في كتابه تحت عنوان: «مشروع أمة: لبنان الغد»، يعيد الاقتصادي الليبرالي، روي بدارو (رجل أعمال أيضاً، اختاره رئيس حزب القوات اللبنانية مستشاراً اقتصادياً)، إحياء سردية «بشير الجميل»، ليقترح ما سمّاه «المشروع الوطني». يقول إنه إذا ما نُفّذ بحذافيره سيمهّد الطريق أمام لبنان ليتطوّر، ويصبح دولة قائدة ومحصّنة في مواجهة «الضغوط الأجنبيّة» الاقتصادية والسياسية.

يعيد بدارو أسباب تدهور الأوضاع الاقتصاديّة في لبنان إلى غياب رؤية اقتصادية شاملة ومتماسكة طويلة الأمد. ويرى أن السياسات الاقتصاديّة، في مرحلة ما بعد الحرب اللبنانيّة، وبغض النظر عن مساهمتها في إعادة إعمار لبنان، لم تحقّق المنافع العامّة المرجوّة منها، بل غرست، بدلاً من ذلك، ثقافة السوق والنزعة التجاريّة المركنتيليّة المحدودة البصيرة والرأسماليّة الريعيّة «غير المجدية» تحت إشراف دولة فاسدة ومتأخرة. وبالنتيجة، زعزع اقتصاد «القلة السعيدة» استقرار «الجانب الديمقراطي للسوق الحرّة»، ورسّخ «رذائل» اقتصاديّة واجتماعيّة داخل المجتمع، كعدم المساواة في الدخل والثروة، وارتفاع معدل البطالة، وضعف البنى التحتيّة العامّة، فضلاً عن عجز مالي يتنامى في دائرة مفرغة.
طبعاً، مع التغاضي عن الإشكاليات التي تثيرها المفردات «الأخلاقية» واعتبار «الرذائل» عوارض جانبية، مثل الجشع والفساد، وليست آليات لعمل «النظام الاقتصادي» ونتائجه.
إلا أنّ الكاتب يقرّ أن أزمة «اقتصاد القلّة السعيدة» تتفاقم مع مشكلات أخرى كأزمة اللاجئين، وعدم كفاءة الخدمات العامّة (الطاقة والمياه ومعالجة النفايات والنقل...)، والتدهور البيئي، وعدم المساواة بين الجنسين... ويردّ على هذه المشكلات بطرح مجموعة مبادرات خاصّة لكل حالة، معوّلاً على «المساعدات الأجنبيّة» وتدخل الدولة في بعض الحالات، وانسحاب كل أجهزة الدولة في حالات أخرى.
في تحليله لعجز الموازنة العامّة، يحدّد بدارو مبالغ طائلة هُدرت لتمويل مؤسّسات عامّة غير فعّالة، ومبالغ أكبر لتمويل الدين العام الذي لامس، وفق حساباته، نسبة 140% إلى الناتج المحلي الإجمالي. ويرى أن الضحايا الرئيسيين لهذا «التوزيع العجيب» هم الشركات والمؤسّسات المحليّة التي تعاني نقصاً في التمويل، كون المصارف والمؤسّسات الماليّة توجّهت نحو تمويل الدين العام للحصول على أرباح ضخمة وسهلة. وباتت هذه الممارسة سائدة على حساب الاقتصاد الذي تضرّر بشدّة وعلى نطاق واسع.
يتناول بدارو «بيئة الأعمال»، وهي لبّ قضيته. يقول إن الشركات تضطر إلى التعامل مع «هيمنة الاحتكارات التي تنعم بامتيازات سياسية»، ما قوّض المنافسة والابتكار، ودمّر محاولات التقدّم الجماعي والنمو، فضلاً عن تأثيرات السياسات الضريبيّة، التي تُرجمت عملياً باضطرار الشركات الصغيرة والمتوسطة للكفاح المتواصل من أجل البقاء والاستمرار بمعدلات ربحيّة منخفضة وإعادة استثمار نادرة في رأس المال.
يرى بدارو أن غياب أسواق رأس المال الكفوءة لتمويل هذه الأنشطة والأعمال جعل الأمور أشّد سوءاً، وولّد هذا الوضع الصعب عجزاً تراكمياً في الميزان التجاري، نتج عنه عجز متزايد في ميزان المدفوعات، إذ تمت عرقلة أعمال الشركات والمؤسسات المحليّة ومنعت من المنافسة في السوق الدوليّة، وهو ما يفسّر، برأيه، أسباب توجّه الشركات نحو «استغلال العمالة» الرخيصة – معظمهم من اللاجئين السوريين – للمحافظة على قدرتها التنافسيّة، بدلاً من الاستثمار لتعزيز الإنتاجيّة عبر المكننة والروبوتات.
علاوة على ذلك، وفي ظلّ افتقار المؤسّسات العامّة للاستقرار والنظم الفعّالة، ونتيجة انعدام شروط بقاء وازدهار الأعمال المحليّة، فشل النظام في خلق فرص عمل مستدامة. وكما هو متوقّع، باتت الدولة تعاني من هجرة الأدمغة والعمالة الماهرة بحثاً عن فرص عمل لائقة، وعلى الرغم من أن هجرة الشباب كان لها انعكاسات إيجابيّة على ميزان المدفوعات، إلّا أن التكاليف المجتمعيّة للهجرة بقيت مرتفعة جداً.

يلوم بدارو مصرف لبنان لاختياره دعم الاقتصاد المالي على حساب الاقتصاد الحقيقي


لذلك، يدعو الكاتب إلى «تحرير الاقتصاد من التوابع المدمّرة ذاتياً بطبيعتها». وبناءً على ذلك، يختار مقاربة بنيويّة نيوكلاسيكية، ويصمّم نموذجاً للنمو ثلاثي الأبعاد يمزج بين السياسات البنيويّة والمالية والنقديّة.
يقترح بدارو الالتزام بتعزيز الاستثمار في الاقتصاد المحلي، عبر سياسات تهدف إلى الحدّ من الفساد، وتهيئة بيئة خصبة للتنافس وتنمية القدرة التنافسيّة بين الشركات. أبرز هذه السياسات: القضاء على الاحتكارات، والحدّ من حواجز دخول وخروج الصادرات، وتخفيض كلفة المعاملات، وتقاسم أعباء تكاليف أنظمة الضمان والحماية الاجتماعية بين القطاعين العام والخاص، والاعتراف بوجود اختلافات في الحد الأدنى للأجور والنظام الضريبي وغيرها، بالمقارنة مع المنطقة، وتنظيمها وفقاً لذلك.
ينتقد بدارو إجراءات التقشف السافرة والإجراءات الضريبيّة العشوائية، ويشجّع في المقابل على اعتماد سياسة تؤمّن نمواً مستداماً لرأس المال والعمل والإنتاجيّة. ويعتبر بدارو أن التصدي لعجز الموازنة يتم من خلال الحدّ من الهدر والفساد في المؤسسات العامة، وتفعيل آليات الجباية، وتصحيح وتنويع القاعدة الضريبيّة. ويعتبر أن هذه المعايير أساسيّة لزيادة نمو الناتج المحلي الإجمالي بمعدّلات تساعد على خفض الدين العام، عبر إعادة هيكلة الإيرادات الضريبيّة وأبرزها رفع الضرائب على المحروقات، تغيير تعرفة الكهرباء بما يخفض عجز مؤسسة كهرباء لبنان، فرض ضرائب تصاعديّة على الدخل وعلى أرباح الشركات والأرباح العقاريّة ومجمل الأرباح، وتحويل الضغط إلى الشرائح العليا بدلاً من الشرائح الدنيا. أمّا بالنسبة لتدابير خفض الإنفاق العام، فيركّز على الخفض التدريجي لعدد الموظفين في القطاع العام وتعديل أجور الباقين بحسب إنتاجيتهم، فضلاً عن إغلاق المؤسسات العامة الضعيفة الأداء، والتي تتخطّى تكاليفها حجم المنافع العامّة التي تقدّمها، والحدّ من الهدر التقني في كل المؤسسات العامة، وتعديل السياسات الجمركيّة للحدّ من تبييض الأموال والفساد.
في الجزء الأخير من الكتاب، يناقش بدارو السياسة النقديّة وانعكاساتها على الاقتصاد اللبناني. ينطلق من ربط سعر صرف الليرة بالدولار، ويظهر التداعيات الخطيرة لسياسة تثبيت سعر صرف الليرة على النمو والتوظيف، ومساهمة هذه السياسة في هجرة الأدمغة. ويناقش المخاطر الكبيرة الناجمة عن سياسات مصرف لبنان، وأبرزها ارتفاع خطر انهيار أسعار العقارات ما قد يقود إلى إفلاس عدد من المصارف والمؤسسات الماليّة، والإمعان في رفع قيمة سعر الصرف الحقيقي، ما يزيد حجم الدين العام ويضرّ بالصناعة والتصدير والسياحة. بمعنى آخر، يلوم بدارو مصرف لبنان لاختياره دعم الاقتصاد المالي على حساب الاقتصاد الحقيقي. ويطرح مجموعة من الإجراءات النقديّة التصحيحيّة، بدءاً من قيام مصرف لبنان بتحديد أولوياته والحدّ من مشاركته في تمويل الدين العام تدريجاً، وتوجيه مساعداته إلى القطاع الخاص وتحفيز المصارف على استخدام أدواتها الماليّة لتأمين القروض لقطاع الإسكان والشركات الصغيرة والمتوسطة، وتثبيت التضخم على مستويات تتراوح بين 3 و3.5%، ومكافحة تورّم معدل البطالة، وخفض أسعار الفائدة تدريجاً، ويشدّد على ضرورة الوصول تدريجاً إلى مستوى معيّن من المرونة في سعر الصرف (من 1500 إلى 2000 ليرة لبنانيّة) بما يسمح بتقلبه نحو المعدّل الأمثل للاقتصاد.



تواقيع

«حان الوقت للحصول على مساعدات دولية من شأنها إجبار لبنان على الإصلاح... على الطريقة التي تمّ عبرها إنقاذ اليونان».

غسان حاصباني، نائب رئيس مجلس الوزراء
«بلومبرغ» ـ 5 آذار 2018

«ضخّ مثل هذه الأخبار التي تخوِّف الناس، من شأنه أن يؤثر سلباً في المناخ العام، ولا سيما الأسواق والاستثمارات والفوائد».

رياض سلامة، حاكم مصرف لبنان
لقاء مع الهيئات الاقتصادية ـ 11 آذار 2018