«لا حماس ولا إسرائيل تريدان حرباً. خذ هذا تأكيداً مني بكل قوة. احنا بنجلس مع الإسرائيليين، هم ما بدهم تصعيد، وما بدهم إياكم تصعدوا، والأمور المعيشية والاقتصادية كلها حتنحل»، هكذا ببساطة «يوجّه» السفير القطري شبه المقيم في غزة، محمد العمادي، المشهد السياسي في القطاع ومصير سكانه. بكل بساطة أيضاً، يرى الرجل أن من معه «مفاتيح كل شيء» هو إسرائيل، التي لا يرى مشكلة في أنه «زارها» عشرين مرة خلال السنوات الأربع الماضية، بل يتعهد بأنه إذا فتحت إسرائيل المجال للدوحة، فستحل الأخيرة مشكلات غزة «بكل سهولة».


في جلسة مع ممثلي الفصائل في غزة، خلال زيارته الأخيرة التي قطعها أمس بالسفر إلى «إسرائيل» مساءً على أن يعود إلى القطاع اليوم صباحاً، وجّه العمادي كلامه إلى ممثل «حركة الجهاد الإسلامي»، سائلاً إياه عن صحة الأمين العام للحركة رمضان شلح، وقائلاً له: «هو صديقنا وحبيبنا وإجى عندنا كثير. إحنا عرضنا عليه إقامة دائمة وهو رفض، وإحنا بنتفهم رفضه، وكمان احنا أعطيناه مبلغ من المال وبعض الهدايا». يصمت ذلك المسؤول، فموزّع العطايا ضيف «كريم» عند «حماس»، ولا يصح في محضر الضيافة الردّ! (أفادت مصادر في «الجهاد» بأن العرض القطري بالاستضافة كان حصراً في بداية الأزمة السورية ووجّه إلى «حماس» بالمثل، نافية تسلّم أي أموال أو هدايا من قطر).
يواصل العمادي توزيع تقييماته، فهو لا يلوم الإسرائيليين بالكامل كما يرى، بل يلوم مصر، ورئيس السلطة محمود عباس، الذي يوجه إليه أيضاً نصائحه وجهاً لوجه. «لو انفتح (عباس) على غزة، فسيحصل على تأييد 90% من الناس... قلتله انت أبو الجميع وقدّم شي حق عيالك»، ضارباً له المثال بالأمير تميم بن حمد «والد الكل». أما مصر، فهي تدخل إسمنتاً فاسداً إلى غزة كما يروي السفير الذي يجلب إلى القطاع «إسمنتاً تركياً نظيفاً»، لكنه يذكّر بأنهم كانوا الدولة الوحيدة التي استطاعت إدخال مواد بناء من مصر في عهد النظام السابق (محمد مرسي).


يتواصل غالباً مع مردخاي
لكن له صلات بوزراء وأجهزة أمن إسرائيلية أخرى


ومع أن المساعدات القطرية التي كانت تطاول سقف الـ400 مليون دولار (في عهد الأمير الأب) لا تتعدى الآن سقف الملايين العشرة هذا العام بعد سلسلة تقليصات كبيرة، يستمر العمادي بالدور نفسه كأن شريان الحياة للغزيين هو الدوحة حصراً، خاصة أنه لا يزال يُستقبل استقبال الرؤساء بالأعلام ولافتات الترحيب الكبيرة والورود التي يحملها الأطفال، باستثناء الزيارة الأخيرة التي واجه فيها غضب عمال المستشفيات (راجع العدد ٣٤٠١ في ٢١ شباط).
يتحدث الرجل بكل أريحية عن طرد نائب رئيس المكتب السياسي في «حماس»، صالح العاروري، من الدوحة، غير مبالٍ بأنه في ضيافة حركة مقاومة، ويقول إن ترحيل العاروري وآخرين (قبل أن يصبح في منصبه الجديد) «جاء بناءً على طلب إسرائيل والولايات المتحدة»، بل يحدد موقع بلاده من معادلة الصراع بتساؤل بريء: «لو أننا نساعد حماس، هل كانت ستسمح لنا إسرائيل بالدخول والخروج؟... هذا ليس ممكناً. هم (الإسرائيليون) يعرفون أننا لا نساعد حماس». أما المهمة، كما شرح لوكالة «رويترز» قبل أيام، فهي أن بلاده «تساعد إسرائيل على منع حرب أخرى في غزة، عبر تحويل مساعدات مالية إلى الفلسطينيين هناك، بمباركة الولايات المتحدة التي نخبرها بكل ما نفعله في هذا الشأن... قدمت قطر نحو 800 مليون دولار مساعدات منذ آخر صراع بين إسرائيل وحماس في 2014؛ هذا ما نحول دون وقوعه: الحرب... الحرب المقبلة. لا نريدها».

وسيط متعدد المهمات

بمراجعة أوساط سياسية ومسؤولين في الفصائل، يفيد هؤلاء بأن دور العمادي سبق الحرب الأخيرة، وقد نشط فعلياً في نقل الرسائل غير المباشرة بين المقاومة والعدو منذ 2013 بعد أن تأزمت العلاقة الفلسطينية ــ المصرية، كما «تبرّع» بنقل «تهديدات إسرائيلية للمقاومة بعد حرب 2014، خاصة في أوقات التصعيد وإطلاق الصواريخ من غزة». مهمة أخرى حاول الرجل أن يكون نجمها، إذ راهن على مكانة دولته لدى «حماس»، عارضاً التوسط للإفراج عن الجنود الإسرائيليين الأسرى لدى المقاومة، لكن «إسرائيل خذلته بسبب رفضها الشروط آنذاك»، كما نقل إلى المعنيين الذين يعرفون ماذا يعني لمصر أن تتوسط قطر في صفقة كهذه!
تضيف المصادر نفسها أنها علمت أن غالبية تواصل السفير القطري تكون مع منسق شؤون مناطق السلطة الفلسطينية في حكومة العدو، يوآف مردخاي، لكن العمادي نفسه كشف أنه على تواصل مع وزير الشؤون الإقليمية تساحي هنغبي (من حزب «الليكود»)، وجهات أمنية إسرائيلية أخرى، يرسل إليهم بين حين وآخر تقييمات للوضع على صورة «تحذيرات» أو نصائح، ما يجعله بصورة أخرى «سفيراً لقطر في إسرائيل... قبل غزة». وخلال «الحصار» على قطر الذي بدأ قبل أقل من عام، تحدث مع «أصدقائه» في إسرائيل ليضغطوا بدورهم على واشنطن كي تضغط الأخيرة على السعودية والإمارات والبحرين ومصر.
لتأكيد المؤكد، شرع السفير القطري في فتح علاقات تجارية مع إسرائيل وأجرى صفقات بين تل أبيب والدوحة لسدّ احتياجات الأخيرة الاقتصادية من مصانع إسرائيلية. وعندما يثور الشك، أو يبدأ الضخ الإعلامي، يؤكد الرجل مراراً أن المساعدات التي تقدمها الدوحة لا تتعدى «الجانب الإنساني والمعيشي»، وأن لا مساعدات للمقاومة بالمال أو بالسلاح، والدليل على «النزاهة» أن جميع المساعدات التي تدخلها قطر «تأتي بموافقة إسرائيلية... وكل سنت نحوّله مراقب لضمان استثماره في الاحتياجات الإنسانية».

رجل إطفاء «الحرائق»

في التاسع من تموز الماضي، كانت أول زيارة للعمادي إلى غزة منذ أزمة بلاده السياسية، لكن التوقيت الذي يأتي فيه يتزامن عادة مع اشتداد الحصار أو أمارات المواجهة. مع ذلك، يُجمع كل محدثينا على أن ما يقدم في هذه الزيارات ليست سوى «مسكنات للألم... تطبيقاً للسياسة الإسرائيلية نفسها» (راجع: العدد ٢٥٩١ في ١٦ أيار ٢٠١٥، والعدد ٢٩٤٥ في ٢٧ تموز ٢٠١٦). أما عن الزيارة الجارية منذ أيام، فلم يدّخر مبعوث الرئيس الأميركي إلى المنطقة، جيسون غرينبلات، جهداً في الكشف عن أن مهمة العمادي جاءت بمباركة أميركية وإسرائيلية، مضيفاً أن «شراكة قطر مع إسرائيل يمكن أن تحقق إغاثة حقيقية للفلسطينيين».
وعقّب غرينبلات عبر «تويتر» على تصريحات السفير القطري الأخيرة بأن «إنهاء الدعم لحركة حماس والتركيز على المساعدات الإنسانية وإعادة الإعمار ستنهي المعاناة في غزة»، فيما يبدو رضىً أميركياً عن دور قطر التي كادت تدان في الولايات المتحدة بدعم «حماس» (راجع: قطر تغسل يدها من «حماس»؟ العدد ٣٣٤٤ في ٩ كانون الأول ٢٠١٧)، وهو ما نطق به العمادي بصراحة: «(هذا) دليل على نأي الدوحة بنفسها عن حماس».
لكنّ المصادر الفلسطينية تقول إن قطع العمادي إجازته وزيارته السريعة أتت عقب التصعيد الأخير في غزة، وبسبب المواجهات الحدودية المستمرة والمتزامة مع إعلان النية لـ«تسيير مسيرة العودة الكبرى»، مضيفة أن رئيس المكتب السياسي لـ«حماس» أجرى اتصالاً بالأمير تميم قبل سفره إلى العاصمة المصرية القاهرة، طالباً مساعدة القطاع مالياً.
وكان السفير القطري يستعين بأصدقاء آخرين في مهماته، إذ عمل مع شخصيات تركية، بعد إعادة العلاقة الرسمية والعلنية بين أنقرة وتل أبيب، إضافة إلى شخصيات أوروبية، على تمرير مقترح في جدول الحكومة الإسرائيلية، قائم على إنشاء ميناء عائم ومطار في غزة، إضافة إلى إيجاد حلول للكهرباء والمياه (راجع العدد ٣١٠٣ في ١٣ شباط ٢٠١٧). كذلك أبرم اتفاقاً مبدئياً مع «الرباعية الدولية» لإمداد غزة بخط غاز لمحطة توليد الكهرباء، وإنشاء محطة تحلية مياه مصحوبة بشركة توليد.
تكشف المصادر أن الأجهزة الأمنية سجّلت ملاحظة خلال إحدى زيارات العمادي، حينما عرض تقديم شقق في «مدينة حمد» إلى قيادات في جهاز «الأمن والحماية» الخاص بالشخصيات، وذلك لزيادة الحماية من حوله. والآن تعمل وسائل إعلام سعودية وإماراتية وأخرى مصرية على «نكش» ملفات العمادي، إلى حدّ أنها عرضت أموالاً على من يملك وثائق تدين الرجل أو المشاريع القطرية، بعدما كانت قد حفلت بـ«الإهانة» التي تلقّاها في غزة، دون أن يشغل بالها الدور الذي يؤديه مع إسرائيل، ولعل سبب ذلك أنها نقطة اتفاق بين عواصمها والدوحة!