ترتبك سارة أثناء تنقّلها بكرسيها المتحرّك بين زحمة الناس في المجمّع التجاري. تتعثّر. تمسك بيد أمّها بقوّة تحسبًا لأي طارئ. تدور في المتجر. تتأمل واجهات المحال. تقف أمام باب السينما، مراقبة حركة الناس. يتنقلون بحرية. يدوسون على عتبة الدرج الطويل الذي يقودهم إلى صالة العرض بسهولة ويسر. بالنسبة لسارة، هو ليس مجرّد درج. هو عقبة كبيرة لن تقوى على اجتيازها.


تمتلئ الصالة في دقائق. تخفت الأضواء ويعلو التصفيق من خلف الباب الموصد على الكثير من اللّحظات الحلوة. تحاول رسم بعض مشاهد الفيلم في مخيّلتها. تتنهّد بحسرة، وتقول: «أكيد بيعقّد».
تستذكر سارة، الصبية العشرينية التي تعاني من إعاقة جسديّة منذ الطفولة، المرة الوحيدة التي استطاعت فيها دخول صالة السينما لمشاهدة فيلم «خلّة وردة» مع صديقاتها. كان ذلك قبل 7 سنوات خلال رحلة مدرسية. تروي كيف اضطرت معلّمتها وصديقاتها إلى حملها بالكرسي لتخطّي الدرج. تتذكر حزنها ذلك اليوم من اضطرارها للجلوس في الصفّ الأوّل كي لا تعيق حركة المارة بين الصفوف.

لا بحر في الصيف

يواظب محسن عبدالله على تأدية صلاته اليومية في مسجد الإمامين الحسنين في حارة حريك. يتنقل على دراجته النارية الخاصّة التي استحدثها بثلاثة دواليب و«جوانب» للحماية تقيه خطر السقوط. إعاقته الجسدية منعته من استخدام النقل العام لعدم جهوزيّته لذوي الإحتياجات الخاصّة، وشكّلت حاجزًا أمام ممارسته هواية السّباحة أيضًا. في الصيف، يلتزم عبدالله منزله، فمعظم شواطئ بيروت غير مجهّزة لاستقبال من هم في مثل حالته. هنا، عند تلك الشواطئ، لا منحدرات خشبية ليصل هؤلاء إلى البحر. قد يعتبره البعض تفصيلاً لا قيمة له، في الوقت الذي يشكّل لمستخدمي الكراسي المتحرّكة السّبيل الوحيد لتخطي عقبة السّلالم.

بطاقة عبور

يغيب مشجّع نادي النجمة الرّياضي علي عسّاف عن مباريات فريقه المفضّل منذ مدّة. حالته الصحية التي ألزمته الفراش، لا تسمح له بالإنتقال إلى الملعب. مع ذلك، لم يثنه وضعه عن تشجيع «النّجمة» ولو عبر التلفاز.
عسّاف الذي بقي يشجّع ناديه المفضّل «لايف» حتى أقعده المرض، هو من القلائل في لبنان الذين استطاعوا دخول ملاعب كرة القدم من دون عوائق... ببطاقة من الاتحاد اللبناني لكرة القدم، تخوّله دخول الملعب مجانًا والجلوس إلى جانب المنصّة الرئيسية على أرض الملعب. البطاقة سمحت له بـ«استعمال» مدخل خاص يصل إلى أرض الملعب مباشرةً، بعيدًا عن المدرّجات وأرصفة الباطون.

القانون 220/2000

سارة ليست حالة منفصلة، ولا حتى محسن. هما نموذجان لآلاف المعوّقين في لبنان. بعضهم فضّل البقاء في الظل، فيما البعض الآخر قرر رفع الصوت، مطالباً بحقوق أقل ما يمكن وصفها بـ«العادية». في العام 2000، أقرّ مجلس النواب اللّبناني القانون رقم 220/2000، المتعلّق بحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة. يتألف القانون من مئة ومادّتين تنص على «حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة في مجالات الصحة والتعليم والعمالة والنقل والبيئة»، وغير ذلك مما يفترض أنها «منافع إجتماعية واقتصادية». بعد الإقرار، كان من المفترض أن يسلك القانون السبيل التالي: الإيعاز إلى الوزارات المعنية لتنفيذ استراتيجيات قائمة على دمج الأشخاص ذوي الإعاقة في المجتمع، كلّ بحسب اختصاصه. لكن يبدو أنه، بعد 18 عامًا، لا يزال القانون عاجزًا عن تقديم أبسط الحقوق للأشخاص المعوقين، تماما كعجزهم عن التنقل واللّهو ضمن بيئة إجتماعية مؤهّلة تناسب احتياجاتهم.
إلى جانب القانون، وقع لبنان في 2007 «الإتفاقية الدولية لحقوق الأشخاص ذوي الإعاقة»، الصادرة عن الأمم المتحدة في كانون الأول 2006، غير أنّها لا تزال عالقة في أدراج المجلس النيابي حتى اليوم، ولم يصادق عليها ولا على البروتوكول المرفق بها.
القانون عالق والإتفاقية أيضاً، فيما ذوو الإحتياجات الخاصة لا حول لهم ولا قوة. لا يملكون سوى لوم وزارة الشؤون الإجتماعية. مع ذلك، يغفل هؤلاء، أو بعضهم، أنّ المسؤولية تتوزّع على الدولة بوزاراتها المختلفة ولا تقع فقط على عاتق جهةٍ واحدة. ولئن كانت وزارة الشؤون ليست معفاة من «دورها» اتجاه هؤلاء، إلا أن «اللوم يكون على قدر ما تلتزم به، فهي ملزمة بتأمين مجموع الخدمات التي يحتاجها المعوّق ويستفيد منها وفقًا للبطاقة الإجتماعية التي يحملها»، تقول رئيسة «مصلحة شؤون المعوقين» ماري حاج. أما خارج هذا الأمر، «فلا علاقة للوزارة». وتعطي هنا مثالاً عن تأهيل الأماكن السياحية هندسياً، «فهذه ليست من مسؤولية وزارة الشؤون». تشدّد حاج على عدم وجود سلطة للوزارة على بقية الوزارات، فما يمكن أن تقوم به هو «أن ترفع دوريًّا كتابات ومقترحات للهيئة الوطنية لشؤون المعوقين برئاسة وزير الشؤون الإجتماعية لتأمين الخدمات لهذه الشرائح»، مؤكّدةً ضرورة «توعية المجتمع اتجاه حقوق المعوقين ودمجهم في المؤسسات التعليمية ومنحهم الطبابة الصحية الكاملة».

الخيمة رقم 19

معظم الأماكن السياحية في لبنان مؤجّرة وليست ملكًا للدولة. وفي وقت تفتقر فيه إلى أدنى مؤهلات استقبال الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصّة، لا تفرض الدولة على أصحابها ضرورة تجهيزها. في بعض الأحيان، تقتصر الخدمات على إعفاء المؤسسات أو الجمعيات التي تعنى بذوي الاحتياجات الخاصة من رسم الدخول كـ«مبادرة شخصيّة».
التهميش المتعمّد من مؤسسات الدولة تجاه حقوق هؤلاء الأشخاص بالترفيه، قابلته مبادرات فرديّة تساهم في دمجهم في المجتمع اللّبناني. خلال الصيف الماضي، أطلق «الإتحاد اللّبناني للأشخاص المعوقين حركيًّا» مشروع «السّياحة للجميع» الذي سلط الضوء على الشقّ الترفيهي في حياة ذوي الاحتياجات الخاصة، إضافة إلى العمل على دمجهم وتوظيفهم في الأماكن السياحية.
المشروع الذي استهدف 5 مناطق أساسية سياحية في لبنان منها محمية أرز الشوف وصور وبعلبك وجبيل، انطلق أوّلا من شاطئ صور، حيث أُنشئت خيمة نموذجية عرفت بـ«خيمة رقم 19». وفق هذا المشروع، بات بإمكان ذوي الاحتياجات الخاصة ركن السيارة في الموقف الخارجي والتوجه بكرسيه المتحرّك على ممر خشبيّ آمن ومن ثم إلى الطاولات وصولًا إلى البحر، إلى جانب تجهيز مرحاض خاص داخل الخيمة.
تشير المتخصصة في العلاج الإنشغالي في الإتحاد، فرح الشيخ علي، إلى أنّ مميزات هذه الخيمة لا تقتصر فقط على الشقّ التجهيزي، بل تنسحب أيضًا على مستوى الخدمة «إذ جرى تدريب الفريق الموجود داخلها لجهة التعاطي مع الشخص المعوّق، إلى جانب اعداد لائحة طعام بلغة «البريل» للأشخاص المكفوفين ونسخة أخرى ممكنة للذين لا يمتلكون مهارة القراءة».
يثق أعضاء الإتحاد بإمكانية تطوير مشروع «السياحة للجميع»، خصوصًا بعد توقيع بروتوكول مع وزير السياحة أفيديس كيدانيان يتضمن معايير عالمية. وهم، بعد استقطاب المشروع بنسخته الأولى لعدد كبير من الأشخاص ذوي الإحتياجات الخاصّة والمسنين أيضًا، يتطلّعون «إلى تحويل النموذج الأول إلى نموذج تحفيزي للآخرين لما له من منفعة إقتصادية كبيرة على رجال الأعمال والقطاع الخاص ستدفعهم للمنافسة»، كما تؤكد الشيخ علي.

البقاء في البيت لأسباب هندسية

يشكّل التجهيز الهندسي للطرقات والأرصفة ومداخل المحال أكثر العقبات لذوي الاحتياجات الخاصة الحركية. شكل الطرقات لا يتلاءم مع الكرسي المتحرك أو «العكاز» التي يستخدمها أكثر من نصف هؤلاء في لبنان. في العام 2009، صدر المرسوم التطبيقي 441/2009 الذي يحدد المعايير التي تتعلق بالتجهيز الهندسي. وصدر بعده بعامين مرسوم تطبيقي ربطًا بقانون البناء وبالقسم الرابع من القانون 220/2000 المتعلق بالبيئة الهندسية الدامجة. وفقًا لهذين المرسومين، كان يفترض اليوم أن تكون كافة الأماكن مجهّزة للمواطنين ذوي الحاجات الخاصّة. لكن، بقيت كما غيرها: حبراً على ورق.
لا يجد عماد الدين رائف، المتطوّع في الإتحاد اللبناني للأشخاص المعوقين حركيًّا، سوى الأسف «لاحتجاز حوالي 25% من أفراد المجتمع اللبناني في منازلهم لأسباب تتعلق بالهندسة». والأسف تالياً على قانونٍ «تطبيقه مرهون للإرادة الرسمية غير الموجودة، إلّا اذا أقنعنا السياسيين أنّ هذا الموضوع يصب في مصلحتهم ويدخل إلى جيوبهم الربح».
يختصر رائف سنوات من العمل المتواصل لصالح حقوق ذوي الاحتياجات الخاصة. يرى أنّ «الإعاقة ناتجة عن المجتمع الذي يعوّق حركة الشخص، لأنّ المجتمع يضع في وجهه عتبة لا يستطيع تخطّيها».




98000

هو عدد الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة المسجلين في لوائح وزارة الشؤون الاجتماعية.

%86

منهم يتخطون الثامنة عشرة من العمر

53900

هو عدد من يعانون من إعاقة حركيّة، وهو العدد الأعلى بين مختلف أنواع الإعاقات الأخرى.