لو كان بالإمكان اختصار سيرة أحمد جرار في قصيدة، لوقع الاختيار على «أحمد الزعتر» للشاعر الراحل محمود درويش. فهو الذي «كان في كل شيء يلتقي بنقيضه»: حين كان ابن ست سنوات لم يحيَ عيشة أترابه المعهودة، إذ وُلِدَ لأبٍ مقاوم يسير إلى المستحيل بأطرافه المبتورة، ويطارده جيشٌ بأكمله كأنما هو بطل أسطوري يصارع وحشاً عملاق، حتى استشهد بعد مطاردة طويلة، وهدم المكان الذي كان يتحصّن فيه فوق رأسه، تماماً كما انتهى المطاف بجرار الابن.


ولأن الصور النمطية عن فعل الشهادة لا تغادر ذاكرة الفلسطينيين، وَجد البعض في العملية التي نفذها أحمد «أمراً مستغرباً». هؤلاء دققوا في ابتسامته التي تظهر في كل صوره المنتشرة تقريباً، وذهبوا بعيداً لرسم سيرة شاب يقود سيارة حديثة من نوع «ميني كوبر» كما بدا في إحدى الصور، ووجدوه عادياً ككثر تخرجوا من جامعتهم ولم يجدوا عملاً يلائم اختصاصهم. اعتبروه كذلك لأنه نتيجة لعدم إيجاده وظيفة، عمل تاجراً في دكان صغير لبيع المونة. هؤلاء كلهم تجاوزوا سيرته، قافزين عن حقيقة أن مقاومته هي جزء من رد فعل دائم ومستمر على الاحتلال، ومتناسين أنه أولاً ابن شهيد، وأنه كفلسطينيين كثر هدمت منازلهم، وأسر أقرباؤهم، وأهينوا على الحواجز.


هو الذي حاصر
جيشاً كاملاً لمدة
شهر وشغلهم في تعقبه والبحث عنه


وهو نفسه من «بقي يسأل لعشرين عاماً»، حتى وجد في قتل الحاخام رازئيل شفاخ إحدى إجاباته. فأحمد كبر ونشأ في مدينة جنين، وشهد منذ صغره اجتياح مخيّمها وحصاره، ثم بعد كل الدم الذي سال أمامه من أجل الأرض، لا يزال يرى أبنية إسمنتية مكعبة تتشابه في حجمها ولونها تتمدد وتتسع أمامه، وعلى حساب ماذا؟ الأرض.
ولذلك كان قتل شفاخ أكبر من مجرد قتل مستوطن احتل أرضه، بل هو «هدم» لواحدٍ من «أعمدة» المشروع الاستيطاني في الضفة المحتلة. وفي مراجعة لسيرة الحاخام، نجد أنه كان واحداً من الناشطين في بناء «البؤر العشوائية» تحديداً. في جنازته، قالت زوجته: «أنا لا أبحث عن الانتقام، ولكن إذا كان لا بد من ثأر من أجل شفاخ، فيكون في تكثيف البناء الاستيطاني في يهودا والسامرة وتسخير القوانين من أجل ذلك».
وأحمد هو الذي «التجأ إلى نزيفه كي يحدد صورته». حسم خياره، وكانت شهادته بمثابة الصورة التي حدّد معالمها هذا النزيف. هو «أحمد العربي» الذي اختار بيتاً عتيقاً بين شجرات بلدة اليامون ليختبأ فيه، ومن هناك قال: «فليأتِ الحصار». وهو الذي حاصر جيشاً كاملاً لمدة شهر، وشغلهم في تعقبه والبحث عنه. فجاء اقتحام قريته بالآليات العسكرية والجنود المدججين بالسلاح، حتى إن بعض الاقتحامات حصلت أكثر من مرّة في اليوم نفسه من دون العثورعلى أثر له. ومنذ لحظة اختفائه، قرر العدو هدم منزله ومنازل عمومته، فجاء هدمها بمثابة محاولة لنسف ذاكرة أحمد التي تراكمت عبر عقدين بين تلك الجدران، وهي أيضاً بمثابة محاولة لقطع أحد تجليات علاقة الإنسان بأرضه. أمّا أحمد، فكان قد أمّن مقر إقامته الأخيرة، مكتفياً بقليل من الزعتر والزيت والعصير، ومصحفه الذي ناله هدية من والدته، وكذلك رشاشه ومخزن الرصاص.
هكذا بعد شهر من مطاردة شاب عشريني أقرّ العدو بأنه «أغلق الحساب مع من كان يلعب في الوقت الضائع» كما قال وزير الأمن، أفيغدور ليبرمان. ولكن أحمد لم يكن يلهو، بل هو الذي «توزّع بين نافذتين» يترقب لحظة استشهاده، بينما كانت أمه تصلي له، وتخبره ــ إن كان يستطيع تلقي رسالتها ــ أنها «راضية عنه رضى الآخرة وأن شهادته فخر لكل فلسطين».