لم يعد هناك من معنى أو طعم أو رائحة لجميع المبادرات الحكومية لمعالجة أزمة النفايات التي استفحلت بشكل خطير، إلا إذا صدقت اللجنة الوزارية وتمكنت فعلاً من تطبيق قرارها الذي أصدرته ليل أمس ببدء رفع النفايات من شوارع العاصمة. وحدها رائحة أكثر من ٤٥ ألف طن من النفايات المكدسة في الطرقات وفي مكبات عشوائية قريبة من الاحياء تطغى على ما عداها.


أهالي برجا ومعهم غالبية سكان قرى إقليم الخروب حسموا الموقف، ولم يوافقوا على فتح الطريق الدولية إلا بعد رضوخ وزير الداخلية والبلديات نهاد المشنوق لمطلبهم بعدم نقل النفايات الى كسارة CCC في سبلين. بلدية صيدا كررت للمرة العاشرة موقفها الرافض لاستقبال النفايات من بيروت في نطاقها. واكتفت النائبة بهية الحريري بالبكاء على الأطلال وتوجيه الاعتذار لبيروت وأهلها وطلب السماح. وقالت: «أشعر بحزن وخجل كبيرين من تنكّر اللبنانيين للعاصمة الحبيبة بيروت». أما مبادرة سامي الجميّل مع عدد من بلديات كسروان والمتن لنقل نفاياتها الى عقارات مؤقتة بالتنسيق مع وزارة البيئة، فلم تبصر النور أيضاً. وعلمت «الأخبار» أن الوزير محمد المشنوق الذي سلم البلديات لائحة باثني عشر موقعاً لكسارات ومقالع قديمة في المنطقة ليتم استخدامها، لا تزال حبراً على ورق، ولم يجرؤ أيّ من المعنيين على القول «انقلوا الى هذه الكسارة أو تلك»، وأعادوا رمي الكرة الى ملعب وزارة البيئة الذي يزداد ضيقاً منذ ١٧ تموز الجاري، لا بل إن أفق الحلول التي طرحتها وزارة البيئة بات أضيق من مكتب الوزير المشنوق في العازارية. أما الاجتماعات الاستثنائية لنواب بيروت التي تجددت أمس، فبدت كأنها «لزوم ما لا يلزم» وصراخ في واد.


الرئيس سعد الحريري أبلغ من راجعه أن الحل هو في التعجيل بإنشاء محرقة لبيروت


الى أين؟ العبارة الشهيرة للنائب وليد جنبلاط باتت اليوم على كل شفة ولسان، وبات مختلف اللاعبين الرئيسين على الساحة السياسية على اقتناع بأن الحل المؤقت بيد جنبلاط دون غيره، وما نقل همساً قبل أيام، يتوقع أن يعلن في القريب العاجل، وهو الطلب من جنبلاط وبالتنسيق مع النائب طلال أرسلان إطلاق مبادرة وطنية إنقاذية تتمثل في إعادة فتح مطمر الناعمة ــ عين درافيل لفترة قصيرة ومؤقتة والى حين الانتقال من الواقع الحالي لإدارة النفايات الى إدارة جديدة.
وعلمت «الأخبار» أن الرئيس سعد الحريري أبلغ من راجعه أن الحل على المدى المتوسط والطويل هو في إنشاء معمل لتوليد الطاقة من النفايات، مذكّراً بالقرار ٥٥ الذي اتخذته حكومته عام ٢٠١٠، ومطالباً بإيضاحات عن أسباب التأخر في بتّ دفتر الشروط المتعلق بمناقصة «تحويل النفايات الى طاقة» لفترة تقارب خمس سنوات!
ترجمة الرغبة الحريرية في التعجيل بمناقصة معامل إنتاج الطاقة من النفايات، انعكست على أجواء الاجتماع الذي ترأسه رئيس مجلس الوزراء تمام سلام للجنة إدارة النفايات الصلبة أمس في السراي الكبير، في حضور وزراء الطاقة والمياه آرتور نظريان، الزراعة أكرم شهيب، المال علي حسن خليل، التنمية الادارية نبيل دوفريج، الصناعة حسين الحاج حسن، الداخلية والبلديات نهاد المشنوق، البيئة محمد المشنوق، التربية والتعليم العالي الياس بو صعب. كذلك حضر الاجتماع رئيس مجلس الإنماء والإعمار نبيل الجسر ورئيس المجلس الأعلى للخصخصة زياد حايك. مصادر متابعة لأجواء الاجتماع أكدت أن البحث تركز على الحل المؤقت المطلوب لرفع النفايات من الطرقات، وعلى ضرورة إطلاق مناقصة في أسرع وقت لإنشاء محرقة لبيروت تعتمد مبدأ تحويل النفايات الى طاقة. لكن أسئلة عديدة تطرح حول هذا الخيار. أين ستوضع المحرقة؟ وهل ما زال موقع الكرنتينا مقترحاً وفق ما تنص عليه الخطة القديمة؟ وما هي المدة الزمنية المطلوبة لإتمام دفاتر الشروط وإطلاق المناقصة وبناء المحرقة وتشغيلها؟ ومن سيموّل الكلفة؟ والأهم كيف سيتم التخلص من الرماد الثقيل والمتطاير الناتج منها والذي يحتاج الى معالجة خاصة قبل طمره؟ وهل سيكتفى بإنشاء محرقة واحدة لبيروت أم سيعاد طرح الخيار القديم بإنشاء أربع محارق على طول الخط الساحلي من دير عمار مروراً بالكرنتينا والجية وصولاً الى الزهراني؟
وبانتظار الاجابة عن هذه الاسئلة يبدو أن منطقة الضاحية الجنوبية والشويفات هي الوحيدة التي أوجدت حلاً مؤقتاً بتخزين النفايات في عقار بالقرب من حائط المطار لجهة المريجة. لكن هذا الخيار الذي يمكن أن ينشئ جبلاً جديداً للنفايات في غضون أشهر قليلة، يثير حفيظة هيئة سلامة الطيران المدني. وقد ترجم اعتراضها من خلال جولة لوزير الأشغال العامة والنقل غازي زعيتر تفقد خلالها حرم مطار رفيق الحريري الدولي ومدارجه، إثر الاخبار التي تناولها بعض وسائل الاعلام عن رمي النفايات في محيط المطار وعلى أراض تابعة له.
وأكد زعيتر بعد الجولة أن «هذا الامر يدفعنا الى توجيه تحذير لما يجري في محيط المطار. هذه الاشغال ممنوعة إطلاقاً، وهي ستستجلب الطيور وأموراً أخرى يمكنها أن تؤثر في سلامة الطيران». وقال: «سلامة الطيران مؤمنة ولا خوف على حركة الملاحة الجوية في المطار، لكن نحذر من هذه الامور التي تخلق أجواءً خطيرة صحياً وتؤثر في سلامة الناس، وخصوصاً على سلامة الطيران». وأعلن أنه وجّه كتاباً الى كل من وزير الداخلية نهاد المشنوق والبيئة محمد المشنوق أطلعهما فيه على الوضع، وطلب منهما التعاون لحل هذه المعضلة من تراكم النفايات في محيط المطار.
وبالتزامن، عقد النائب أرسلان مؤتمراً صحافياً وجّه خلاله رسالة شديدة الوضوح بأن إنشاء مطمر أو معمل لمعالجة النفايات عند شاطئ خلدة بالقرب من المطار «خط أحمر»، مشيداً «بدور رئيس مجلس النواب نبيه بري في تعطيل مشروع ردم البحر على طاولة مجلس الوزراء»، ومؤكداً «اننا سنقف بكل ما أوتينا من قوة لمجابهة هذا المشروع»، ومتسائلاً: «من عطّل مناقصة بيروت والضواحي في المرة الاولى والثانية؟ وما هي الضمانة بأنه سيتقدم عارضون للمرحلة الثالثة؟ وما هي التقنيات التي ستستخدمها الشركة الجديدة ومتى ستبدأ أعمالها؟».
في المقابل، أعلن وزير الصحة وائل أبو فاعور أن «البحث سيكون متجهاً نحو البحر لإيجاد اقتراحات للمعالجة المؤقتة لأزمة النفايات». لكن أبو فاعور لم يوضح ما إذا كان قصد بالتوجه الى البحر موقع خلدة أو مكب برج حمود! ودعا وزير الصحة المواطنين إلى عدم حرق النفايات على الطرق، لأن الغازات المنبعثة تسبب مخاطر كبيرة، منها مرض السرطان، كذلك دعاهم إلى عدم بعثرة النفايات في الطرق، لأن ذلك يفاقم الأخطار الصحية»، لافتاً إلى أن «رش المبيدات عشوائياً غير مفيد ويجب أن يتم بطريقة عملية صحيحة». وختم أبو فاعور: «واحد من الخيارات التي ندعو الرئيس سلام إلى مناقشتها هو إعطاء فرصة للاتصالات وتأجيل جلسة مجلس الوزراء يوم غد (اليوم) ... منعاً للدخول في نقاش تختلط فيه الأمور بين النفايات والصلاحيات».