يجري التعامل مع استحقاق أيار 2018، بوصفه محطة مفصلية. هناك من يردد أن أقصى طموح حزب الله وباقي حلفائه أن يمتلكوا الثلث النيابي المعطل في برلمان 2018. هذا في الحد الأدنى، أما أقصى طموحهم، فهو امتلاك الأكثرية النيابية (65 نائباً). البعض الآخر يجزم بأن حزب الله هو من فصّل القانون الانتخابي النسبي على قياسه وحليفته حركة أمل، وبما يسمح لهما ولحلفائهما، في كل الطوائف، بالإمساك بمفاصل البلد وكل الاستحقاقات المقبلة.


وإذا كان حزب الله لا يعير أهمية لكل هذه «النظريات»، انطلاقاً من معادلة لطالما نادى بها منذ الرابع عشر من شباط 2005، بأن البلد محكوم بالتوافق أولاً وأخيراً، بمعزل عن معادلة الأكثرية أو الأقلية في السلطتين التشريعية والتنفيذية، فمن الواضح أن «المتضررين» من التسوية الرئاسية، ومن إعادة التموضع التي قام بها تيار المستقبل، خصوصاً بعد أزمة إحتجاز رئيسه سعد الحريري في السعودية، هم الأكثر ترويجاً لنظرية «المؤامرة».
انطلاقاً من المعطى الأخير، جرى الحديث عن أنّ «دولتين (الولايات المتحدة والسعودية) على الأقلّ»، تسعيان إلى تأجيل الانتخابات النيابية، قطعاً للطريق أمام «انتصار» حزب الله وحلفائه. ولكن، هل هذا فعلاً ما يريده التيار الوطني الحرّ؟ أم أنّه مع الانتهاء من فرز صناديق الاقتراع وإعلان النتائج في السابع من أيار، ستُسدل الستارة على تحالف التيار العوني مع فريق 8 آذار؟


مصادر في 8 آذار:
هل هناك عاقل يراهن
على الغرب؟


يأتي الجواب من أحد أعضاء تكتل التغيير والاصلاح، مؤكداً أنّه في المجلس النيابي المُقبل، «ستكون كتلة رئيس الجمهورية والتيار الوطني الحرّ هي بيضة القبّان، وليس كتلة النائب وليد جنبلاط أو نجيب ميقاتي، حتى ولو حصلنا على 15 نائباً فقط». هي «الوسطية» التي حاربها العونيون كثيراً أيام ما كان يتغنّى بها الرئيس السابق ميشال سليمان وميقاتي.
لا يبدو أن هذا «التنظير» محصور بحلقة القرار الضيقة في «التيار»، بل يمتد على نطاقٍ واسع حزبياً مع ما يسمونه «الأسباب الموجبة». يرى العونيون أنّ ما بعد انتخاب العماد ميشال عون رئيساً للجمهورية، لا يُشبه ما قبله. رغم أنّهم يُدركون و«يعترفون» أنّ هدفهم «الأسمى» ما كان ليتحقق، لولا أنّ حزب الله عطّل المجلس النيابي طوال سنتين ونصف سنة، ما أدّى إلى أن تتساقط قطع الدومينو المحلية والإقليمية والدولية، ويُسلّم الجميع في النهاية بانتخاب عون. رئيس الجمهورية «كان حليف 8 آذار، وعاد إلى موقعه في الوسط بعد انتخابه، وبات يُمثل تقاطعاً بين حزب الله وتيار المستقبل، أي الضامن الأول لمعادلة الاستقرار، وهذا هو المسار الطبيعي للأمور، الذي نسير وفقه منذ 31 تشرين الأول 2016».
يريد الوزير جبران باسيل من الانتخابات النيابية أن تُساعده على تحديد حجم تياره، من خلال حصد أكبر عددٍ ممكن من المقاعد النيابية. فأن يتمكن رئيس التيار الوطني الحرّ من فَرْض نفسه المُمثل الأول لـ«الشرعية المسيحية»، يعني أنّه «الأقوى» داخل البيئة التي يُمثلها، و«الأحق» بالجلوس على كرسي بعبدا، بعد انتهاء ولاية العماد عون. بهذا المعنى، يمكن تفسير صعوبة تحالفه الانتخابي مع القوات اللبنانية، وعدم قبوله تقاسم المقاعد النيابية معها، لقطع الطريق على مُزاحمة رئيس «القوات» سمير جعجع له على الرئاسة الأولى.
تسعى كلّ القوى «المسيحية» إلى «السيطرة» على مجلس 2018، لاعتقادها أنّه هو الذي يمكن أن يختار رئيس الجمهورية المقبل. ولكنّ جبران باسيل «الجديد»، لا يُريد أن يُمارس السياسة وفق تعاليم ميشال عون، ولا أن يبقى سنتين ونصف سنة بانتظار التقاء مصالح القوى المحلية والخارجية، ليُفك أسر البرلمان قبل أن يُنتخب. فوجد أنّ من الأفضل له أن يرتدي ثوب «الوسطية»، عبر مُسايرة «الغرب»، والحفاظ في الوقت نفسه على «الحلف الاستراتيجي» مع حزب الله. ولن تُزعج تحالفات ما قبل الانتخابات مراكز القرار الغربية والإقليمية، فالأهم بالنسبة إليها هي التحالفات التي ستُنسج ما بعد 6 أيار. وهنا «الاتكال» على المُرشح عن المقعد النيابي في البترون لعدم تغليب كفّة على أخرى.
المعادلة «الغريبة» التي تتحدّث عنها أوساط نيابية في «التغيير والإصلاح»، تقوم على «أننا إقليمياً وفي ما خصّ سلاح حزب الله ودوره كمقاومة، نكون أقرب إلى 8 آذار. أما في ما يتعلّق بالملفات الداخلية، وتحديداً ملف بناء الدولة، فنحن نميل إلى تيار المستقبل». صحيح أنّ القانون النسبي سيُعزّز «التمثيل النيابي لكل أركان 8 آذار، وقد يتمكنون من التقدّم قليلاً»، والقوى المعارضة لسياسة حزب الله، «ستُحافظ أيضاً على تمثيلها». لكنّ التيار الوطني الحرّ «لن يكون طرفاً، ولن يسمح بتشكيل أكثرية داخل المجلس النيابي. أصبح حزب الله يُدرك أنّه لم يعد يحتكرنا، بمعنى أنّنا لسنا حلفاء له فقط».
على أي أساس إذاً تقولون إنكم تبحثون مصلحتكم الانتخابيّة في التحالف مع حزب الله أو عدمه، بغية تأمين أكبر عدد ممكن من النواب لمصلحة «الفريق الواحد»؟ يجيب النائب في تكتل التغيير والإصلاح بأنّ «كلّ حزب يبحث عن سُبل تعزيز كتلته. هي حسابات مصلحة، لا حلف ولا أصدقاء. ونحن لن نُساعد حزب الله، ليكون أكثرية بوجه تيار المستقبل، أو العكس».
يبستم قيادي في قوى 8 آذار وهو يستعيد ظروف انتخاب عون، «كان خياراً عكس إرادة داخلية فُرضت على الخارج، خلافاً لمعظم الانتخابات الرئاسية السابقة». يومها، لم يكن حزب الله والمحور الذي ينتمي إليه قد حقّق تقدّماً ميدانياً في سوريا، وانتصر على التنظيمات الإرهابية في بلاد الشام والعراق ودحرها بعيداً عن الحدود اللبنانية. حالياً، بعد أن بات حزب الله جزءاً من المعادلة الإقليمية، «هل يعتقد أحد أنّ بإمكانه فعلاً المراهنة على الغرب من دون إقامة اعتبارٍ للمحور الذي يتقدم في المنطقة من لبنان إلى اليمن مروراً بسوريا والعراق؟».