حتّى ساعة متأخّرة من أول من أمس، لم تكن قناة «العربيّة» قد صدَّقت بعد أنّ الدفاعات الجوّية السوريّة هي مَن أسقطت طائرة الـ «أف 16» الإسرائيلية فوق الجليل. ورغم أنّ «الخطاب الإسرائيلي» الذي ركَّز منذ اللحظة الأولى على «سرديّة المواجهة الإسرائيلية الإيرانية» عاد وأقرّ بأنّ سقوط الطائرة كان بفعل «نيران سورية»، فإنّ «العربية» أصرّت على الترويج لـ «الاشتباك الإسرائيلي الإيراني» متبنّية الرواية الإسرائيلية على مدى يوم كامل.


في الساعات الأولى بعد الحادثة، بدت القناة في حالة «كوما» شبه كاملة مكتفية ببث أفلام وثائقية، بعضها عن «رائحة التوابل في أحد الأسواق الشعبية العربية»! وفيما وضعت «الجزيرة» ثقلها المهني منذ البداية بتصرّف الحدث وأفسحت المجال لاحقاً لآراء متعددة (بمن فيها الناطق باسم جيش الاحتلال أفيخاي أدرعي!) وتصرّفت «الميادين» كـ «إم الصبي»، دخلت «العربية» السّباق متأخّرة، لكنها بدت كمَن يُعلن الحداد على خسارة كبيرة.
هكذا أعاد مذيعو ومذيعات القناة التذكير على مدى يوم كامل بتسلسل الأحداث وفق الرواية الإسرائيلية منطلقين من فرضية «الخرق الإيراني للسيادة الإسرائيلية» عبر إرسال طائرة مسيّرة (نفت إيران الأمر وكذلك «غرفة عمليات الحلفاء»)! واكبت القناة «الحدث النوعي والخطير» عبر أخبارها العاجلة مروّجة لـ «الرواية الإسرائيلية» إيّاها. استخدمت عبارة «جيش إسرائيل» في معرض تأكيد أو نفي تفاصيل متعلقة بالحادثة وركزت لفترات طويلة على «عاجل» من قبيل: «الجيش الإسرائيلي يعلن تنفيذ ضربات واسعة النطاق ضد أهداف إيرانية في سورية». عيّنة صغيرة من أسئلة المذيعات والمذيعين في «اليوم الطويل» توضح كيف كان كل شيء موجّهاً بدقّة نحو هدف واحد: «لماذا استفزّت إيران إسرائيل هذه المرة؟»، «ما هو مصدر الخوف الأكبر لاسرائيل؟»، «لماذا تركّز إيران على المنطقة الجنوبية من سوريا؟»، «ما مصلحة روسيا في السماح للنظام في استخدام هذا السلاح في حالة نادرة؟»، «هناك محاولات للإيحاء أن النظام السوري يدافع عن سيادته؟»... لم يبقَ سؤال في سياق تحميل إيران المسؤولية والتشكيك في قدرات الجيش السوري إلا وطرحته القناة.


عكست بأدائها المرحلة الجديدة التي تقود
فيها السعودية خطاب التطبيع مع العدو

أحد المذيعين (محمد الطميحي) تفرَّد بطرح سؤال من قبيل: «هل من المحتمل أن يكون حصل خطأ ما أدّى إلى سقوط الطائرة؟». لا داعي بعد ذلك لتوقّع إجابات الضيوف ومعظمهم لديه تاريخ حافل من الإطلالات على «العربية» من بينهم مثلاً إيدي كوهين وهو «محلل سياسي إسرائيلي من تل أبيب»! تناسى كل من استضافته القناة أول من أمس «إسرائيل» في حدث يفترض أنها المسؤولة الأولى عنه. بدا الجميع في خدمة المهمة الأساسية للتغطية الإخبارية وهي «شيطنة إيران» فقط. يقول لقمان سليم (محلل سياسي لبناني) مثلاً: «المواجهة حتمية طالما أن إيران لها أذرع في سوريا ولبنان». ومثله يذهب ياسر الفرحان (قيادي سوري معارض) إلى «مناشدة الجميع لضرب إيران وميليشياتها في سوريا». مع ذلك، فإن أسئلة من نوع محدّد جاءت الإجابات عليها على عكس ما تشتهي القناة. تسأل المذيعة نيكول تنّوري اللواء الأردني فايز الدويري عما «إذا كانت هناك سيطرة إيرانية على الدفاعات الجوية السورية»، فيأتي الجواب من الضيف بشكل قاطع ومخيّب: «لا لا. لنكن واضحين سوريا هي من تدير شبكات الدفاع الجوي والرادار. المسؤولية سورية بالدرجة الأولى، ولها حريّة التصرف حتى لو كان هناك تنسيق مع موسكو وإيران».
شكّلت حادثة إسقاط الطائرة الإسرائيلية وما تلاها من ردود فعل موضعيّة «بروفة» للمشهد الإعلامي العربي في حال حصول حرب كبرى بين إسرائيل و«محور المقاومة». لم تشذّ «العربية» أصلاً عن خطابها المعروف، لكنها بدت هذه المرّة أكثر تماهياً مع مرحلة عربية جديدة تقود فيها السعودية خطاب التطبيع والتقارب مع إسرائيل. تقول مصادر مطّلعة من داخل القناة لـ «الأخبار» إن سياسة المحطة في ما يخص الملف الإسرائيلي تقوم على مبدأ عام عنوانه مشروع التسوية السلمية الذي تتبناه السعودية، وبالتالي مواجهة المشروع الرافض لهذه التسوية المتمثل بـ «محور المقاومة».
تشير المصادر نفسها إلى «أن آليّة تنفيذ هذه السياسة تقوم على تعليمات شبه يومية ترسل بواسطة شخصية مكلفة من الديوان الملكي إلى مدير عام القناة (تركي الدخيل). وفي حالات معيّنة يتم استدعاؤه إلى الرياض لإعطائه التوجيهات التفصيلية في ما يتعلق بالخطاب الإعلامي تجاه إسرائيل في حال حصول تطورات خطيرة». في السياق ذاته، تلفت المصادر إلى «أن كل الأخبار والتقارير التي تأتي عبر المراسلين على الأرض، يجب أن تُراجَع من قبل مدير عام القناة قبل بثها». يتميّز الملف الإسرائيلي في قناة «العربية» بحساسية عالية جداً. ولذلك، فإنّ مراسلي القناة في «الأراضي المحتلة» وفي كل «دول الطوق» يتم اختيارهم على أساس ترجمة سياسة «المملكة» في ما يعني الملف الإسرائيلي كما تؤكد المصادر المطلعة نفسها. وتشير إلى «أن بعض المراسلين على علاقة جيدة ومباشرة بقيادة الأركان الإسرائيلية فيما البعض الآخر على علاقة غير مباشرة بالتنسيق مع السلطة الفلسطينية»، لافتة إلى «أن شقيق أحد المراسلين المعروفين في داخل الأراضي المحتلة هو ضابط في الجيش الإسرائيلي».
يُعلّق أحد العارفين بـ «خبايا» القناة السعودية على سياساتها تجاه «إسرائيل» بالقول: «أن تعرف أكثر... الرواية الإسرائيلية طبعاً»!