في الوقت الذي يكثر الغرب الاستعماري وأدواته التضليلية الحديث عن أوليغارشية حاكمة في روسيا، وتقوم فيه واشنطن بفرض حصار على ما تسميه بالأوليغارشية الروسية، يأتي هذا كتاب «الأوليغارشية الأميركية: الطبقة السياسية الدائمة» (American Oligarchy: The Permanent Political Class- University of Illinois Press 2017) ليتحدث عن الأوليغارشية الأميركية التي تتحكم بأدوات الحكم على المستويين الاتحادي والولاياتي.
يرأس الكاتب رَم فُرميزانُ مقعد وليم بريَن للتاريخ الأميركي وأستاذ التاريخ في «جامعة كنتكي». ولذلك، نرى أنه ركز بحثه على الأحوال السائدة في تلك الولاية الأميركية لكن من دون إهمال الأوضاع «الأوليغارشية» في الولايات الأخرى وعلى الصعيد الاتحادي.
المعاجم العربية تترجم المصطلح أوليغارشية أو أوليكاركية، إلى «حكم الملأ»، أي حكم طبقة تسميهم الأشراف! المقصود هنا أن مجموعة من المواطنين الأثرياء الذين حولوا ثراءهم إلى سلطة، فتجدهم يتحكمون بأدوات الحكم عبر مجالات عديدة. بالتالي، فالأوليغارشية تعني أن للثروة الكلمة الفاصلة في تحديد بنية سلطة حكومة ما.

نظراً لقوة هذا المصطلح ومعناه، فضّل بعض الأكاديميين الأميركيين استخدام مصطلح أقل ازدراءً هو «هيمنة النخب الاقتصادية» عند الإشارة إلى هذا «الملأ» أو «الارستقراطية = الأوليغارشية».
يوضح الكاتب في مؤلفه، بكثير من التفاصيل، تآكل الديمقراطية في الولايات المتحدة، بل حتى انهيارها. ويشير إلى أنّ تفشي الفقر في البلاد منع بالتالي مشاركة واسعة في ممارسة السلطة، بطريق المشاركة في الانتخابات على نحو أساس، وأوسع في المجال لتحكم أقلية بالقرارات السياسية للدولة أو للحكومة ومختلف مؤسسات الحكم الأميركية سواء كان ذلك في مجلس الشيوخ أو النواب وغيرهما. لا يكتفي الكاتب بكشف هذا التحول في جوهر الحكم، بل يوسع تحليله ليغطي المشاكل المرتبطة به وجذوره، وحتى بنتائجه.
يوضح أن نمو الأوليغارشية في الولايات المتحدة الأميركية كان نتيجة الانتخابات ومشاركة المواطنين الواسعة فيها، وضد ذلك، أي أن «الثروة تجلب الهيمنة».
يعود إلى مسألة كيفية صعود الأوليغارشية ونموها داخل مجتمع بالعودة إلى التجربة الأغريقية وكيفية تغلب الإغريق على ذلك وزيادة مشاركة المواطنين، وفق تعريفهم طبعاً، في ممارسة السلطة.
الملأ، أو الأوليغارشية، نعلم، أنها لا تعترف بأن المواطنين متساوون معها. ولذلك فإنها توظف ثرواتها للتلاعب بعقولهم لكي يستحيلوا أدوات في أيديها ويبقوا كذلك؛ فالفساد ليس بالأمر الجديد.
يوضح الكاتب عبر أمثلة عديدة بعض تجليات حكم الأوليغارشية وفسادها، ومن ذلك محاباة الأقارب؛ نشهد ذلك حالياً في إدارة دونالد ترامب ودور ابنته إيفانكا وزوجها الذي تحدثت عنه وسائل الإعلام والتضليل.
لكن محاباة الأقارب، كما ترد في المؤلف، تأخذ أشكالاً أخرى لدى الحزبين الحاكمين، ومنها على سبيل المثال منح أصدقاء وأقارب العائلة وظائف «مثمرة» في الدولة، إضافة إلى فوزهم بعقود دسمة لتنفيذ مشاريع للدولة. الأمر يتعدى ذلك ليتحول إلى طبقة حاكمة دائمة وفق مقولة «الباب الدوار» في كل من مجلس النواب ومجلس الشيوخ على نحو محدد.


تفشي الفقر منع وجود مشاركة واسعة في ممارسة السلطة


الطبقة الحاكمة الدائمة، المنتخبة [!] تمنح نفسها، عبر التصويت طبعاً، أفضليات ومنها المعاشات الهائلة والمركبات المجانية الفارهة والسفر في مقاعد الدرجة الأولى ومنح أفراد العائلة والأصدقاء المقربين حق استعمال طائرات سلاح الجو المخصصة لهم، وعددها 16 طائرة، ومنحهم عقود العمل الوفيرة، وقبول الهدايا والدعوات إلى حفلات فخمة ودسمة، لكن مع تأكيدهم بأن ذلك كله لا يؤثر في كيفية تصويتهم في المؤسسات التشريعية أو عند اتخاذ القرارات السياسية والاقتصادية [كذا!].
يوضح الكاتب أن محاباة الأقارب موجودة في مختلف المجالات ومنها الإعلام/ التضليل، ويورد مثلاً هو تعيين تشلسي كلينتون ابنة الرئيس الأميركي السابق، مراسلة صحافية في شبكة «إن. بي. سي» (NBC) بمعاش سنوي مقداره 600 ألف (600000) دولار. وعندما غادرت ذلك الموقع، أصبحت تتقاضى مبلغ 62724 دولار أميركي عن كل دقيقة تظهر فيها على شاشة الشبكة، إذا لم يعد ثمة من ضرورة لمحاولة إخفاء «الرشوة» وراء مهنة الصحافة؛ فهي ابنة الرئيس ولأن أمها هيلاري مرشحة الحزب الديمقراطي للرئاسة.
يورد الكاتب أمثلة أخرى عن توظيف أقارب المسؤولين في وسائل الإعلام وفي «إن. بي. سي» تحديداً ومنهم جانا بوش ابنة الرئيس جورج بوش، وميغان ماكين ابنة جون ماكين، وهو ما جعل اسم الشبكة لدى النقاد Nepotism Broadcasting Corporation!.
يورد الكاتب أمثلة على تعيين المتبرعين للحملات الانتخابية في مواقع مهمة ومن ذلك قيام الرئيس أوباما بتعيين 23 منهم في مناصب سفراء في سنغافورة ونيوزيلاندا وهولندا وألمانيا وموناكو وبلجيكا، وغيرها. أما دنلد غبس، مدير شركة «تلكم» وصديق أوباما، فعين سفيراً في جنوب إفريقيا، ونالت شركته عقوداً بالملايين لتنفيذ مشاريع للدولة.
كما يشير الكاتب إلى أن إحدى الشركات التي كلفت بجمع تبرعات لحملة هيلاري كلينتون كانت تتقاضى عمولة 12% من الأموال التي جمعتها، ويتم حسابها ضمن المصاريف المعفاة من الضرائب.
يغطي المؤلف كافة مجالات عمل الأوليغارشية الأميركية بما في ذلك المجال المالي ومجال الشركات، وكيف أنها تمكنت من كسب حصانة ضد أي تحقيق في الموضوع ما منحها بالتالي مكانة الحاكم.
ثمة حديث كثير عن الطبقة الحاكمة الدائمة في الولايات المتحدة، لكن ميزة هذا المؤلف أنه يتحدث على نحو محدد مع ذكر الأسماء.
يدعم الكاتب أقواله واستنتاجاته بنتائج مماثلة وصلت إليها مؤسسات أميركية أخرى. فعلى سبيل المثال، سجّل «مركز الاستقامة العام» the center for public integrity أنه غير قادر على منح أي من ولايات أميركية درجة البراءة (A) عندما يتعلق الأمر بالفوز بعقود الأشغال العامة للدولة. أكثر من ذلك، رسبت ثماني ولايات أميركية في امتحان النزاهة الخاص بالمركز آنف الذكر.
للأسباب آنفة الذكر، ولغيرها، يصل الكاتب إلى قناعة بأن السلطة الرابعة، التي عادة ما تشير إلى وسائل الإعلام/ التضليل، هي مجموعة اللوبي التي تمارس أدواراً كبيرة في رسم سياسات الدولة. ففي عام 2012، أنفقت مجموعات اللوبي أكثر من ثلاثة آلاف مليون دولار، ما يوضح مدى تأثيرها في الحكم والأرباح التي تجنيها من وراء ذلك الدور.
الدور الكبير الذي يمارسه اللوبي في رسم سياسات الدولة نراه في حقيقة أن أكثر من 400 مشرِّع سجلوا أنفسهم في اللوبي عام 2015 هم 75 سناتوراً و347 عضو مجلس نواب.
أثار المؤلف ردود فعل إيجابية كثيرة، إذ أبدى بعضهم فزعهم من الحقائق التي ترد فيه، وفجيعتهم بالانحطاط الذي انحدر إليه النظام الأميركي.