أصدر مجلس الوزراء في جلسته في 18/1/2018 قراراً بفتح فروع لكليات ومعاهد الجامعة اللبنانية في محافظتي عكار وبعلبك ــــ الهرمل وفي كسروان ــــ جبيل.

هذا القرار مخالف للقانون نصّاً وروحاً. إذ أن الجامعة اللبنانية تبعاً للقانون الذي يحكمها (قانون 75/67) هي «مؤسسة عامة تقوم بمهام التعليم العالي الرسمي...

وتكون فيها مراكز للأبحاث العلمية والأدبية العالية متوخية في كل ذلك تأصيل القيم الإنسانية في نفوس المواطنين» (المادة 1)، وهي «شخصية معنوية، تتمتع بالاستقلال العلمي والإداري والمالي، ولوزير التربية والتعليم العالي حق الوصاية عليها» (المادة 2).


فرعا العلوم في العاصمة يشكوان نقص المختبرات والتجهيزات، فكيف سيكون الحال مع فروع الأطراف؟

يعني هذا أنّ الجامعة، تبعاً للقانون، مؤسسة عامة لها إستقلالها العلمي والمالي والاداري. ويعني هذا التوصيف وذاك الاستقلال خصوصية تفرضها المهام الموكلة اليها، وهي اثنتان: التعليم والبحث العلمي. اما المهمة الثالثة غير الملحوظة بالنص، فبديهية بحكم التكوين، وهي إنتاج نخبة موحًدة وموحِدة. بذلك، تكون السلطة السياسية خالفت في قرارها هذا المهام المناط بالجامعة إنجازها.
فهي خالفت المهمة الأولى، التعليم، بعدم تقدير حاجة هذا التعليم إلى المختبرات والمكتبات التي لم توفرها للكليات وللفروع الاساسية في الجامعة، علماً أنّ الفروع المزمع إقامتها تتطلب مثل هذه التجهيزات. ففرع كلية العلوم في البقاع، وهو فرع قديم، من دون مختبرات. وكذا فروع الجامعة الأخرى، بما فيها فرعا العاصمة، تشكو النقص في المختبرات والتجهيزات. فكيف سيكون الحال مع فروع الأطراف؟
وهي خالفت المهمة الثانية بعدم تقدير اهمية البحث العلمي في الجامعة، وأركانه: توفير المناخ للتفاعل بين الأساتذة والطلاب، توفير المكتبات والمختبرات، ورصد الموازنات. فكيف يمكن أن تنجز هذه المهمة في فروع، وهي شبه مفقودة في الفروع الأخرى، لا بل تشكو الجامعة ككل من ضعف البحث، وإنْ تعددت أسبابه.
وهي خالفت المهمة الثالثة في إنتاج النخبة الموحًدة والموحِدة. فالجامعة، أية جامعة، بالتكوين، منوط بها إنتاج نخبة للجماعة التي أسستها.

تيسير التعليم حق مشروع
للجميع لكن شرطه ان يكون تعليماً تتوافر كل مستلزماته

والجامعة اللبنانية، كجامعة للوطن، أناط بها مؤسسوها، السلطة والطلاب، إنتاج هذه النخبة. وهي اليوم مدعوة للقيام بهذه المهمة، بعد التشظي الطائفي والمناطقي الذي أصاب البلد على مدار 40 عاماً. وتشكل الجامعة أحد موقعين لإنجاز هذه المهمة الثانية، وبهذا يشكل قرار فتح فروع في المناطق خرقاً لهذه المهمة واستمراراً لحالة التشظي، وربما تعمّد ذلك.
ويمكن ايضاح تصور المؤسسين لهذه المهمة. فوزير خارجية لبنان، حميد فرنجية، قال في خطاب اختتام المؤتمر الثالث للأونيسكو في بيروت عام 1948 إنّ «لبنان يأمل أن يرى في هذا المكان جامعة لبنانية تكون روحها روح الاونيسكو»، وقال رئيس مجلس الوزراء، رياض الصلح، في جلسة مجلس النواب في 13 شباط 1951 «ليست الجامعة مدرسة للتعليم بل بيئة وطنية تجمع أبناء البلاد جميعاً، كما سيجمع الجيش تحت لوائه أبناء البلاد جميعهم... وإنّي أرجوكم أن تلبوا رغبة هؤلاء الطلاب... لكي تنشئوا لهم جامعة وطنية تصهرهم في بوتقتها وتكون لهم بيئة صالحة». كما أعلنت اللجنة الأولى لطلاب دار المعلمين في اضرابها في 13 شباط 1953: «... وهكذا نجد أنّ قيام الجامعة اللبنانية في العام الفائت، كان بمثابة مقدمة للقضاء على التوجيه الرجعي المقيت، وفاتحة للإستقلال الفكري بعد الإستقلال السياسي... ومدار الإضراب أيضاً تعزيز هذه الجامعة لتكون ملجأ لكل لبناني».
اذا كان القرار مخالفا لمنطق قانون الجامعة وروحه ونصه وللمهام الموكلة اليها، فما المبرر لإقدام مجلس الوزراء عليه؟
قد يكون الدافع غيرة المجلس على أبناء المناطق ومحاولة تسيير ولوجهم التعليم الجامعي.

إنماء المناطق يكون بالمشاريع
المنتجة وتأمين فرص العمل لا بفتح ثانويات مسائية للطلاب

وقد يكون إنماء هذه المناطق، كما ادعى قرار سابق لمجلس الجامعة، بالأغلبية. كما قد يكون رغبة مكوّنات الحكومة في تقديم خدمات لمناطقهم، خصوصاً قبيل موعد الانتخابات النيابية. وكل هذه المبررات مشروعة. لكن التدقيق فيها يسقطها.
فتيسير التعليم حق مشروع للجميع، وخصوصاً للمتعذر وصولهم إلى مصادره. إلاّ أنّ شرطه انْ يكون تعليماً، بتوفير مستلزماته كافة. وهذا، كما هو ملاحظ في مسيرة الجامعة ككل، غير متوفر، فيكون البديل تقديم منح وطنية أو منح للمتفوقين أو تقديم النقل المشترك المجاني، وبهذا يكون تيسير التعليم للمتعلمين حقاً، لا لغيرهم، ويصرف المال الذي سيرصد لتعزيز الفروع الأم.
وإنماء المناطق حق مشروع، أيضاً، وهذا ما نصّت عليه وثيقة الوفاق الوطني. والإنماء هو، بالاساس، إنماء اقتصادي يكون بالمشاريع المنتجة وتصريف الإنتاج، وتشجيع الزراعة وتأمين فرص العمل، لا بفتح ثانويات مسائية للطلاب، وأهلهم نازحون إلى المدن، وقد أثبتت تجربة الشُّعب المقامة، سابقاً، قلة عدد طلابها للنزوح الكبير من الريف.
ورغبة القيمين على الأمر تأمين مصالحهم أمر مشروع. إلا أنّ هذه المشروعية تسقط عندما تتجاوز حدود القانون وحدود المصلحة العامة. والمصلحة العامة، هنا، أنْ تكون للبنانيين جامعة حقاً، تتوفر فيها مقومات التعليم والبحث وتجهيزاتهما، وأنْ تكون الجامعة مختبراً لإنتاج نخبة وطنية.

بيّنت تجربة الشُّعب المقامة، سابقاً،
قلة عدد الطلاب بسبب النزوح
الاقتصادي الكبير من الريف


وعليه قد يكون الأجدى والأصوب أن يستعاض عن قرار فتح فروع جديدة في الجامعة، وهو مكلف مالياً، بقراري، غير مكلفين:
الأول: الدعوة الى مؤتمر علمي لدراسة وضع الجامعة ووضع استراتيجية وطنية لهيكلتها ولتعزيز دورها التعليمي والبحثي والوطني، وقد يكون للمناطق موقعها في هذا. فهناك، مثلاً، ارض مخصصة لكلية الزراعة قرب رياق لم يعمل على بنائها، وهناك عدة مشاريع قوانين للجامعة أنتج أحدها بالتعاون مع رابطة الأساتذة المتفرغين ورئاسة الجامعة في التسعينيات، وأنتج آخر بالتعاون بين نخبة من الأساتذة ورئاسة الجامعة في مطلع هذا القرن، ولم تدفع مجالس الوزراء المتعاقبة إلى اقرارهما او إبداء الملاحظات عليهما.
الثاني: العودة عن قرارات اتخذتها حكومات سابقة عطلت فيها عمل مجلس الجامعة وحدّت من استقلاليته، بحيث انتقلت قضايا الجامعة من حقل العلم والتعليم والبحث وشروطه الى حقل السياسة وشروطها، الأمر الذي أدى إلى تراجعها، ومن هذه القرارات: القرار 42 في 19/3/1997 الذي سحب صلاحية التعاقد مع الأساتذة من مجلس الجامعة وحصرها بمجلس الوزراء، والقرار 36 في 23/12/1999 الذي سحب صلاحية ترفيع الأساتذة من مجلس الجامعة وحصرها بمجلس الوزراء، وكان لهذين القرارين مفعول مدمر، بادخاله التفرغ والترفيع في بازار السياسة والمحاصصة.
فالجامعة اللبنانية تستحق أنْ تُلحظ استراتيجياً، لا تكتيكياً، وأنْ تُدفع لتكون منارة في التعليم والبحث وإنتاج النخبة، لا ان تكون منتشرة على مستوى الوطن ومنشورة من جذعها الأكاديمي والتوحيدي.
*أستاذ جامعي متقاعد