دخلت أزمة النفايات يومها الثاني عشر. طوال الفترة الماضية كانت النفايات تتكدّس في الشوارع إلى حين إعلان وزير البيئة محمد المشنوق أن عمليات إزالة النفايات من بيروت ستبدأ. لم يعرف اللبنانيون إلى أين ستُنقل هذه النفايات، والمشنوق نفسه شعر بأن لا حاجة له ليخبرهم ما هي الخطة. ما نعرفه اليوم، وما تعترف به بلدية بيروت، هو أنّ الشاحنات المليئة بالنفايات، والتابعة للمقاول جهاد العرب، متوقفة حالياً في منطقة الكرنتينا، بعد أن مُنعت من التوجه إلى سبلين، ما تطلّب من بلدية بيروت أن تُخصص مساحة أكبر لجمع النفايات في هذه النقطة وتضعها في تصرف شركة «سوكلين».


أمّا السرّ، فلا ينكشف إلا ليلاً عندما تنطلق الشاحنات تحت جنح الظلام إلى مواقع «سرية». يُنكر الجميع علاقته بهذه الشاحنات، فهي، إذا صدّقنا التصريحات الرسمية، لم تأخذ تعليمات من أحد، ما يعني أنّ هناك «شاحنات» يحرّكها «أشباح» أو تتحرك وحدها لترمي نفايات بيروت في عدد من المواقع المرصودة!
المكبات السرية التي نشأت أخيراً هي نتيجة طبيعية لقرار وزير البيئة السري أيضاً. فليل السبت الفائت، «بشّر وزير البيئة محمد المشنوق، بقرب حل مشكلة النفايات، معلناً وضعَ لوائح في الأماكن التي ستنقل إليها النفايات الموضبة في بالات»، من دون الكشف عن هذه الأماكن. أعلن المشنوق أنّ العملية دقيقة وتوجب «العمل بصمت»، ليتضح بعد أيام أنّ مكبات عشوائية بدأت تتكوّن في المناطق وفي بيروت، ما يعيد صورة الحرب حين أصبحت المكبات العشوائية في كل مكان.
نفايات بيروت، التي أُزيل قسم صغير منها، تتوزّع اليوم على ثلاث نقاط أساسية، هي الكرنتينا، الكوستا برافا وموقف الباصات في سن الفيل. فقد وثّقت مجموعة «طلعت ريحتكم» أول من أمس عدداً من الشاحنات المحمّلة نفايات، انطلقت من الأشرفية عند الساعة الثانية فجراً، ليتبيّن بعد مطاردة هذه الشاحنات، أنّ الوجهة هي موقف الباصات القديم في سن الفيل، حيث أفرغت النفايات. كذلك رصدت المجموعة عملية رمي نفايات في منطقة الكوستا برافا.


عمليات الحفر
في منطقة الكوستا برافا جارية منذ أيام لطمر النفايات


لا تعترف بلدية بيروت إلا بنقطة الكرنتينا، إذ ينفي رئيس بلدية بيروت بلال حمد في حديث لـ»الأخبار»، أن «يكون هناك أي تعليمات لرمي النفايات في موقف الباصات القديم». لكن لمن تتبع الشاحنات التي رُصدت في الموقف ليلاً؟ يقول حمد: «الله أعلم بمن يقوم بهذه العملية». إذاً، لا يعلم رئيس بلدية بيروت من يرمي النفايات في عقار تابع للبلدية وتحت عيونها، ويقول إنّ «سوكلين تنقل نفايات بيروت إلى مستودعاتها ومركز معالجة النفايات في الكرنتينا، حيث أعطيناها مساحة أكبر بهدف حل الأزمة. أمّا أي تجمّع للنفايات خارج نطاق سوكلين وعقارات البلدية، فلا علاقة لنا به». يُعلن حمد أنّ «هناك مئات المكبات العشوائية في لبنان، ولا نريد أن ينشأ مكب آخر في العاصمة»، مشيراً إلى أنه «لا توجد عقارات بلدية ذات مساحة كبيرة لرمي النفايات فيها، فهل نرمي النفايات في حرش بيروت أو في الحمرا؟». ماذا عن منطقة الردم في البيال؟ يقول حمد: «هل أرمي النفايات بوجه فندق فور سيزن؟ بقينا سنوات لمعالجة مكب النورماندي». لكن، يبدو أنّ رئيس بلدية بيروت بلال حمد، برأي وزير الداخلية نهاد المشنوق، «يتحدث إلى الكاميرا لأنها بلا ذاكرة»، في انتقاد مباشر له، ويضيف المشنوق أن «المحافظ القاضي زياد شبيب هو الذي بقي طوال ليل أمس الاثنين يعمل معنا على حل مشكلة النفايات في بيروت».
ولكن أي حل؟
تؤكد مصادر معنية أنّ المقاول جهاد العرب يتولى منذ أيام أعمال الحفر في موقع الكوستا برافا، حيث تُطمَر النفايات فيه، وهو وضع آلياته في تصرّف الجهات الرسمية التي تعمل على إيجاد مواقع لنقل نفايات بيروت إليها من دون أي عقد مع الدولة أو بلدية بيروت، وإنما كفعل تطوعي! وقالت المصادر نفسها إن الشاحنات، التي خصصها العرب للإسهام في نقل النفايات إلى سبلين في إقليم الخروب ومنع الأهالي وصولها وصادروا بعضها، لا تزال محمّلة نفاياتها ومتوقفة أمام موقع التجميع في الكرنتينا الممتلئ بالنفايات.
البلديات الأخرى أيضاً تحركت، فباشرت بإنشاء المكبات العشوائية للتخلص من نفاياتها، ومن نفايات بيروت على الأرجح. ففي ما يتعلق بنفايات الضاحية، يسود «غموض» بين أوساط رؤساء البلديات، إذ يبدو أنّ هناك اتفاقاً بعدم البوح عن أماكن رمي النفايات. يُعلن رئيس اتحاد بلديات الضاحية، محمد درغام، أنه «بعد مرور خمسة أيام على بدء الأزمة باشرت بلديات الضاحية بفتح الشوارع التي أغلقتها النفايات في الضاحية، وليس بإزالة النفايات»، أمّا عن أماكن رمي النفايات، فيرفض درغام تحديد مواقع معينة، مكتفياً بالقول إنّ «هناك عقارات ومشاعات للدولة نعالج فيها هذه النفايات، ولا يمكن أن نُفصح عن أماكن رمي النفايات، إذ إننا اليوم بمرحلة معالجة الموضوع قدر المستطاع». إلّا أنّ المعلومات تشير إلى أنّ نفايات الضاحية تُنقل إلى منطقة المريجة المحاذية لمطار بيروت الدولي، وبالتالي بات هذا الموقع بالإضافة إلى موقع الكوستا برافا المحاذي للمطار من جهة البحر، يشكلان تهديداً مباشراً لسلامة الطيران المدني من مطار بيروت الدولي وإليه.
هذا الواقع دفع وزير الأشغال العامة والنقل غازي زعيتر، إلى تجديد تحذيراته من أضرار رمي النفايات قريباً من المطار على السلامة العامة للطيران، وهذه التحذيرات ليست سوى دليل واضح على ما يحصل هناك. فقد أعلن زعيتر أنّ «ما يجري اليوم في محيط المطار وعلى أرضه يدفعنا إلى توجيه تحذير من أن سلامة الطيران مرتبطة ببعض الأشغال الجارية في محيط المطار، خصوصاً من الجهة الغربية المحاذية للمدرج الغربي. فصحيح أن البعض يستسهل وجود مساحات واسعة ومفتوحة وغير مستعملة، ومن الممكن أن يرمي الأوساخ فيها»، مؤكداً بعد جولته على المناطق المحيطة بحرم وسور المطار والمدارج، أنّ هناك من يرمي النفايات في المناطق المحاذية لسور المطار، ما يشكل خطراً على سلامة الطيران.
من جهته، يعلن رئيس بلدية سن الفيل نبيل كحالة، أنّ موقف الباصات القديمة لا علاقة لسن الفيل به، بل يتبع لبلدية بيروت. أمّا عن نفايات سن الفيل، فيُعلن كحالة أنها «تُنقَل إلى أرض تملكها البلدية قريبة من جسر الأحدب، هي عبارة عن منطقة غير مزروعة نرمي فيها النفايات مؤقتاً»، مشيراً إلى أنّ «قدرة استيعاب هذه الأرض لا تزال تكفي فقط لثلاثة أيام، عندها سترتفع الأصوات».
كذلك جرى تناقل صور تؤكد رمي بلدية بيت مري لنفايات المنطقة في وادي على طريق المونتيفيردي والكنيسة. وظهرت المكبات السرية في مناطق عدّة مثل منطقة العيون في برمانا وأحراج عرمون ومحلة مار روكز في المنصورية.