«إن الماضي يبتلع المستقبل»


يبدو أن مسألة الدين العام قد عادت إلى الواجهة في الفترة الأخيرة، يتجاذبها أمران، إضافة إلى تحضير الموازنة والتحضير لباريس 4: الأول قرار مصرف لبنان برفع الفوائد في مواجهة الأزمة السياسية الأخيرة، ما أضاف عبئاً كبيراً على المالية العامة لعام 2018، يُقدَّر بنحو 700 مليون دولار زيادة على الإنفاق الحكومي على الفوائد. وهذا الأمر حقيقي جداً وخطير جداً. أما الأمر الثاني، فكان توقيع أولى عقود التنقيب عن النفط والغاز، مع وعود بتدفق الواردات من الموارد الطبيعية بعشرات المليارات من الدولارات في وقت ما في المستقبل. لكن هذا الأمر حتى الآن خيالي جداً وبعيدٌ جداً. ما لا شك فيه، أن مسألة تنامي الدين العام في لبنان منذ تسعينيات القرن الماضي قد أخذت قسطها الكافي من النقاش، على الرغم من أنها مرّت بفترات خفّ اهتمام الاقتصاديين والحكومات والمؤسسات الدولية، والشعب بالطبع، بها في شكل ملحوظ. بالتأكيد أيضاً، لا يجب مقاربة الدين العام من الناحية الأخلاقية، التي أخذت أشكالاً مختلفة في أوقات مختلفة. ففي التسعينيات ربط البعض هذا الأمر بأنه جزء من خطة السلام في الشرق الأوسط، الذي كان آنذاك على نار حامية. يقول هذا المنطق (أو بالأحرى اللامنطق) إن سبب تراكم الدين هو جعل لبنان يرتهن للغرب وللدول العربية ذات المنحى الغربي حتى يأتي الوقت الذي تطرح فيه مسألة مسامحة لبنان لهذا الدين مقابل انخراطه في مشروع «الشرق الأوسط الجديد»، أي إنه يتحول من دين نقدي إلى دين سياسي «يسدده للعالم».
طبعاً، هذا انتهى، ليس لأن عملية السلام انتهت، بل لأنه أيضاً كان ضرباً من الخيال ويخضع لمنطق اختزال كل شيء يحصل في الدول العربية بالصراع العربي ــ الإسرائيلي.
كذلك هناك قصة أخرى، أو أسطورة أخرى، أخذت أشكالاً مختلفة، هي أن الدين العام نتج من سرقة المال العام والفساد إلخ... في قصة تقليدية حول «الأبطال والسارقين»، التي قبضت في شكل قوي على وعي الناس في البلد، والتي كان آخر فصولها كتاب «الإبراء المستحيل» الذي عنوانه أصلاً هو متناقض oxymoron، على الرغم من أنني لا أعلم مضمونه لأنني دائماً اعتقدت أنّ من المضيعة للوقت قراءته. طبعاً، في نهاية المطاف ساوم عرّابو هذا الإبراء المستحيل وتحالفوا مع مَن كان من المستحيل تبرئتهم! في تطبيق فجّ للمثل الأميركي If you can’t beat them, join them.
وهناك «نظرية» ثالثة تقول إن الدين هو دين الوطن ككل تجاه «الحرب الأهلية»، و/أو نتج من متطلبات إعادة الإعمار، التي أُنفق عليها في خطة النهوض الاقتصادية. الشق الأول لن أجادل به لمثاليته، ولكن الشق الثاني ليس صحيحاً على الإطلاق. فالإنفاق الذي حصل على إعادة الإعمار في فترة 1993 إلى 1997، والتي يمكن اعتبارها الفترة الفاصلة في إطلاق ديناميكيات انفجار الدين العام، بلغ نحو 4 مليارات دولار، بينما ارتفع الدين العام نحو 15 مليار دولار في تلك الفترة.

لم نرَ أي معارضة من الرأسماليين لقرار مصرف لبنان الأخير برفع معدل الفوائد بـ2%


وكذلك توجد «نظرية» رابعة (وهي ليست الأخيرة)، تعتبر أن الدين سيّئ بحد ذاته، وأن الدولة يجب أن تدفع كل ديونها. وهنا نستطيع طمأنة الجميع إلى أن الدولة لن تدفع جميع ديونها أبداً. ليس هناك من دولة فعلت ذلك (ما عدا رومانيا في الثمانينيات التي دفعت دينها الخارجي في غضون سنوات عبر سياسة التقشف القاسي ورأينا ما حل بالنظام على أثر ذلك!). طبعاً، الطبقة الحاكمة في لبنان أدهى من ذلك (ولا أقول أذكى)، وهي أيضاً غير مهتمة بالصالح العام أو مصلحة الدولة حتى تفكر أصلاً بهذا الأمر وتخطئ حتى لو لم يكن خطأً مميتاً كخطأ تشاوشيسكو.
إذاً لماذا انفجر الدين العام في لبنان؟ إن لم يكن مؤامرة أو سرقة أو بسبب إعادة الاعمار؟ الجواب يكمن في الآتي:
خفض الضرائب على الأرباح ورأس المال + تثبيت سعر الصرف + نظام الطائف التوزيعي = الأول، سمح لعجوزات الخزينة في بادئ الأمر أن تصل في السنوات الفاصلة إلى أكثر من 20% من الناتج المحلي. والثاني، أدى إلى ارتفاع الفائدة إلى معدلات مرابية. والثالث، زاد من الإنفاق الجاري في شكل كبير. كل هذا، مترافقاً مع سياسة الاستدانة، أدى إلى تراكم رأس المال لدى المصارف وأصحاب الرساميل الكبيرة، فكانت توليفة هذه السياسات بمثابة دعم «تصنيع الريع»، كما كانت «حرباً طبقية» ممنهجة شبيهة بما حصل في بريطانيا والولايات المتحدة في الثمانينيات. تلك الحرب، قال عنها الملياردير الأميركي وارن بافيت: «إنها حرب طبقية وإن طبقتي تنتصر». وهي شبيهة أيضاً بما يحصل اليوم في زمن ترامب.
في لبنان، في مقابل ازدياد الدين العام من نحو 3 مليارات دولار في عام 1993 إلى نحو 80 مليار دولار اليوم، ازدادت رساميل المصارف أكثر من 140 مرة، وارتفعت أرباح الرأسماليين الكبار، الذين استثمروا في سندات الخزينة وفي ودائع المصارف، التي أدت إلى عائدات ضخمة وصلت أخيراً مع «الهندسات المالية» إلى معدلات سوريالية. وإذا نظرنا إلى ميزانية الدولة من مطلوبات وموجودات، وعلى الرغم من عدم وجود إحصاء لهذا الأمر، فإنه بازدياد الدين العام وخسارة الدولة لقيمة الأراضي العامة في الوسط التجاري واهتراء أكثرية البنى التحتية، التي يقابلها فقط حيازتها على شركات الاتصال، فإننا نستطيع الجزم بأن محصلة الـ25 سنة الماضية كانت النقل الممنهج للثروة من القطاع العام الذي يملكه الشعب كله إلى حفنة من الرأسماليين.
ففي خلال كل تلك الفترة، لم يكن الرأسماليون اللبنانيون مهتمين البتة بأي أمر آخر غير مراكمة الثروة المالية والعقارية، فحتى الجناح الأكثر تقدماً منهم، أي الصناعيون، جرى «شراؤه» بواسطة تجميد الأجور وتدفق العمالة الأجنبية، ومن ثم بعضهم من خلال «سعر العقار»، فرضخوا للرأسمال الريعي. كذلك لم تهتم الرأسمالية اللبنانية الجديدة برفع كفاءة الاقتصاد، ولا حتى بإصلاحات جانب العرض، ولا بالإصلاحات الهيكلية التي كانت رائجة في تلك الفترة في المنطقة العربية، فهي على الرغم من أنها نادت بالخصخصة، لكنها فعلياً لم تفعل شيئاً لتحقيقها، كذلك لم تدفع باتجاه تطبيق أيٍّ من الإصلاحات في باريس 2 و3، التي كانت ستكون في مصلحة الرأسمال على المدى الطويل. لم تفعل كل ذلك لأنها لم تكن أصلاً تبحث عن الكأس المقدسة للنمو الاقتصادي، بل الكأس المقدسة للمال، فوجدتها في الوزّة الذهبية للدولة.
اليوم بعد كل هذا الوقت، ولأن الرأسمالين، المالي والمصرفي، أصبحا القوة الاقتصادية الأقوى، سيبتلع الماضي المستقبل إذا لم نغيِّر هذا النموذج الاقتصادي القديم. من أجل تحقيق هذا التغيير، على كل القوى والطبقات المتقدمة في المجتمع أن تعي أهمية ذلك على ما عداها من السياسات. فعلينا أن نتذكر أن الرأسمال استطاع أن يفعل كل ذلك بفعل قنابل دخانية إيديولوجية في 1992، أتت لتعلن في لبنان حقبة جديدة من النمو والرفاه وعالم رجال الأعمال الباهر. وفي المقابل، كان البعض يتلهى بنظرياته «القومية» و«الأخلاقية» حول الدَّين والسلطة والمال، ولم يرَ أن المعضلة تكمن في السياسات التي أسست للحرب الطبقية التي شُنَّت ضد الطبقات المتوسطة والعاملة في لبنان. اليوم، آن الأوان لإنقاذ المستقبل، وأن يعي الشعب اللبناني أن لا نهاية لهذا الكابوس إلا بحرب طبقية مضادة، فليس هناك من حلول تقنية للدين، ولا حلول قضائية، ولا حلول سياسية من أي نوع كان، فالحل هو اقتصادي ــ سياسي ليس لمعضلة الدين بحدّ ذاتها فقط، بل لمجمل الأزمة الاقتصادية اللبنانية.
ويبدأ هذا الأمر بالنظام الضريبي. فليس مصادفة أن هناك أمرين فقط ترتعد فرائص الرأسماليين منهما في لبنان: زيادة الضريبة وزيادة الأجور، لأنهما الأمران اللذان بُني عليهما هذا النموذج المبنيّ بدوره على الحرب الطبقية. ولذلك، لم نرَ أخيراً معارضة منهم لقرار مصرف لبنان الأخير برفع معدل الفوائد بـ2%، بينما عارضوا بشراسة قلّ نظيرها رفع الضرائب على الفوائد من 5 إلى 7% وعلى شركات الأموال من 15 إلى 17%! إن رفع الضرائب سيكون هدفه ليس خفض الدين العام، بل تغيير النموذج القديم، وذلك عبر استغلال مصادر الريع جميعها، ومنها الريع الخارجي المتمثل بتدفقات أموال المغتربين؛ وفرض الضرائب على الأخير مهم جداً لأنه الريع الديناميكي الذي ينمو بنموّ الاقتصاد الخارجي.
في الفترة السابقة حاول الريعيون قلب مقولة جان بابتيست كولبرت، التي ترى «أن فن فرض الضرائب يكمن في المقدرة على نزع ريش الوزة، بحيث نحصل على قدر أكبر من الريش في مقابل قدر أقل من الفحيح». قلبوها على رأسها باستغلالهم للدولة، ولكن هذه الدولة الآن لا تصدر فقط فحيحاً، بل إنها في موت سريري، وقد لا يصدر عنها أي صوت غير أصوات أجراس موتها ونهاية الاقتصاد والمجتمع معها، وقد آن الأوان لتغيير كل هذا.