لم يخطر ببال لبنانيي ساحل العاج أن يكونوا يوماً شرارة لمعركة ضروس في وطنهم الأم على بعد أكثر من ثلاثة آلاف ميل. فيما كثير منهم لا يفهم اللغة العربية جيداً، كيف يمكنهم أن يستوعبوا أن مؤتمر الطاقة الاغترابية الذي تنظمه وزارة الخارجية والمغتربين، والذي ظنوه التعويض الرسمي عن عقود الإهمال والتناسي الطويلة، تحول إلى قنبلة انفجرت بهم وبالشارع اللبناني.


على خلفية دعوة حركة أمل لأفراد الجالية اللبنانية في ساحل العاج بمقاطعة فعاليات المؤتمر (مقرر عقده في الثاني والثالث من شباط المقبل) إثر اتساع الخلاف بين الرئيسين ميشال عون ونبيه بري، وَصَفَ وزير الخارجية والمغتربين جبران باسيل بري بـ«البلطجي». وصف أشعل الشارع اللبناني وأحرج من كان لا يزال يصر على المشاركة. حتى ما قبل انتشار الشريط المصور الذي يوثق كلام باسيل عن بري، كان رئيس غرفة التجارة والصناعة اللبنانية في ساحل العاج جوزف خوري وعدد من أعضاء الغرفة، إضافة إلى فعاليات وأفراد من الجالية، يصرون على المشاركة، فاصلين بين الخلافات السياسية المحلية وبين أهمية المؤتمر في الاغتراب وبالنسبة إلى الدولة العاجية التي ستشارك في الفعاليات بوفد رسمي وزاري ونيابي رفيع. لكن تداعيات خطاب «البلطجي» بين بيروت وأبيدجان، دفع خوري وزملاءه إلى إعلان الانسحاب والمقاطعة، داعين باسيل إلى تأجيل المؤتمر «إلى موعد آخر تكون فيه الظروف مواتية لكي يشارك ويستفيد الجميع». في بيان صادر عنه، قال خوري إن مقاطعته «نابعة من حرصه على وحدة الجالية وقطعاً للطريق أمام الشرخ الذي قد يسببه عقد المؤتمر في هذه الظروف».
مصادر مسؤولة في الجالية أوضحت لـ«الأخبار» أن مقاطعة خوري وسائر من كان سيشارك في المؤتمر، فرضتها التهديدات التي أطلقها بعض الشبان بالتهجم على باسيل وتنظيم تحركات في مكان عقد المؤتمر رفضاً لزيارته. من هنا، ناشد خوري «معاليه» تأجيل زيارته «تجنباً للإحراج». انضمام خوري إلى المقاطعين، أنتج مقاطعة لبنانية شاملة للمؤتمر. فيما أعرب باسيل في وقت سابق إصراره على عقد المؤتمر، ولو حضر شخص واحد. فهل يبقى باسيل على إصراره، أم يعلن تأجيله، علماً بأن اقتراحاً جرى تداوله قبل نشر الفيديو، كمخرج وسطي، نص على تأجيل المؤتمر إلى نيسان المقبل؟ لكن ماذا عن تداعيات الانقسام واحتمال التأجيل على موقف الجالية أمام الدولة العاجية؟ المصادر أقرّت بـ«المأزق الكبير الذي تورطت به الجالية بسبب خلافات لا علاقة لها بها»، طالبة من باسيل التواصل مع المسؤولين العاجيين وشرح الموقف.
قبل انتشار الشريط، كانت تتوالى البيانات المنسوبة إلى الجاليات اللبنانية في دول أفريقيا، داعية إلى تأجيل المؤتمر، فكيف الحال من بعده؟ قبل ظهر أمس، توجه نحو ثلاثين شاباً من أفراد الجالية إلى مقر السفارة اللبنانية في أبيدجان، حاملين بياناً مذيلاً بتوقيع «أبناء الجالية» يدعو إلى تأجيل المؤتمر واعتبار زيارة باسيل لساحل العاج غير مرحب بها بعد التهجم الشخصي على بري. أحد المشاركين، حسام زرقط، أوضح في اتصال مع «الأخبار» أنهم توجهوا لتسليم البيان للقائم بأعمال السفارة خليل محمد، ومستشار باسيل بشير سركيس، المكلف الإشراف على التحضيرات للمؤتمر. خلال التسليم، حصل تلاسن بين الشبان وسركيس، قبل أن ينسحبوا من المقر.