الجزائر | استقرّ الوضع في الجزائر بعد الغليان الذي أعقب انقلاباً عسكرياً قاده العقيد هواري بومدين، وزير الدفاع، على الرئيس أحمد بن بلة، في التاسع عشر من حزيران/جوان 1965. استسلمت كل جيوب المقاومة الباقية من «القوات المحلية»، وهي ميليشيات شكّلها الرئيس المُطاح لمواجهة الجيش عند الحاجة، وكان وجودها كجيش موازٍ من أهم أسباب ذلك الانقلاب.


المجموعة الحاكمة بقيادة العقيد بومدين، القائد العام لأركان الجيش إبّان حرب الاستقلال، تمسكت بكلّ شيء، وكان رجالُها منتشرين في كل الأرجاء، ولكنّها لا تعرف العمل لبناء المؤسسات ووضع اقتصاد البلد على السكة.
جمَعَ العقيد رفاقه في «مجلس الثورة»، وصارحهم: «الوضع خطير يا جماعة... نحن نُسيطِر ولا نحكم... لأنّ الذي يحكم لا بدّ أن يكون له برنامج وأن يكون عارفاً طريق بناء البلد الذي يحكمه». جرى نقاش «طويل عريض»، واهتدى الجميع إلى الطريق: لا بدّ أولاً من تهدئة الخواطر بخطاب الوحدة لا التمرد، وبالاستمرارية لا القطيعة، وبجمع الشمل لا تفرقته. لقد عُزل الرئيس بن بلة بسبب انفراده بالحكم وقراراته التي لا يقاسمه فيها حتى أقرب المقربين إليه من المسؤولين السامين، ولا بدّ من تغيير أسلوب الحكم اليوم، بإشراك من يعرف ويملك التفكير والتصور والقدرة على تصميم السياسات والمشاريع الاقتصادية الاجتماعية الثقافية والدبلوماسية، التي تنهض بالبلد وتُخرجه من الركود، وتُبعد الريبة. لا بدّ من البحث عن كفاءات كانت قد أعطت الكثير للثورة ثم انسحبت من الميدان، أو هُمِّشت لسبب أو لآخر.
اتُّفق على مباشرة العمل «حالاً». اتصل رئيس «مجلس الثورة» بالدبلوماسي والقانوني محمد الصديق بن يحيى، الذي كان قد عُيِّن قبل مدة سفيراً للجزائر لدى موسكو. عُقِد اجتماع عاجل بين الرجلين، وأعاد بومدين على بن يحيى ما جرى في الاجتماع، وقال له إنّ القيادة الثورية تريدك أن تُشكِّل فريق عمل ممن تراه قادراً على العطاء بغية تقديم برنامج نهضة للدولة الجزائرية في مختلف القطاعات. كان بومدين يثق بالرجل ثقةً كبيرةً، فهو محامٍ شاب ومن المثقفين الذين التحقوا بالثورة في وقت مبكر، إذ ساهم في تأسيس «الاتحاد العام للطلبة المسلمين الجزائريين» في تموز/يوليو عام 1955، وكان من بين أهم من نظّموا انتفاضة طلاب الجامعة والثانويات للالتحاق بالكفاح المسلح في أيار/مايو 1956، وكان المساعد الأول للرئيس فرحات عباس، أول رئيس للحكومة المؤقتة خلال الثورة، ولمع نجمه في مفاوضات الاستقلال.


توسّع فريق
العمل مع الأيام، وصار يُغطّي كل الاختصاصات


قَبِلَ بن يحيى المهمة، وفي زمن قياسي اتصل بعدد من رفاقه للمشاركة وللمشورة، ومن هناك بدأ بتشكيل أول فريق مدني من الاختصاصيين في عدة قطاعات، عكف على تقييم وضع البلد أولاً، ثمّ بناء اقتراحات متدرجة في الزمان بحسب الأولويات: من المشاريع العاجلة إلى تلك التي يحتاج تجسيدها وقتاً وجهداً ومالاً، وركز في البداية على تأميم أو شراء كلّ الممتلكات الفرنسية وبناء قطاع إنتاجي خدماتي على أنقاضه. وكان من أول أعمال فريق العمل هذا، «المخطط الثلاثي 1967/1969» الذي بُني على ثلاث ركائز: توسيع نطاق التعليم العلمي والتكنولوجي، وبناء قاعدة صناعية، وإصلاح زراعي.
بحسب الحاجة، توسّع فريق العمل مع الأيام، وصار يُغطّي كل الاختصاصات، وتحوّل إلى «مجلس اقتصادي اجتماعي»، يرسم خطط التنمية، ويلعب دور البرلمان في تقديم مشاريع القوانين. وبفضل تلك السياسة، خرجت الجزائر من ورطتها ووصلت إلى ما وصلت في السبعينيات: دولة تملك قاعدة صناعية مهمة، وتتحكم في كلّ ثرواتها بعد تأميم كل الممتلكات الفرنسية وإعادة تأهيلها وتحديثها. وكبُر طموح الحكومة الجزائرية وقتها، فأسست لنظام زراعي جديد بمسمى «الثورة الزراعية»، وبشعار «الأرض لمن يخدمها»، وذلك استجابةً لحاجة البلد إلى فكّ أزمة خانقة في المدينة وتسيّب غير مسبوق للعمل الزراعي في الريف. فقد هجرت مئات الآلاف من العائلات الريف لتستقر في المدن حيث توجد المدرسة والنظافة والشغل والأضواء. كان الريف ساحة واسعة للفقر والتخلف لمدة قاربت 500 عام، من الحكم العثماني الذي كان يعصُرُ الناس بالضرائب، مروراً بالحكم الفرنسي الذي استولى على أجود الأراضي ووزعها على المستوطنين الأوروبيين، وصولاً إلى حرب ضروس حمل سكان الريف أوزارها لأكثر من سبع سنوات عانوا خلالها من القتل والتشريد والنفي، وكان التنقل من قرية أو بلدة إلى أخرى يحتاج إلى ترخيص من الثكنة العسكرية. وبعد كلّ هذا، حلّ الاستقلال وغيّر الوضع رأساً على عقب، واكتشف الجزائريون للمرة الأولى طعم الحرية والأمل في غد أفضل، وهذا الأفضل يوجد في المدينة حيث المدرسة والنقاء والكهرباء ووفرة الماء والحياة العصرية.
خلال السنوات الأولى للاستقلال، اكتظت المدن بسكان الريف حتى عجزت عن استقبالهم، ولم تعد المدارس تكفي، ولا شبكات الماء والكهرباء والصرف الصحي تفي بالغرض، وتشكلت أحزمة البؤس ببيوت الصفيح على أطراف المدن، وبنى آخرون فوق سطوح العمارات التي خلفها الاحتلال.
تفرّغ فريق من الخبراء في أواخر الستينيات للبحث عن إجابة لسؤال ملحّ: «لماذا يهجر القرويون أرضهم ويلتحقون بالمدينة؟»، فوجدوا الإجابة تقول: «يأتون من أجل الرفاه، لأنّ الوضع في الريف قاهر»، فيما كان الحل المقترح يقول: «لا بد إذن من نقل الرفاه إلى الريف كي يستقر الناس». وبدأ فوراً العمل على إنجاز أضخم مشروع وأقوى قرار بعد قرار إشعال الثورة، وهو «الثورة الزراعية»، وذلك ببناء ألف بلدة فلاحية مع كل مرافق المدينة، تُوزِّعُ مساكنها على المزارعين وتوزع عليهم الأرض مجاناً في شكل تعاونيات جماعية، بدايةً بأراضي الدولة الموروثة عن مزارع الاحتلال ثم بتأميم من يملكون أرضاً لا يخدمونها.
في السبعينيات، كان الجزائري يغضب حين تُقارَنُ بلاده بإسبانيا أو كوريا الجنوبية، لأنها كانت أفضل، وكان لها أفق أوسع، فيما تطورت الطبقة الوسطى بشكل مذهل، ما أعطى فرصاً كبيرة لتكوين نخبة قوية. لكن كثيرين يرون أن مشروع «الثورة الزراعية كان ــ تاريخياً ــ أكبر بكثير من المستوى الذي بلغه المجتمع الجزائري. فالنظام التعاوني صعب للغاية ويحتاج إلى مستويات أخرى من الإدراك ومن التعايش والقدرة على العمل الجماعي». وحتى قطاع واسع ممن كانوا في مسؤوليات كبيرة بالدولة، لم يفهموا المشروع إلى درجة أنّه تبخّر مباشرة بعد وفاة الرئيس هواري بومدين، وتغيّر ميزان القوى في جهاز الحكم لمصلحة قوى التراجع عن الخط الذي رسم معالمه فريق عمل الخبراء الذين استنجد بهم النظام حين كان قادراً على الاعتراف بقصوره. هل يمكن اليوم العودة إلى الأصل، والاستنجاد بمن يعرف طريق الخروج من الأزمة؟