كعادة لبنان، تلازم السياسة ولعبتها المشاكل الاجتماعية في وطن «تبرمه» بست ساعات. كل ما يحدث مرتبط بهذه اللعبة التي يتقنها «لاعبون محترفون» منذ عشرين عاماً، وبتشجيعٍ من جمهور يصفق بحرارة عند كل هدف.

المطلب المشروع لأهالي منطقة إقليم الخروب برفض إنشاء مطمر في منطقتهم، رسم مرة أخرى مشهد الانقسام الحاد بين اللبنانيين: مؤيدون لحق «من يرفض مطمراً في منطقة سكنية» من جهة، ومنزعجون من قطع الطريق. وبالتوازي، وجد بعض القوى السياسية في المنطقة في الحدث مناسبة للعودة إلى الواجهة مجدداً، بعد إبعاد قسري، من قبل ورثة الزعامات السياسية، وليد جنبلاط وسعد الدين الحريري.

مشاهد اليومين الماضيين تبدأ من بلدة برجا، والدعوة إلى النزول وقطع الطريق الدولي بين بيروت والجنوب في الاتجاهين. الزحمة الخانقة، والسير المحوّل ناحية بلدتي الجية وبرجا، إضافة إلى حر الشمس، أرهقت العائدين من الجنوب بعد عطلة نهاية الأسبوع. استغرقت رحلتهم خمس ساعات، قبل أن تنتهي مفاعيل هذه «العجقة» ظهر أمس.
المشهد «العفوي» في ظاهره، على رغم الحسابات السياسية الخاصة بالتنظيمات المشاركة، أدرجه «التحليل السياسي» للجمهور الآخر في خانة «المؤامرة الكونية» على المقاومة وجمهورها. المشهد الافتراضي على معظم صفحات وحسابات القادمين من «رحلة الصيف» الجنوبية وصل حدّ التجييش الطائفي، والتذكير بـ«السابع من أيّار»، وربط قطع الطريق بمعركة الزبداني. وأطلق آخرون العنان لروايات عن عناصر من «داعش» يهاجمون السيارات ويحطمونها، غذّتها الرسائل «الواتس آبية» عن ظهور مسلّح.


أهالي الجيّة المؤيّدون
للمقاومة وضعوا التحرّك في إطاره المطلبي

هذه الصورة رفضها أبناء برجا الذين «اعتذروا» عن قطع الطريق، ولكن «هل من حل آخر، ليسمع صوتنا؟»، كما يقول أحد أبناء البلدة، مؤكداً أن «عدداً من المشاركين في الاعتصام من مؤيدي المقاومة».
وحدهم أهالي الجية، المؤيدين لحزب الله، والموزعين على مختلف صفوف قوى الثامن من آذار، وضعوا الأمور في نصابها الطبيعي، وأعادوا رسم المشهد: تحرك مطلبي حقوقي، لا مصداقية لما «تتداولونه»، «نحنا ع الطريق من الصبح، وعم نساعد العالم نحنا وياهون (أهالي برجا)»، كما يقول أحد النشطاء، فيما يؤيد آخرون مطالب جيرانهم في برجا، الذين يأكلون معهم حصرم «شركة الكهربا بالجية ومعمل سبلين.. وما ناقصهن مكب زبالة»، كما كتبت إحدى الناشطات.
أحد مسؤولي الثامن من آذار في المنطقة أكّد أن التحرك «حقوقي»، مشيراً إلى أن الأمور وصلت إلى هنا بعد «تمييع» في بتّ الحلول منذ عام 2010، ومعرباً عن تضامن فريقه مع الحق المشروع للأهالي في مواجهة «وحش المال والسلطة في الاقليم».
على الجهة المقابلة، حيث كانت بلدية برجا صاحبة المبادرة الى قرار النزول للشارع، لم يخل الأمر من استغلال سياسي. «الجماعة الإسلامية» حاولت الاستفادة من الحدث، وتعويم نفسها، وتولّي قيادة الحراك العفوي. فالمطلب شعبوي بامتياز، يلامس مشاعر سكان البلدة، ويستقطب شبابها، خصوصاً أن المزاج العام لأهالي «المنطقة» تغيّر كثيراً عما كان في السابق تجاه المستقبل والاشتراكي. وجدت «الجماعة» نفسها أمام فرصة ذهبية للعودة إلى المشهد، وتسويق «مطالب» حقوق المواطن في وجه حلفائها الذين يساومون على «صحة ابن الإقليم».