعادة التدقيق في أسماء المرشّحين الذين يشكو الناس من تكرار ترشيح بعضهم، طالما أن المواطنين في البقاع الشمالي سيختارون هذه المرّة أشخاصاً محدّدين، وليس النهج السياسي فحسب.
لا تزال اللجنة المركزية في حزب الله، المكلّفة بإدارة الانتخابات النيابية، برئاسة نائب الأمين العام للحزب الشيخ نعيم قاسم، «تجوجل» المعطيات الانتخابية في البقاع الشمالي، من دون اتخاذ قرارات حاسمة، بانتظار الأسبوع المقبل لبدء حسم الأسماء والمقاعد، فيما التحالفات مع قوى 8 آذار محسومة، على أن يتّضح إمكان التحالف من عدمه مع التيار الوطني الحرّ. بدورهما، ينشط رئيس اللجنة الانتخابية لحركة أمل مصطفى الفوعاني ونائبه الإعلامي عباس ضاهر في عقد اللقاءات الانتخابية في القرى، للتحشيد لمصلحة اللائحة ومرشّح الحركة.


بدأ السيّد بالعمل
على ماكينته الانتخابية لحجز
أصواته التفضيلية


وعلى رغم أن الحسم ينتظر الأيام المقبلة، إلّا أن الملامح الأوليّة للائحة الأحزاب بدأت بالتكوّن، أوّلاً لجهة حسم «الحصص» من المقاعد الشيعية، بحصول حركة أمل على مقعد واحد هو مقعد الوزير غازي زعيتر، الذي من المرجّح أن يبقى ممثّلاً للحركة في الدائرة، وحصول حزب الله على أربعة مقاعد شيعيّة، فيما سينتقل المقعد السادس من النائب عاصم قانصوه إلى المدير العام للأمن العام السابق اللواء جميل السّيد. ويتحفّظ السيّد على الإدلاء بأي معلومات حول أمر ترشّحه، بينما علمت «الأخبار» أنه تم إبلاغه رسميّاً بأنه سيكون مرشّحاً على اللائحة، وهو بدأ بالعمل على ماكينته الانتخابية لحجز أصواته التفضيلية. كذلك الأمر، يتمسّك حزب الله بالمقعدين السنيَّين، اللذين يشغلهما الآن النائبان كامل الرفاعي والوليد سكريّة. وتشير المصادر إلى إمكان لجوء حزب الله إلى دعم ترشيح الشيخ بكر الرفاعي. يتحفّظ الرّفاعي في اتصال مع «الأخبار» على تأكيد أو نفي هذه المعلومات، إلّا أنه يؤكّد أن أكثر من جهة اتصلت به، ولا يزال يدرس خياراته. كذلك يجري الحديث عن نيّة حزب الله ترشيح أحد أبناء عرسال على لائحته، بحيث يُبقي التوازن قائماً بين مرشّح سنّي من بعلبك وآخر من البقاع الشمالي.
ولا شكّ في أن الحديث عن إعادة ترشيح حزب الله الوجوه والأسماء ذاتها يثير امتعاضاً كبيراً داخل العائلات والبيئة الحاضنة للحزب. ولهذا الامتعاض أسبابه التي تلخّصها أكثر من فعاليّة محسوبة على المقاومة في الهرمل وبعلبك بأنها نتيجة لـ«الإهمال» الذي تعاطى به نوّاب الحزب مع البقاع الشمالي، ونتيجة لـ«الفشل الذي سجّلته معظم البلديات المحسوبة على الحزب في الإنماء وتحسين شروط الحياة». في المقابل، تقول مصادر أخرى إن لجوء حزب الله إلى تكرار ترشيح بعض الأسماء، يساعده على تخطّي أزمة وجود عدد كبير من الطامحين إلى الترشّح، في منطقة معقّدة التركيبة العائلية والعشائرية والدينية والمناطقية والمذهبية.
وفي ما خصّ المقعدين الكاثوليكي والماروني، لا يزال البحث جارياً لتحديد البديل من نائب الحزب القومي مروان فارس. ويؤكّد أكثر من مصدر أن مشاورات تجري لترشيح الحزب القومي الوزير السابق ألبير منصور عن المقعد الكاثوليكي، على أن يكون نائباً من نواب الكتلة القومية. ويقول منصور لـ«الأخبار» إنه لم يتبلّغ شيئاً حتى اللحظة، لكن «كلّ شيء وارد، وأنا من ذات نهج وخطّ القوميين، ويشرفّني أن أكون معهم في الكتلة». إلّا أن مصادر معنية في الحزب القومي تؤكّد أن قيادة الحزب لم تحسم خياراتها حتى اللحظة. لكن الحديث عن ترشيح الحزب القومي مرشّحاً ليس عضواً فيه يسبّب امتعاضاً عند القاعدة القومية في البقاع الشمالي، التي يتمثّل فيها القوميون تاريخيّاً. وهذا الاعتراض على ترشيح منصور يتشارك فيه القوميون مع أعضاء التيار الوطني الحرّ في البقاع الشمالي. ويؤكّد مصدر معني في التيار لـ«الأخبار» أن «ترشيح منصور يضعف اللائحة، وأصوات القاع وراس بعلبك ستصبّ في مصلحة مرشّح القوات نكايةً بترشيح منصور»، بعدما هاجم الأخير، قبل أسبوعين، الرئيس ميشال عون. غير أن مصادر رفيعة المستوى في قوى 8 آذار تؤكّد لـ«الأخبار» أن «ترشيح منصور على اللائحة يساعد بشكل كبير في ضمان عدم حدوث خروقات من أيّ لوائح مقابلة، خصوصاً في حالة المقعد الكاثوليكي». بدوره، لم يحسم التيار الوطني الحر أسماء مرشّحيه في الدائرة بعد. وفي الوقت نفسه، يجري الحديث عن سعي لترشيح النائب السابق طارق حبشي على لائحة الأحزاب، مكان النائب إميل رحمة، في ظلّ ترشيح القوات اللبنانية طوني حبشي.
أمّا على الضفة المقابلة، فحتى الآن لم تحسم القوى المناوئة للائحة الأحزاب أسماء مرشّحيها، عدا القوات اللبنانية، التي تسعى للفوز بالمقعد الماروني. إلّا أن المرجّح تشكيل القوات وتيار المستقبل لائحة مشتركة. ويبحث مهندسو هذه اللائحة عن «غطاء شيعي» لا يؤمّنه سوى مرشّح مثل الرئيس حسين الحسيني. الحسيني الذي أشار لـ«الأخبار» إلى أنه لا يزال يدرس «المعطيات الانتخابية» قبل الشروع في تشكيل لائحة، أكّد أنه «حتى اللحظة لم أتواصل مع القوات ولا المستقبل». ويستبعد أكثر من مصدر في قوى 8 آذار أن يدخل الحسيني في تحالف مع القوات، بينما لا تستبعد المصادر أن يشكّل لائحة مع المستقبل. وتقول مصادر تيار المستقبل في المنطقة إن «التيار حتى الآن لم تتضح أمامه كامل الصورة ليحسم أسماء المرشّحين، والماكينة الانتخابية بدأت عملها لكن ببطء». ويجري تداول اسم المرشّح فادي يونس من بين أسماء لائحة الحسيني، فضلاً عن اسم رئيس بلدية بريتال السابق عباس زكي إسماعيل ومرشح من آل ياغي (غالب أو عبّاس ياغي). ويستبعد أحد المعنيين بملف الانتخابات في المنطقة أن يدخل إسماعيل في لائحة واحدة مع القوّات، بغضّ النظر عن علاقته بحزب الله، فـ«لبريتال حسابات دقيقة». ويضيف أن «الجميع يدرك أن المرشّحين الشيعة على لوائح القوات سيكونون بمثابة رافعة لهذه اللائحة ولا مجال لهم للفوز، بل سيكون الخرق في حال حدوثه لمصلحة المرشّح القواتي».
ولا يقف أمر اللوائح عند القوات والمستقبل والحسيني، إذ يؤكّد الوزير السابق فايز شكر لـ«الأخبار» عزمه على تشكيل لائحة تضمّ «مرشحين من الهرمل وبعلبك، بينها سنّة وشيعة ومسيحيون، إناثاً وذكوراً». وفيما رفض شكر الإعلان عن اسم أيّ من المرشحين، أكّد ثقته بأن لائحته «ستحصّل حاصلاً انتخابياً يسمح لأحد أعضاء لائحتي بالفوز».
كذلك الأمر، يعتزم علي صبري حمادة تشكيل لائحة في وجه لائحة الأحزاب، ويؤكّد أنه «لا مانع لدي من التحالف مع القوات أو المستقبل»، مشيراً إلى أن معالم لائحته ستتوضّح في الأيام المقبلة.
ومع أن حزب الله وحلفاءه واثقون من أن أيّ لائحة مقابلة لن تستطيع تحقيق خرق يتعدّى حاصلين انتخابيين، نظراً إلى وجود عددٍ لا بأس به من الناخبين السنّة الذين يدورون في فلك تيار المستقبل وقاعدة القوّات اللبنانية في بعض القرى، إلّا أن المعنيين يراقبون الحركة السعودية تجاه الملفّ الانتخابي، والحديث عن أن منطقة بعلبك ــ الهرمل التي تعدّ «عقر دار» حزب الله، هي المكان المناسب لصرف الأموال والجهد، في محاولة لتحقيق خروقات كبيرة في لائحة الحزب وحلفائه.