القاهرة | تشكو العجوز الفقيرة فقدان أبنائها الخمسة عشر، وبقاءها وحيدة من دونهم. تتساءل باكية أمام الضريح المحروق للشيخ التلاوي «الموت ما بياخدش غير الصغار، ولما نكبر ونعجّز ونقول يا موت. ما يجيلناش.. هوة عِند (عناد)؟!» في ذلك المشهد، وهو الأخير في شريط «للحب قصة أخيرة» (1986)، يطرح رأفت الميهي، في فيلمه الثالث مخرجاً، سؤاله الوجودي حول الموت والحياة. المرأة العجوز الباكية «كومبارس» لا دور لها في الفيلم سوى في مشهده الأخير.


لكن السؤال نفسه، بصيغة مختلفة يتكرر على لسان الطبيب حسين (عبد العزيز مخيون)، محاولاً إقناع سلوى (معالي زايد) بالتمسك بالأمل في نجاة زوجها رفعت (يحيى الفخراني) من المرض. يقول حسين: «أمي عندها 95 سنة، ترقد عاجزة منذ 15 عاماً، تتمنى الموت ولا يأتي، كل صباح أوقظها متوقعاً أن أجدها ميتة، لكني أجدها تتنفس».
كان الطبيب يقصد ـــ ظاهرياً ـــ أنّ الموت ليس قدراً عاجلاً بالضرورة، وأن الحياة قد تجد طريقها وتؤجل الفناء لسنوات وسنوات. لكن الرسالة الباطنية، رسالة المخرج رأفت الميهي، كانت واضحة «الموت والحياة عبث غير مفهوم، من يطلب الموت لا يجده. ومن يريد الحياة مثل المدرس رفعت (الفخراني)، فإنها تتخلى عنه».
غير أنّ «للحب قصة أخيرة» لا يقتصر على المأساة والدموع. فللحب ــ كما يقول عنوان الفيلم ـــ قصصه، والحب هو المحرك الأساس للأحداث. من أجل الحب خسر المدرس رفعت ميراثه من أهله حين أصر على الزواج من سلوى الغريبة عن «جزيرة الوراق».


طرح في «للحب قصة أخيرة» سؤاله الوجودي حول الموت والحياة
والحب أبقى الطبيب حسين تحت أقدام أمه يخدمها 15 سنة، تاركاً زوجته وطفليه في القاهرة. والحب هو ما ألغى الحزازيات الطائفية، فجعل من أهل الجزيرة جميعاً أبناء للمسيحية الوحيدة «دميانة». والحب أيضاً هو ما جعل عبد العزيز (عبد الحفيظ التطاوي) ينتظر كل يوم عودة ابنه الغائب منذ 15 سنة، بينما يعرف أهل «الوراق» جميعاً أنّ الابن قد مات، وتخفي عنه الزوجة، أم الولد الغائب، قصاصة الجريدة التي نشرت موت ابنهما قتيلاً. أما الأب، فيؤمن أن ابنه ليس القتيل بل القاتل، وإنه هارب في الجبال وليس مدفوناً تحت الأرض، وإنه سيعود ذات يوم.
وتؤمن أم المدرس رفعت (تحية كاريوكا) بأنّ حب الزوجة الحقيقي قادر على فعل المعجزات. تقول لابنها في معرض رفضها لزواجه من سلوى الغريبة، إن الزوجة الحقيقية تغني زوجها إن كان فقيراً، و»تشفيه إن كان مريضاً». يتوقف رفعت (الفخراني) مندهشاً ومكرراً وراءها: تشفيه؟!!
لكن لا الزوجة ولا الطب ولا معجزات الشيخ التلاوي تشفي رفعت. ويعود الحب مجدداً إلى التدخل ليخلق سعادة موقتة لسلوى، يتفق رفعت وطبيبه حسين على اختلاق واقعة وهمية: بيانات المرضى تبدلت بالخطأ، واتضح أن رفعت سليم و»سيحيا مئة عام». تحلّق السعادة –الوهمية- أخيراً في بيت سلوى ورفعت. تبدأ سلوى في وضع خطط الإنجاب والمستقبل. تبيع ذهبها لتشتري «مناحل» لبدء استثمار صغير. تظن أن زيارتها إلى الشيخ التلاوي هي ما حقق معجزة الشفاء. لكنّ كابوساً يزور والدة رفعت في منامها يجعلها تذهب إلى الطبيب وترجع بالحقيقة المأسوية. الشفاء أكذوبة والموت ما زال منتظراً على باب الدار. انتهى الحلم القصير، وما تلبث حياة الزوج نفسها أن تنتهي.
للحب دائماً قصته الأخيرة قبل الموت وقبل الألم والنسيان. لا حيلة لأحد في مواجهة القدر، لكنّ الحب قادر على أن يجعل لبعض حياتنا طعماً. رسالة كئيبة لكنها قادرة في الكثير من اللحظات ـــ ومشاهد الفيلم ـــ أن تخلق فرحاً رقيقا هشاً يستحق أن يعاش.